تخطى الى المحتوى
لقد اشتركت بنجاح في مدونة فؤاد الفرحان
عظيم! بعد ذلك ، أكمل عملية الدفع للوصول الكامل إلى مدونة فؤاد الفرحان
مرحبا بعودتك! لقد نجحت في تسجيل الدخول.
نجاح! تم تنشيط حسابك بالكامل ، يمكنك الآن الوصول إلى جميع المحتويات.
.تم تحديث معلومات الفواتير الخاصة بك
فشل تحديث معلومات الفواتير.

لماذا تواصل الدجاجة وضع البيض؟ ولا تدر البقرة خمراً بدل الحليب؟

تسألني باختصارٍ عن الرّضا الذي أحصل عليه في الحياة ولماذا أواصل العمل. أواصلُ العمل لنفس السبب الذي يدفع الدجاجة لمواصلة وضع البيض، إذ يوجد داخل كلّ كائنٍ حيٍّ دافعٌ غامضٌ وقويٌ لأداء عملٍ فعّالٍ.

فؤاد الفرحان
فؤاد الفرحان

بالأمس انتهيت من قراءة "عن معنى الحياة"، كتاب خفيف وجميل للفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، صاحب ملحمة موسوعة "قصة الحضارة" التي استغرق 40 عام في كتابتها.

وجّه ديورانت رسالة بديعة للعشرات من أصدقائه المشاهير في عالم الفلسفة والفكر والسياسة والفن والرياضة، يسألهم فيها عن معنى الحياة بالنسبة لهم؟ ما الذي يجعلهم يواصلون؟ وما هو دور الدين والجوانب الروحية في حياتهم؟
وصلته عشرات الردود من أصدقائه، وقام بنشر بعضها في كتابه اللطيف هذا. بعض الإجابات عميقة وطويلة ومثيرة للتأمل، وبعضها مختصرة ومباشرة. أحد الردود التي لفتت انتباهي كانت من هنري لويس منكن، الذي يعتبر أحد أكثر الكتّاب الأمريكيين تأثيراً خلال القرن العشرين. اشتهر من بين مواهبه المتعددة بمقالاته الساخرة وأسلوب كتابته البديع. وجدت جوابه ممتع، يستحق ربما المشاركة معكم.


هنري لويس منكن

تسألني باختصارٍ عن الرّضا الذي أحصل عليه في الحياة ولماذا أواصل العمل. أواصلُ العمل لنفس السبب الذي يدفع الدجاجة لمواصلة وضع البيض، إذ يوجد داخل كلّ كائنٍ حيٍّ دافعٌ غامضٌ وقويٌ لأداء عملٍ فعّالٍ. إذ تفرض الحياة علينا أن نعيشها، وفيما خلا حالة النقاهة بين ذروتي نشاطٍ ما، فإن التقاعس مؤلمٌ وخطيرٌ على الجسد السليم، ولا مكان للتقاعس والخمول، فلا يمكن أن يكون هناك ما هو خاملٌ فعلاً إلاّ الموت.

والتجلّي الدقيق لنشاط الفرد يُحدَّد طبعاً بحسب المؤهّلات التي حملها معه حين أتى إلى هذا العالم. بعبارة أخرى، يُحدَّد الأمر بحسب صفاته الوراثيّة. فأنا لا أضع البيض كالدجاجة لأنني وُلدت دون أي من المؤهلات التي يحتاجها وضع البيض. وللسبب ذاته، لا أرشّح نفسي لعضوية الكونغرس، ولا أعزف التشيلو، ولا أدرِّس «الماورائيات»، ولا أعمل في مصنع للفولاذ. ما أقوم به ببساطةٍ هو ما أجد سهولة في تنفيذه بيديّ. وحدث أن وُلدت مع اهتمامٍ عميقٍ ونهم للأفكار، ولذلك أحبّ «العزف» عليها. وحدث أيضا أن وُلدت بإمكانياتٍ أكبر من المستوى العادي من ناحية القدرة على وضع الأفكار في كلمات. ونتيجة لذلك، أنا الآن كاتبٌ ومحررٌ، أي أتعامل بالكلمات، وأؤلف بينها.

