تخطى الى المحتوى

عن الحاجة إلى التقدير والرغبة في الحصول على الاعتراف، نفسك بك أولى!

فؤاد الفرحان
فؤاد الفرحان
عن الحاجة إلى التقدير والرغبة في الحصول على الاعتراف، نفسك بك أولى!

كلنا في حاجةٍ لشخص ينظر إلينا، يقول لنا ذلك كونديرا. "الحاجة إلى التقدير" تحتلّ الدرجة الرابعة من سلّم ماسلو. رغبة الإنسان في انتزاع الاعتراف بجدارته من مصادر خارجية، هي أحد الدوافع التي تُحرّك الإنسان. ولكن ممن نرغب أن ننتزع التقدير؟ ولماذا؟ ومن يستحق فعلاً أن نجتهد لانتزاع تقديره واعترافه بجدارتنا؟

تقدير الجمهور

الرغبة في انتزاع تقدير الجمهور يعني ببساطة الرغبة في الحصول على الشهرة العامة. هذا يعني أن تسعى للحصول على إعجاب وتقدير أفراد لا يعرفونك عن قرب ولا تعرفهم، ليس بينك وبينهم علاقة مباشرة، وهذا الإعجاب الذي ترغب في حصده سيشغل حيّز غير بسيط من رضاك على نفسك.
الشهرة العامة لها مكاسب بالتأكيد، في غالبها مادية، حيث تسهّل على المشهور الترويج لإنتاجه وخدماته بصورة أسرع وبتكلفة أقل. ولكن سلبياتها كبيرة كذلك، فمثلاً الخطأ الصادر عن المشهور (بدون قصد أو لأنّه بشر) يمكن أن يدمّر حياته الشخصية والعملية في أحيانٍ كثيرة، كما أن شهرته تجعله في حالة توتّر وتحفزّ تام لإبقاء إنتاجه على نفس المستوى الذي يتوقعه الناس منه.
التمسّك بتقدير الجمهور والسعي للشهرة يجعل المرء أحياناً يصل لمرحلة يعمل ما يعمل فقط لكي يحافظ على بريق الشهرة، بحيث تصبح الشهرة العامة والإبقاء عليها هو الهدف الأساسي من نشاطه وعمله، وهنا يحصل فقدان البوصلة.

تقدير الأقران

انتزاع اعتراف الخبراء والمتخصصين في مجال المرء هو نتيجة لعطائه المتميز والدؤوب، بحيث يصبح رقماً من الصعب تجاهله في مجاله. الأقران ليسوا أصدقاء بالضرورة، هم متخصصون آخرون في نفس المجال، ولا يوجد معهم علاقة صداقة مباشرة، وإنما يعرفهم الشخص ويعرفونه عن طريق التواجد بالانتاج والعطاء.
من مكاسب تقدير الأقران ولادة فرص وفتح قنوات جديدة أمام المرء في مجاله، وهذا يساهم في تطور مساره المهني/الاحترافي.
لا يمكن انتزاع تقدير الأقران إذا ظهرت على المرء ملامح الغرور والفوقية. أقصد تلك التصرفات والأطروحات التي توحي بتعالي الشخص عن أقرانه وكأنه الفاهم والخبير الوحيد. هذه الممارسات تمنع الآخرين من الاعتراف بتميز المرء وتقديره، بل تدفع بعضهم للتشكيك به وتصيّد زلّاته لإسقاطه، رغم احتمالية تميزه عنهم.

تقدير بيئة العمل

في بيئة العمل الإيجابية والمحفّزة، يمكن حصد تقدير زملاء العمل والرؤساء عبر أداء الشخص أدواره الموكلة له بحسب ما هو متوقع منه، وبأسلوب تعاوني يقدّم مصلحة المنظمة قبل كل شيء آخر. السعي لانتزاع التقدير في العمل هو واجب الموظف إذا أراد التقدم في مساره المهني وتوسيع علاقاته ومهاراته.
في بيئة العمل السلبية، يمكن حصد تقدير الرؤساء عبر الطرق الملتوية والأساليب غير الصحية في العمل كالتملّق والتحزّب والشللية والصراعات.

تقدير الأصدقاء

من أسهل أنواع التقدير التي يمكن أن يحصدها المرء. للصداقة واجبات، منها المصارحة والدعم والتواجد، وما دام المرء يقوم بواجباته تجاه من اختار صداقتهم، فهو في أغلب الظن محل تقديرهم واحترامهم وإعجابهم. وإذا أخل بواجباته أو انقلب عليها، فبدر منه ما يكسر عهد الصداقة، فإنّه سيخسر هذا التقدير.
أكبر مكاسب تقدير الأصدقاء ربما الشعور بالطمأنينة بأن لدى المرء خط دفاع آخر أمام تقلّبات هذه الحياة ونوائبها.  

تقدير العائلة

أقرب الناس لروحه هي عائلته، هم من يقاسمهم حياته اليومية، هم من يعرف مسيرته وشخصيته الحقيقية، يعرفون أكثر من غيرهم نقاط ضعفه وقوته، وعاشوا معه تفاصيل حياته بحلوها ومرّها. بين كل الناس، هم من يجب أن يسعى المرء لنيل تقديرهم وإعجابهم وحبهم والمحافظة عليه. من صبر عليه سواهم؟ ومن تحمّل نزواته ونقصه غيرهم؟ ومع ذلك لم يتوانوا عن توفير كل ما يمكنهم من دعم وحب له. خسارة تقديرهم وثقتهم هو أمر لا يعوضه كل تقدير العالم له.

تقدير الذات

وأخيراً ذات المرء، وإلى أين يفرّ المرء من نفسه؟ ينتزع المرء تقدير نفسه له ببساطة عبر إكرامها.
عندما يمنع المرء نفسه من المشي في طرق السفاسف، والنزول لوحل المستنقعات، وسلوك الطرق الملتوية، والممارسات المشينة، واتخاذ مواقف الزور والكذب والنفاق، فإنه يحمي نفسه ويذود عن كرامتها مما يمكن أن يتعلّق بها من السوء الذي يجعله بعد فترة من الزمن يكره نفسه ويحتقرها.

هل يمكن كسب تقدير واحترام جميع هذه الفئات؟

نجاح المرء في انتزاع تقدير ذاته أمام نفسه هو أهم ما يجب أن يُسعى له. ذلك سينتج عنه بالتأكيد تقدير دوائره المقرّبة منه والتي تثري حياته وهي عائلته وأحبته وأصدقائه.
انتزاع التقدير والاعتراف بجدارة المرء في مجال عمله من زملائه ورؤسائه يخضع لنشاطه وطبيعة بيئة عمله إذا كانت إيجابية أم طاردة.
انتزاع الاعتراف بقدرات المرء في مجاله العملي من الأقران هو أمر يخضع لنشاطه وطموحه الشخصي كذلك، ويخضع لذكائه الاجتماعي بدرجة كبيرة.
أما الرغبة في انتزاع إعجاب الجمهور والشهرة فهو أمر ممكن كذلك، ولكن السعي له بذاته هو أحد أكبر الفخاخ التي يمكن أن يقع فيها المرء.

يوميات

فؤاد الفرحان

مؤسس في رواق و رسال و GetMuv. مهتم بعالم الشركات الناشئة وعالم الكتب. تجدني في تويتر..