إلى أي ضفة من النهر ستصل يا ترى؟

تخيل أنك تقف على ضفة نهر، وتريد السباحة للوصول إلى ضفة النهر المقابلة. خلفك يقف جمهور من المشجعين الذين يصفقون لك بحماس، يهتفون ويشجعونك على القفز في النهر وأنك تستطيع مواجهة المستحيل وما يأتي معه. وبعزيمة وإصرار كبير تقفز سابحاً تنوي الوصول لهدفك، ولكنك نسيت أن تأخذ في الحسبان قوة جريان تيار النهر والرياح. مصيرك سيكون أحد ثلاثة حالات:

  1. إما أن تجد قوة النهر أقوى من احتمالك وجهدك البدني وعزيمتك، فتضطر للعودة.
  2. أو أن تغرق في النهر لأنك لم تستطع لا العودة ولا الوصول.
  3. أو أن تصل بالفعل للضفة الأخرى، ولكن لمكان آخر غير الذي كنت تنوي الوصول إليه لأن قوة وسرعة تيار النهر الجاري وسرعة الرياح دفعتك بعيداً عن نقطة الوصول التي كنت تريدها.

المؤثرات الحقيقية في مسارات حياتنا في أغلب الأحوال هي عوامل خارج سيطرتنا وتحكمنا وقدراتنا ولا نستطيع التأثير فيها. ربما لا تعجب هذه الحقيقة الكثير من محبي مدارس كتب ال Self-Help التي تركز على أنه لا شيء مستحيل، وأنك بإمكانك الوصول لهدفك وما تريد إذا قررت ذلك وسخّرت قواك وجهدك وتركيزك عليه. يضرب Derren Brown المثال بالأعلى (مع التصرّف) وغيره من الأمثلة ضمن تحليله الذي أتفق معه فيه وهو أن مفاهيم مثل “التفكير الإيجابي” و “قانون الجذب” ربما تتسبب في فشل وأسى الممارسين لها أكثر من إفادتهم في أغلب الأحوال. يقول براون:

“من الأفضل أن نتصالح مع فكرة ديناميكية الحياة بما فيها، على أن نزرع فكرة خاطئة تقول بأننا يمكننا السيطرة على العالم والتحكم به وجعله يتّسق ويتماشى مع أهدافنا بشكل ما”.

يرى براون بأن العودة للمدرسة والفلسفة الرواقية هو الحل. والرواقية هي فلسفة يونانية قديمة (القرن الرابع قبل الميلاد) لها تأثير مشهود في كثير من المدارس الفكرية والنفسية القديمة والمعاصرة. وأنا رواقي مغشوش أو نص رواقي. فالرواقية مدرسة تروق لي، ليس لأن إسمها له علاقة برواق، ولكن لأنني اتفق مع بعض طرق التفكير فيها حول العالم والتصرف حياله. ولو لم أكن أجد بعض مبادئها الأساسية لا عقلانية ولا منطقية مثل: وحدة الوجود، تعظيم دور العقل وتحقير المشاعر، تقديس الحكيم، الإيمان بالجبرية (كل أفعالنا مجبرين عليها ولسنا مخيرين)، لكنت رواقياً بالكامل.

والرواقية في الحقيقة تجعلك في حالة روقان جيدة. حيث أن تشرّب بعض أفكارها يجعلك في حالة برود أعصاب مطلوبة أمام المصائب وأحداث العالم، ولكنه برود من النوع الذي يجعلك تحافظ على توازنك وفي نفس الوقت تتعاطف مع الضحايا. حيث أن الفلسفة الرواقية ترى السعادة ليست كمنتج نهائي تسعى للحصول عليه ولكن كشعور وقناعة تعاش، ولا يمكن أن تكون سعيداً بدون رباطة الجأش و سلامة العقل، ولا يمكن الشعور بالطمأنينة والهدوء وسلامة العقل إلا إذا آمنت بالقدر. وإذا آمنت بالقدر ورضيت به فإنك تشعر بالسلام والسعادة.

والذي أراه هو أن الرواقية تتقاطع مع الإسلام في كثير من النقاط، وتعارضه جذرياً بالطبع في بعض المبادئ التي ذكرتها بالأعلى. ولا أرى بأساً من استفادة المرء من مفاهيمها وأطروحاتها الحديثة بما يتماشى مع قناعاته وما يرتاح له..

ومبادئ الرواقية الحديثة كما سردتها لمى فياض هنا:

1- لا يمكنك تغيير الأشياء خارج سيطرتك، ولكن يمكنك تغيير الموقف الخاص بك.
"لديك السلطة على عقلك، وليس خارج الأحداث، حقق هذا، وسوف تجد القوة" – ماركوس أوريليوس، تأملات  
أحد العناصر الرئيسية للرواقية هو ممارسة الوعي التام. فالشعور بالاحباط نتيجة عدم القدرة على السيطرة على بعض أحداث الحياة هو إضاعة للطاقة وتعزيز للعاطفة السلبية. بالمقابل لا يمكنك تغيير هذه الأحداث لكن يمكنك فقط تغيير موقفك تجاههم. من خلال هذا الإدراك يمكن أن يصبح العقل غير قابل للاختراق. وطالما بالإمكان التحكم في المواقف وردود الأفعال، فلا يمكن التأثر سلباً بالأحداث الخارجية.

2- لا تقع فريسة للطبيعة المادية للمجتمع الحديث.  
"الثروة ليست في امتلاك ممتلكات كبيرة، ولكن في امتلاك حاجات قليلة". إبيكتيتوس
يبدو أن مجتمعنا الاستهلاكي يخلق رغبة أكبر مما يحققها لكن إذا سعينا جاهدين إلى أن نرغب بشكل أقل، تنخفض رغبتنا ونصبح أكثر ارتياحاً لما لدينا.

3- تصوّر الحياة دون الناس والممتلكات التي لديك، حتى تقدرهم فعلاً.
وذلك لتعزيز الشعور بالامتنان الذي هو مفتاح السعادة.

4- كن مبدعاً حقاً في كل ما تبذله من تفاعلات.
مع عقلية الرواقي، تصبح السعادة مستقلة عن عوامل أخرى، إذ تشدّد الرواقية على الشعور بالبهجة في كل وقت لأن الرواقي لا يريد شيئاً أكثر من التجربة الإنسانية وإن العمل على توفير الخير للعالم من خلال مساعدة الناس والنهوض بالمجتمع بشكل يومي يمكن أن يحقق البهجة والاكتفاء.

5- مارس القيم الخاصة بك قبل الوعظ بها.
“لا تفسر فلسفتك. قم بتجسيدها” إبيكتيتوس
تتطلب الفلسفة الرواقية قدراً كبيراً من المسؤولية الشخصية بحيث أن كل قرار تقوم به على مدار اليوم يجب أن يحتوي على بعد أخلاقي. إذ تتطلع الرواقية إلى اتخاذ الخيارات على أساس القيم الشخصية لزيادة الخير الأكبر.

على العموم، من الجيد أن تتجاهل حماس الجمهور والمحفزين وتتذكر قياس سرعة الرياح وقوة تيار النهر قبل القفز فيه، حتى لا تصل إلى مكان آخر من ضفة النهر لم تكن تقصده، هذا إن وصلت.. سباحة ممتعة!

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.