هناك القليل من الإرادة الواعية في كل هذا، فما أقوم به موسومٌ بحسب الأقدار المبهمة، وليس من اختياري. ففي طفولتي، كنت أبدي اهتماماً قوياً، لكن ثانوياً، تجاه الحقائق الدقيقة، وكنت أريد أن أصبح كيميائياً، لكن في الوقت ذاته، أراد والدى المسكين أن يجعل منّي رجل أعمال. وفي فترات أخرى، كأي رجل فقير نسبياً، كنت أتوق إلى كسب المال الكثير عبر بعض الاحتيالات السهلة. إلا أنني أصبحت في النهاية كاتباً، ولسوف أبقى كذلك إلى أن تحين نهاية فصل الحياة، تماماً كالبقرة التي تواصل إعطاء الحليب طوال حياتها، على الرغم من أن مصلحتها الذاتية تتطلب منها على ما يبدو إعطاء شراب "الجِن" (مشروب كحولي).

إنّني أوفر حظا بكثير من معظم الرّجال، لأنّني، ومنذ صغري، كنت قادراً على كسب العيش الجيد عبر فعل ما أردت فعله بالضبط، والذي كنت لأفعله مجاناً بكل سرور، ولا أعتقد أن الكثير من الرجال محظوظون، فالملايين منهم مضطرون لكسب العيش عبر القيام بأعمال لا يحبونها فعلاً. لكن بالنسبة لي، فقد كانت حياتى ممتعة جدا، رغم حقيقة أنني حصلت على الحصة الاعتيادية من المآسي. إذ أنني حتى في وسط تلك المآسي كنت أستمتع بالرضا العميق الذي يترافق مع القيام بأعمالي بحرية تامة. فقد فعلت في المقام الأول ما أردت فعله بالضبط، ولم أعر سوى اهتمام بسيط للآثار المحتملة لهذا الأمر على الاخرين. ولم أكتب وأنشر كتاباتي لإسعاد الآخرين، وإنما لإرضاء ذاتى، تماما كما تعطي البقرة الحليب، لا لتحقيق الربح لبائع الحليب، وإنما لترضي ذاتها. وأحبّ أن أعتقد أن معظم أفكاري كانت سليمة، ولكن في الحقيقة لا يهمني ما إذا كانت كذلك أم لا، إذ للعالم حرية الاختيار بين الأخذ بها أو إهمالها، وقد استمتعت بوقتي خلال الكشف عنها. وإلى جانب العمل المريح كوسيلة لتحقيق السعادة، عشت ما يطلق عليه هاكسلي اسم «العواطف الأهليّة» أي التواصل اليومي مع العائلة والأصدقاء. وشهد بيتي حزناً مريراً، لكنه لم يشهد أي نزاعات خطيرة، ولم يختبر الفقر على الإطلاق. كنت سعيداً جداً مع أمي وأختي، وأنا سعيدٌ جداً مع زوجتي.

معظم الرجال الذين أتشارك معهم الوقت هم أصدقاء قدامى جداً. وقد عرفت بعضهم لأكثر من ثلاثين عاماً، فمن النادر أن التقى بحميمية مع أحدٍ عرفته فقط لأقل من عشر سنوات. وهؤلاء الأصدقاء يمنحونني الفرح، فأذهب للقائهم بشغف عند الانتهاء من العمل. نتشارك الأذواق العامّة ذاتها، ونرى العالم من منظورٍ متشابه. يهتم أغلبهم بالموسيقى، مثلي أيضاً. وقد منحتني الموسيقى سعادةً في الحياة أكثر من أي شيء آخر، واتعلق بها أكثر كلّ عام.

