الدهشة الرمادية، عن تجربتي مع فترة العزل

"لا أحد يحب العزلة. أنا فقط أكره الخيبة"
- هاروكي موراكامي

"إن العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها"
- فريدريك نيتشه

عادت جدة اليوم لتكون أول مدينة تدخل تحت حظر التجول بعد رفعه رسمياً قبل أسبوع. يبدو أن أهل مدينتي الأعزاء لم يأخذوا على محمل الجد التعليمات الرسمية بالانضباط والالتزام بالتباعد الاجتماعي. وبالتالي ها نحن نعود لأسلوب حياة العزل التي دخلناها الشهور الثلاث الماضية. لسنا وحدنا، السبعة مليار ونصف من سكّان كوكب الأرض دخلوا في معركة غير متكافئة يحاصرهم فيها فيروس مجهري لا يرى بالعين، ويهدد كوكباً بأكمله.

طوال الشهور الثلاث الماضية من العزل لم أستطع كتابة شيء يستحق في مدونتي هذه. كان لدي كل الوقت في العالم، ولكن لسبب ما غادرتني الرغبة في الكتابة والحديث، وتملّكتني متعة رؤية تفاعل العالم وحيرته مع هذه الجائحة، متعة رؤيتهم يقيّمون ويحسبون ويتخيلون انعكاساتها المستقبلية على الحياة ككل. مشهد سوريالي مثير للتأمّل والمتابعة بشكل كبير، وهو كذلك مشهد مثير للسخرية من ضعفنا البشري الذي لا نريد الاعتراف به.

الدهشة أنواع، هناك دهشة تصيبك بالخرس عندما تصطدم أو تسمع أو تشاهد شيء في غاية الجمال. وهناك دهشة تصيبك بالخرس عندما تصطدم بحدث كارثي شخصي أو عام غير متوقع. جائحة الكورونا والعزل وتوقف الحياة بالشكل الذي نعرفه منذ ولادتنا أصابني بدهشة ليست من النوعين، دهشة لونها رمادي أو لا لون لها.

أفتح عيني من النوم، قائلاً لنفسي: آه صحيح، لازلنا في العزل، لا عجلة للتأهب للخروج، لا شوارع مزدحمة تنتظرني، ولا مقر عمل مفتوح يجب الوصول له. كل أعمالي هي عبر الانترنت، فبالتالي أتجهز للنزول للكهف الشخصي، غرفة صغيرة مقدّسة خاصة بي قمت ببنائها قبل سنوات في فناء المنزل، لألوذ بها في حال انطلقت الحرب العالمية الثالثة أو ضرب نيزكاً ما كوكب الأرض.
معظم اليوم أقضيه في الكهف، متنقلاً بين اجتماعات زووم فرق العمل المختلفة. ليست كل الأعمال والمشاريع متساوية في تحمّل آثار هذه الفترة. من يعتمد نموذج عملها على الحركة اليومية والحياة أوفلاين، فوضعها مثل باقي وضع المشاريع والشركات في البلد. أما المشاريع التي دخل نموذج عملها أونلاين من الأصل، فليست متجاوزة للأزمة فقط ولكن وضعها أفضل من قبل الأزمة بكثير.
بعد إنجاز المهام والأعمال، يبقي متسع طويل من الوقت الذي يجب قتله بشكل يحافظ على توازن المرء نفسياً بشكل مقبول. حصة تمارين اليوغا اليومية كانت خياري الرياضي المثالي في فترة العزل. اشتركت مع نادي رياضي أونلاين، والتزمت بحضور الحصص اليومية حتى نهاية رمضان. باقي وقتي اليومي ينقسم بين القراءة ومشاهدة الأفلام والمسلسلات. عدد الكتب والروايات التي قرأتها بالطبع كانت أكثر من المعدل المعتاد. يقول ألبرتو مانغويل وهو على حق: "أعطتني القراءة عذراً مقبولاً لعزلتي، بل ربما أعطت مغزىً لتلك العزلة المفروضة عليّ". لم أوفق في اختيار أفلام ومسلسلات متميزة إلا القليل. شاهدت معظمها لأجل استهلاك الوقت لا أكثر.

حرصت على التأمّل في ردود أفعال وتصرّفات الناس عندما فقدوا فجأةً حرياتهم التي لم يخطر على بالهم يوماً أن يفقدوها. صادرت كورونا حرية الناس في الحركة والتنقل والسفر، أدخلتهم في عزلة وتباعد، أصابتهم بالخوف من المجهول، الخوف على أنفسهم وأحبتهم ووظائفهم ومصدر رزقهم وأعمالهم. مستوى الرّعب عند الفرد ربما يمكن قياسه بحسب حجم الخسائر الفردية المتوقعة. من لم يكن يقدر النعم الصغيرة والحياة البسيطة، شعر فجأة بفداحة ما فقده.
يعد البعض أنفسهم بأنه إذا عادت الحياة لمجراها، سيكون أكثر هدوءاً في حياته اليومية، أكثر لطفاً في التعامل مع الغير، أكثر شكراً وتقديراً للنعم البسيطة والقليلة في نظر الآخرين. ولكني أشك في ذلك، فتاريخ الإنسان مرتبط بالجحود والنسيان ارتباط وثيق، وسريعاً ما سيعود الأغلبية لما كانوا عليه ويتناسوا وعودهم لأنفسهم.

كنت أود القول بأن هناك دروس شخصية جديدة استفدتها من فترة التأمل والعزل هذه، ولكن في الحقيقة لا يخطر على بالي شيء محدد. ذكرت سابقاً أنني رواقي الهوى، فبالتالي وقع الأزمة على نفسي لم يكن بذلك السوء لأن الرواقية تدفعك لتوقع الأسوأ والاستمتاع بالحياة. وكتبت سابقاً عن العزلة والوحدة، وليس لدي المزيد في هذا الجانب. كما أنني جرّبت أشد أنواع العزلة الفردية قسوةً مرتين في حياتي، ولا أتمنى أن تمر بها نفسي مجدداً فضلاً عن غيري. وهذه العزلة لا يمكن وضعها في نفس المستوى مع غيرها. تجربة بتر قدمك مثلاً، تجعل تجربة وخزة إبرة شيء مضحك.
أعيش منذ سنوات أسلوب حياة ترتكز على الهدوء والبساطة والانعزال. أعيش مهتماً بالتفاصيل الصغيرة في الحياة، مقدراً للنعم، مستغنياً عن الكثير مما يتوقع الآخرين لا يمكن الاستغناء عنه.
لم يتغير الكثير عليّ في هذه الفترة إذن، ثلاثة شهور من العزلة كانت عبارة عن إجازة نوم واسترخاء وتأمّل في العالم.  لا أتذكر ارتفاع مستوى جودة نومي لهذه الدرجة من قبل، وربما تكون هذه هي الفائدة الوحيدة التي خرجت بها، بالإضافة للمحافظة على وزني. أمّا المكتسبات والدروس المعنوية التي خرج بها الآخرين، فأظنني خرجت بها من تجارب عزلة سابقة.

إظهار التعليقات