خليك حسّاس، لا تسمح لأحد أن يسحب عليك

احترام الوقت والمواعيد من أجمل خصلات المرء، لا يتكلّف أي جهد أو مال لاكتسابها والمحافظة عليها، وتكسبه صورة جميلة ورزينة ترسّخ الثقة في التعامل معه. هي أحد أهم الأمور التي آخذها في غاية الجدية عند تقديري لاحتمالية نشوء علاقات عمل وصداقة مع الآخرين.

أتعامل بحساسية استثنائية مع هذا الموضوع، فعندما أتفق على لقاء في مكان وموعد محدد مع شخص ما، فإنني أخطط باهتمام وتركيز للوصول قبل الموعد بوقت مريح من باب الحذر من زحمة الطرق وأي ظروف طارئة.

فوائد أن تكون بطل العالم في الالتزام بالمواعيد

الالترام والحضور في المواعيد المتفق عليها مع الآخرين فيها رسائل، منها:

  • رسالة تقدير تجاه الآخر ووقته. أعتقد بأن وقت الآخر ثمين مثل وقتي، ولا أرغب في إضاعته وتعطيله فوصلت في الموعد.
  • رسالة تعبر عن جدّيتي. رتّبت وضعي وجدولي لأترك مساحة كافية تسمح لي بالحضور على الموعد، كنت جاد لدرجة أنني لم أسمح لأمور أخرى أن تتدخل وتغير الخطة.
  • رسالة تعمّق ثقة الآخر بي. توقّع مني أن أكون هناك في الساعة المحددة وها أنا عند توقعه، بالتالي يمكنه ربما أن يثق ويعتمد عليّ في أمور أخرى مستقبلية بيننا.
  • رسالة تعبّر عن اهتمامي بالآخر. حضوري في الموعد المتفق عليه هو بمثابة قولي له: أنا هنا، إذن أنا أهتم.

لا تتنازل عن توقعاتك المشروعة

من حقي أن أتوقع تعامل الآخر معي بنفس درجة وجدية تعاملي معه. عدم حضوره على الوقت يجعلني أفهم منه رسائل معاكسة لما ذكرته في الأعلى، أفهم منه أنه ليس جاداً بما يكفي، لا يحمل احتراماً أو اهتماماً كافياً باللقاء، ربما هو شخص صعب بناء ثقة عمل أو صداقة معه مستقبلاً. تكوين هذا التصورات عن الآخر ليس فيه تطرّف ولا تشدد، بل معاملة بالمثل ما دام لا يملك حجة وسبب منطقي لعدم حضوره أو تأخره المبالغ فيه.
لا أسمح لنفسي بجعل الآخر “ملطوع” و ينتظرني لأنني لم أتعامل مع الوقت بحرص وجدية، وبالتالي لا أسمح له بأن “يلطعني” ويجعلني أنتظره لأنه لم يعطي مسألة الوقت الاهتمام والجدية الكافية.

طقوس ما قبل التحرّك للموعد

تعودت قبل وصولي للموعد أن أرسل للآخر رسالة واتساب لموقعي المتحرك (Live Location). هذه العادة البسيطة تفيد كالتالي:

  • يعلم بأنني قد تحركت مبكراً وفي الطريق، كأنني أقول له دورك أن تتحرك إذا لم تفعل بعد.
  • رسالة تذكير بالموعد في حال قد نسي.
  • إقامة الحجة عليه في حال تأخر أو سحب علي.
  • تبقيه على اطلاع بمكاني في حال وجود اختناق مروري أو سبب تأخير خارج عن الإرادة.

طقوس شراء الوقت عند التأخّر

عند شعوري باحتمالية تأخري في الوصول، فإنني أرسل تنبيه مبكر للآخر بأنني أحتاج مزيداً من الوقت وأذكر له السبب. رسالة مثل: (عذراً عزيزي، أظن سأحتاج ربع ساعة حتى أصل بسبب كذا وكذا، أرجو تقبل اعتذاري مقدماً). رسالة مبكرة كهذه كفيلة بعدم تكوين سوء فهم لدى الآخر تجاهي بأنني متهاون، فقد كنت جاداً ومكترثاً بما يكفي لأشاركه خط تحركي مع اعتذار مبكر عن التأخر. لابد من ذكر سبب للتأخر إذا كنت جاد في اعتذاري، ولا يكفي الغموض والغمغمة.
عدم فعل شيء والوصول في وقت متأخر بدون إعلام الآخر مسبقاً بتأخري هو تصرف مشين فيه رسالتين سلبية؛ رسالة للآخر بأنني لا أكترث ولا أهتم بك لدرجة عدم إعلامك مسبقاً بتأخري المحتمل، ورسالة عن نفسي بأنني لا أقيم للوقت احتراماً.

