عن الحب غير المشروط، رسالة من أب إلى ابنه

في كتابه الرائع بحق "النسيان"، يسرد إكتور آباد فاسيولينسي نص رسالة جوابية وصلته من والده في فترة صعبة كان يمر بها أيام دراسته في إيطاليا. يقول الكاتب:

أصنع لنفسي قهوة داكنة حزينة، أدير موسيقى Requiem لبرامز، فتختلط بتغريد الطيور وخوار الأبقار. أفتّش عن رسالة كتبها لي أبي من هذا المكان في يناير من العام 1984، ثم أطالعها. كانت رسالته قد جاءت رداً على رسالة أخرى أخبرته فيها بعدم رضاي عن نفسي في إيطاليا، وباكتئابي ورغبتي في تغيير دراستي الجامعية مرة أخرى والعودة إلى البيت في كولومبيا. أظن أنني ألمحت إلى ضيقي حتى بالحياة نفسها. فجاء ردّه في رسالة تمدّني بالثقة والقوة دائماً. ويشعرني نقل تلك الرسالة بشيء من الخجل، إذ يخصّني أبي فيها بالمديح بين السطور، ولكن في هذه اللحظة أود لو أعدت قراءتها لأنها تكشف حباً غير مشروط من أب إلى ابنه. إن ذلك الحب غير المستحق هو الذي يعننا على تحمّل أسوأ ما في الحياة، بل والحياة نفسها، لو شاء لنا الحظ ونلناه.

نص رسالة الأب

ابني الحبيب: إن الإصابة بالاكتئاب في مثل عمرك أكثر شيوعاً مما يبدو. أذكر أني مررت بواحدة من حالات الاكتئاب في مينيابولس بولاية مينيسوتا وأنا في السادسة والعشرين. كنت على وشك إنهاء حياتي. أظن أن الشتاء وبرودة الجو وغياب الشمس عندنا، نحن الكائنات الاستوائية، عوامل من شأنها إشعال فتيل الاكتئاب. ولأكون صريحاً معك، إن عودتك إلى هنا فجأةً، وضربك بكل ما هو أوروبي عرض الحائط، لأمر يجعلني وأمك في قمة السعادة.
لديك ما يفوق أي شهادة جامعية، ذلك أنك أحسنت توظيف الوقت لتكوين نفسك ثقافياً وشخصياً إلى درجة تجعل السأم من الجامعة مجرد شيء طبيعي. أياً كان ما فعلت من الآن فصاعداً، كتبت أو لم تكتب، حصلت على الشهادة أو لم تحصل عليها، عملت في شركة أمك أو في صحيفة إل موندو أو مزرعة لا إينيس، درّست في مدرسة إعدادية أو ألقيت المحاضرات مثل إستانيسلاو سوليتا، عملت محللاً نفسياً لأبويك وأخواتك وأقاربك، أو كنت ببساطة إكتور آباد فاسيولينسي، فلا بأس بذلك، أهم شيء ألا تكف عن كونك الشخص الذي كنته حتى الآن، "إنساناً" نال ود أكثر من عرفوه، واحترامهم وقبولهم وثقتهم و "حبّهم"، لمجرد أنه هو نفسه، وليس من أجل ما يكتب أو ما لا يكتب. هكذا نريد أن نراك دوماً، لا بصفتك مشروع كاتب عظيم أو صحافياً أو إعلامياً بارعاً أو أستاذاً أو شاعراً، وإنما بصفتك الابن والأخ والقريب والصديق والمنادي بالإنسانية الذي يتفهم الآخرين حتى وإن لم يتفهموه.
فيم يهم رأيهم فيك؟ وفيم يهم البريق لمن يعرف "جوهرك". لقد حققت بالفعل نجاحاً عظيماً، أعظم من كل ما حلمنا به، وأفضل من كل تصوراتنا لأي من أبنائنا. تعرف تمام المعرفة أني وأمك لسنا نطمح أن يحقق "جميع" أبنائنا المجد، أو الثراء، ولا حتى السعادة، فهي كلمة ذات وقع حسن، ورغم ذلك لا يكاد المرء يتمكن من تحقيقها سوى مرات قليلة ولأوقات قصيرة للغاية (ربما لهذا تحديداً تحظى بكل هذا التقدير) بل نطمح إلى "رخاء" أبنائنا، تلك الكلمة الأكثر رسوخاً، والأطول عمراً، والأكثر احتمالاً، والأسهل منالاً. كثيراً ما دار الحديث بيننا حول الضيق الذي شعر به كل من كارلوس كاتسرو سابيدرا ومانويل ميخيا باييخو ورودريغو أيناس بيتانكورت والكثيرين من العباقرة الذين نعرفهم معرفة شخصية، فضلاً عن ساباتو أو رولفو أو غابرييل غارسيا ماركيز نفسه.
فيم يهم؟ تذكر قول غوته: "يا صديقي، رمادية هي كل نظرية (وأضيف إلى ذلك كل فن)، أما شجرة الحياة الذهبية فخضراء". كل ما نريده أن "تعيش". فالحياة تعني أشياء أفضل بكثير من الشهرة ونيل الشهادات والفوز بالجوائز. أعتقد أني في الشباب كنت ذا طموحات ضخمة أيضاً في مضمار السياسة، ولذا لم أكن سعيداً. الآن فقط، بعد أن جرى كل ما جرى، أشعر بالسعادة حقاً. السعادة التي يشكل جزءاً منها كل من زوجتي سيسيليا وأبنائي وأحفادي، ولا يشوبها إلا ذكرى مارتا سيسيليا. أظن أن الأمور تغدو بهذا القدر من البساطة بعد التفكير فيها كل تلك المرات وتعقيدها إلى ذلك الحد. لابد من القضاء على ذلك الولع بالأشياء الأثيرية جداً مثل الشهرة، والمجد، والنجاح...
حسناً يا عزيزي كينكين، تعرف رأيي فيك وفي مستقبلك. ليس عليك أن تقلق. أنت على خير ما يرام وستكون أحسن حالاً فأحسن، عاماً بعد عام، وحين تبلغ عمري أو عمر جدك وتصبح قادراً على الاستمتاع بمنظر مزرعة لا إينيس التي أفكر في تركها لكم، بين الخضرة والشمس والدفء، سترى أني كنت محقاً. لا تجشّم نفسك فوق ما تحسب أن قادر عليه. وإذا أردت العودة سنستقبلك بأذرع مفتوحة. وإذا ندمت وأردت الذهاب مرة أخرى، فلدينا ما يكفي لنشتري لك تذكرتي "الذهاب والعودة"، ولا تنس أبداً أن الأخيرة هي الأهم. قبلات أبيك الحارة.


"النسيان" كتاب عظيم، يسرد فيه الابن قصة حياة والده من كافة جوانبها، وهي مسيرة مؤثرة بالفعل. وهذه رسالة عظيمة تعبّر بالفعل عن حب غير مشروط من أب تجاه ابنه. خشي الابن أن يخذل أباه، فحصل منه على ما يكفي من الدعم والحب والطمأنينة ليمضي في حياته بدون كثير من الأثقال. تم اغتيال الأب في 1987 بسبب مسيرته ومواقفه، وكبُر الابن ليصبح اليوم أشهر روائيي كولومبيا الأحياء!

إظهار التعليقات