أما بالنسبة للغيبيات فأنا بعيد كل البعد عنها، وليس لدي دافع من هذه الناحية، وربما يعود هذا إلى البيئة المنزلية التي نشأت فيها، والتي ساعدتني على التحرر الفكري، رغم أن والدي كان يعتقد أنه عليّ الاطلاع على كل شيء بما فيه الجانب الغيبي من الحياة، إلا أنه لم يخطر بباله مطلقاً أنني سأقبله، فقد كان طبيباً نفسانياً جيداً، وفعلاً أصابت نظرته ولم ألتفت في نضجي إلى الخرافات رغم اطلاعي الميتافيزيقي الواسع.

لا يعجبني ما يذلّني بدلاً من أن يسمو بي، وما يذلّنا يجب أن يُشجَب لا أن يُحترَم، لكنني لا أرى الكثير من الخير في عالمنا، فعالمنا يزخر بالغباء والقسوة والخسّة، ورغم أنّ الحياة قد عاملتني بصورة جيدة في الحقيقة، إلا أنني لا أستطيع التوقّف عن التفكير في الحالة البربرية التي يعيشها ملايين البشر، وهم ضحية الحروب والسياسة والأمراض المستعصية.

لستُ من المهتمين بالخلود، ولا أرغب به، وأعتقد أن الحلم به نابع من الأنا الصبيانيّة للأشخاص الذين يشعرون بالدونيّة، ولا تعجبني التصورات المرتبطة به. وربما لا أعلم ما هو معنى الحياة البشريّة، وأميل للشك بأن لا معنى لها. فكل ما أعرفه هو أنها مسليّةٌ طالما هي قائمة، لنقل بالنسبة لي على الأقل، وحتى متاعبها وشدتها يمكن أن تكون مسليةً؛ وعلاوةً عن ذلك، فمتاعب الحياة تعزز الصفات الإنسانية التى أكن لها الإعجاب الأكبر وهي الشجاعة ونظائرها. وأعتقد أن الرجل النبيل يحارب عواصف الحياة  ويتغلب عليها، وهذا ما فعلته مرات عدة، وعندما أموت ستُسدل ستارة حياتي فلا وجود لمسرحية تستمر إلى الأبد مهما كانت جيّدةً.


يعلّق ديورانت على جواب هنري منكن:

هذا نصٌ مبهجٌ، وقد أوردته هنا بذات القلق الذي يصيب ضمير رجل يسرق جوهرةً. كنتُ على ثقة من أن السيد مينكن سيمنحني الشرف يومًا ما بتخصيص شيء ما لي على غرار هذا التحليل الرائع عن الأبقار والدجاج. فقد كشف الرجل هنا  عن كونه أكثر غنى وحساسية من محرّر مجلة أميركان ميركوري، فهو هنا يحب منزله والموسيقى، ويتحدّى جميع الأعراف الحالية في عالم الأدب،  فهو يعيش حياة عائلية مميزة برفقة زوجته التي يقدّرها كثيراً.
وهو يتشبث  بفلسفة «العقل الصارم» للمذهبين الميكانيكي والحتمي ربما لخشيته من الحساسية والحنان المفرط الذي يتمتع بهما لكنه لا يثق بهما، وهو لن يتعاطف مع الجوع الأزلي للجنس البشري في سبيل تبرير ميل البشر إلى العزاء الغيبي. أشكّ بوجود ردٍّ صريح مثل رده بين الردود التي وصلتني.
ويُصنَّف السِّيد مينكن بشكل عام على أنه متشائمٌ، وهو يصرّح بهذا أيضاً، لكن من الواضح أنّ الرجل قد يكون متشائماً تجاه العالم المحيط، إلا أنه رجلٌ مرحٌ بشكل عام في حياته.
يوميات

فؤاد الفرحان

مؤسس في رواق و رسال و GetMuv. مهتم بعالم الشركات الناشئة وعالم الكتب. تجدني في تويتر..