لا تحتاج لأن تكون منظم ومرتب وحياتك مثالية لكي تكون في الموعد

هل الالتزام بالمواعيد والجدية في التعامل معها بهذا الشكل يعني أنني شخص منظم ومرتب وحياتي في غاية التنسيق والتخطيط؟ على الإطلاق. حياتي العملية لا ينقصها الفوضى واللخبطة وتداخل الأمور، ولكن لا أجعل أي من هذه الأمور تؤثر عليّ عند وجود التزام بموعد.
هل يجب أن تكون مرتب ومنظم وحياتك كاملة لكي تكون كريماً؟ لكي تكون صادقاً؟ لكي تكون نزيهاً؟ الالتزام بالمواعيد هي صفة شخصية مثل باقي الصفات الكريمة، لا علاقة لها بالضغوط وطريقة إدارة حياتك.

خليك حسّاس ولا تخجل من ذلك

نعم، أنا حسّاس تجاه الالتزام بالمواعيد، وأتوقع من الآخر التعامل بنفس الجدية والحساسية. لا أشعر بخجل من حساسيتي هذه، ولا أشعر فيها مبالغة ولا تحميل الآخرين ما لا يحتملون. أتعامل معك بصدق، ومن حقي أن أتوقع أن تتعامل معي بصدق، وعندما أكتشف بأنك كاذب، فمن حقي تكوين تصوير سلبي تجاهك، هذه ليست حساسية بل موقف طبيعي. أتعامل معك باحترام، وأتوقع منك أن تتعامل معي باحترام، وعندما يحصل غير ذلك فمن حقي تكوين موقف سلبي منك. الالتزام بالمواعيد هو توقع طبيعي من الطرفين مثل باقي التعاملات.

الحساسية شيء، وطريقة تسجيل ردات الفعل شيء آخر. من حقي أن أكون حسّاس وأسجل مشاعر وتصور سلبي تجاه تعامل الآخر وموقفه، أما ردة فعلي المباشرة تجاهه فهو أمر يحتاج لوزن وحكمة. عندما أكتشف أنك كاذب، ليس بالضرورة أن أواجهك وأفتح تحقيق معك، ربما يكفي أن أتوقف عن التعامل معك وانسحب. عندما تتأخر في الموعد بدون عذر منطقي، لا أحتاج لتسجيل موقف ومحاولة توبيخك، ربما الانسحاب ووضعك في خانة الناس الذين لا أثق بأنني أرغب في بناء علاقة جادة معهم.

لماذا يجب أن تكون شخص حسّاس؟

أن تكون شخص حسّاس هو شيء جيد، هذا يعني أنك استقرّيت على أمور ومؤشرات تساعدك في الحكم على نوع العلاقات التي ترغب في بنائها من حولك. أن تكون شخص بلا إحساس وغير حسّاس، يعني أنك شخص تتقبل أي شيء من الناس تجاهك. هذا يعني أنك تتوقع الأسوأ منهم، وإذا ظهر ذلك منهم فإنك تتقبله لأجل التعايش معهم. مستعد أن تسمع منهم الكذب وتصمت، وأن يتعاملوا معك بالغدر والخسة وتتجاهل ذلك، وأن يلطعونك ويجعلوك تنتظرهم في المواعيد وترحب بهم ببشاشة إذا حضروا، كل ذلك لأنك قتلت إحساسك مقابل الحصول على قبولهم ورضائهم عليك واحتمالية استمرار بناء علاقة ما معك.

ماذا تكون إذا لم يكن لديك خطوط حمراء لا تسمح للآخرين بتجاوزها تجاهك؟ شخص غير حسّاس، كائن بلا شخصية، إمّعة متنازل بإرادته عن الحدود التي تكوّن شخصيته. هل تفضّل أن تكون كذلك، أم أن تكون شخص حسّاس؟ بالتأكيد أفضّل أكون الثاني.

إظهار التعليقات