تخطى الى المحتوى

عن سدّ الفجوة بين ذوقنا الرفيع ومهاراتنا القاصرة

فؤاد الفرحان
فؤاد الفرحان
عن سدّ الفجوة بين ذوقنا الرفيع ومهاراتنا القاصرة

كلّنا نتمنّى النجاح، كلّنا نتمنّى أن نكون ماهرين ومتميزين في مجال نشعر بالانجذاب نحوه ونرى أنفسنا فيه. لا أعتقد هناك شخص يقرر بإرادته أن يكون شخصاً فاشلاً، ينوي ويفكر ويخطط ويعمل ويتخذ الخطوات لكي يفشل.

عندما نستشعر بوادر شغف شخصي تجاه مجال محدد (ريادة أعمال، مجال وظيفي معين، كتابة رواية، رياضة معينة، إلخ..)، نبدأ خوض مشوار التعلّم والممارسة والانتاج. يحقق بعضنا أهدافه وينجح، وكثير منا يستسلم مبكراً. فما هو سرّ نجاح البعض واستمرارهم، فيما نكون قد استسلمنا وفشلنا؟

لا أظن هناك شيء جديد يمكن قوله حول أسرار النجاح ولم يقل من قبل. كل ما نحتاجه ربما هو تذكير بعضنا البعض بالأساسيات البسيطة والعميقة، مثل قانون الزمن. كل نجاح حقيقي في اكتساب مهارة شخصية في مجال محدد يتطلّب بعض الوقت، الصبر على الممارسة والتعلّم وكثافة الانتاج.

تحدّث إيرا غلاس عن معضلة اكتشاف "الفجوة" بين ذوق المرء ومهاراته. عندما نبدأ ممارسة هواية أو حرفة معينة، نكون مدفوعين بذوق شخصي عالي يدفعنا للرغبة في اكتساب مهارة وحرفة هذا المجال. ونحن مازلنا في البداية، نتخيل أنفسنا في الصورة النهائية بعد النجاح في هذا المجال.

الحقيقة أن انتاجنا الأولي تعيس في الغالب، لأننا مستجدين وما زلنا في خطواتنا الأولى. وهذا الانتاج التعيس يتصادم مع ذوقنا وشغفنا الذي دفعنا لخوض التجربة. نشعر بالإحباط ونستشعر حجم الفجوة والهوة بين ذوقنا (الحاكم) و انتاجنا الأولي، فنصل سريعاً لقناعة قاصرة بأنه لا توجد لدينا المهارات اللازمة للنجاح في هذا المجال.

الزمن هو أهم عامل يساعدنا في ردم هذه الفجوة. كل الملهمين الذين نراهم مبدعين في المجال الذي نرغب في كسب مهاراته واجهوا صدمة الفجوة التي نواجهها. ولكنهم ردموا الفجوة بعدم الاستسلام مبكراً، واصلوا العمل والتعلّم، واصلوا الانتاج حتى لو لم يكن يصل لمستوى ذوقهم، أعطوا الموضوع حقه من الزمن حتى وصلوا للمستوى الذي وصلوا له. لا أعلم لماذا ننسى أن اكتساب المهارات هي مسألة وقت مادام لدينا إصرار ومواصلة وممارسة وكثافة انتاج.

ليس من الإنصاف تجاه أنفسنا أن نقارن انتاجنا الأولي ونحن المبتدئين في مجالنا، بأحدث انتاج ملهمينا أو آخرين سبقونا بسنوات طويلة. سواءً كان الواحد فينا يخوض تجربة بناء شركة ناشئة لأول مرة، أو كتابة رواية لأول مرة، أو لعب رياضة معينة لأول مرة، ذوقنا وشغفنا الذي دفعنا للدخول في هذه التجربة يجب أن يبقى موجوداً ومتّقداً حتى وإن كان انتاجنا الأولي لم يرق لنا. ذوقنا رائع لأنه استطاع التمييز بأن انتاجنا الأولي تعيس، لم يرق له، ولم يجاملنا.

لردم الفجوة بين ذوقنا الذي يجب أن نحافظ عليه رفيعاً وبين قصور مهاراتنا، ليس أمامنا إلا مواصلة الانتاج الكثيف والتعلّم من كل تجربة، ومع الوقت ستتحسن مهاراتنا ونكتسب الخبرات اللازمة.

صدّقني، لست الوحيد الذي يشعر بخيبة الأمل تجاه ما ينتجه مقارنةً مع ما يتمناه ويتوقعه من نفسه. كلنا كذلك، ولكن بعضنا ينجح بردم الفجوة وبعضنا يستسلم ويقع فيها ويفشل.

يوميات

فؤاد الفرحان

مؤسس في رواق و رسال و GetMuv. مهتم بعالم الشركات الناشئة وعالم الكتب. تجدني في تويتر..