مجدداً مع اعترافات تولستوي

حدثتني نفسي هذا اليوم أن أعود لقراءة اعترافات تولستوي. هذا الأديب العالمي العظيم الذي يعتبر مكسب كبير للإنسانية جمعاء وللأدب العالمي، وثّق اعترافات صراعه مع أسئلة الحياة الكبرى في كتاب صغير من أعظم ما قرأت.

عندما بلغ تولستوي الخمسين من العمر، كان في قمة المجد والشهرة بفضل غزارة إنتاجه الأدبي، جمع ثروة مالية وأراضي وممتلكات، وكان لديه عائلة كبيرة، وصحته في أفضل حال. ولكن عادت له أسئلة الحياة التي كان يهرب منها في شبابه. فقد كتب يوماً في شبابه:

“هناك مسائل مجهولة ينبغي لي أن أجيب عنها، وتلك هي: لماذا أعيش؟ وما السبب في وجودي؟ وما الغرض منه وما معنى هذه التفرقة بين الخير والشر التي أحس بها في دخيلة نفسي؟ وكيف ينبغي أن أعيش؟ وما الموت؟ وأين سبيل الخلاص؟”.

ولأجل البحث عن إجابات، تحول من مجال الأدب إلى عالم الفلسفة الذي قرأ فيه ثلاثين عام، ولكن الفلسفة والعلم كليهما لم ينتهيا به إلى غاية، وقد أسف تولستوي أشد الأسف إذ تبيَّن أن آراء هؤلاء الحكماء — كما يقول:

“واضحة جلية دقيقة حينما تبتعد عن مشاكل الحياة المباشرة، ولكنها لا تهدي الحائر إلى سبيل، ولا تبعث الطمأنينة إلى القلوب الضالة القلقة، وكلها يقصر دون سؤالي الذي طالما حِرت فيه، وذلك هو: لماذا نحيا؟”

وبعد أن ترك الأدب ثم الفلسفة توجه إلى الدين، وهي المرحلة الثالثة من حياته. فأعاد النظر في مفاهيم المسيحية وعقائدها ووجد الفساد ينخرها. في كتابه “اعترافاتي”، يوثّق تولستوي مسيرته الفكرية ومحاولاته للوصول لإجابات عن الحياة. الكنيسة بالطبع لم تكن سعيدة بكتابه واكتفت بمصادرته في البداية، ثم باعتباره زنديقاً وحرمانه من رحمتها. تم وصف تولستوي بالثوري الفوضوي رغم أنه كان يؤمن بأن الثورات فوضى وكتب حول ذلك. ويقال أنه لم يمهّد لثورات لينين وتروتسكي والشيوعية أحد مثلما مهدت لها اعترافات تولستوي وكتاباته اللاحقة في الشأن العام، رغم أن مبادئه وأفكاره في مرحلته الثالثة تتعارض بشكل جذري مع الشيوعية التي تأثرت به.

يقول تولستوي في بداية اعترافاته:

منذ خمس سنوات حدث لي أمر عجيب جدًّا، كانت تمر بي في مبدأ الأمر لحظات من الحيرة والارتباك في الحياة، كأني لم أعرف كيف أعيش أو ماذا أعمل، وأصابني الخور والاكتئاب، ثم انقشعت هذه السحابة المظلمة، وواصلت العيش كما كنت أفعل من قبل، ثم عاودتني لحظات الحيرة أكثر من ذي قبل، وكانت تتخذ دائمًا صورة واحدة، وأرَّق جنبيَّ هذا السؤال: لماذا كل هذا؟ وإلامَ يؤدي بنا؟

وبدا لي أول الأمر أن هذا السؤال وما يشبهه نابٍ لا يؤدي إلى غرض، وظننت الأمر جليًّا واضحًا، وأني إن أردت أن أجد للمشكلة حلًّا فإن ذلك لا يكلفني جهدًا كبيرًا، إلا أن الوقت لم يتوفر لي في تلك اللحظة الراهنة، وليس أيسر لي من أن أجد لسؤالي جوابًا إن أنا أردت ذلك، وأخذت هذه الأسئلة تخطر لي في فترات متقاربة، وألحت عليَّ إلحاحًا بحيث لم يعد لي مندوحة عن الإجابة عنها، وأضحت كقطرات المداد تسقط في مكانٍ واحدٍ فتتجمع حتى تصبح بقعة واحدة سوداء.

وحدث لي ما حدث لكل من يقض مضجعه مرض باطني قاتل، تبدو على المريض أولًا أعراض طفيفة من التوعك لا يعيرها التفاتًا، ثم يتكرر ظهور هذه الأعراض حتى تصبح فترة واحدة متصلة من العناء والألم، ويشتد الألم، وقبل أن يستطيع العليل أن يلتفت حواليه يجد أن ما كان يحسبه توعكًا طفيفًا قد بات لديه أهم شيء في الحياة، إنه الموت!

ذلك ما حدث لي، وأدركت أنه لم يكن توعكًا طارئًا، وإنما هو أمر جلل، كما أدركت أنه لا مناص من الإجابة عن الأسئلة التي ترد على خاطري ما دامت لا تني عن الإلحاح، وحاولت بالفعل أن أجيب عنها، وبدت لي سخيفة ساذجة صبيانية، وما كدت ألمسها وأحاول الإجابة عنها حتى اقتنعت في الحال «أولًا» بأنها ليست صبيانية سخيفة، إنما هي أهم مسائل الحياة وأبعدها غورًا و«ثانيًا» بأني مهما حاولت لن أجد لها حلًّا، وقبل أن أشغل نفسي بضيعة «سمارا» أو بتربية ابني أو بتأليف كتاب، كان لا بُدَّ لي أن أعرف لماذا أفعل ذلك، وما دمت لا أدرك السبب لم أستطع أن أفعل شيئًا، بل ولم أستطع أن أعيش، فإني انصرفت إلى إدارة ضيعتي — الأمر الذي شغلني كثيرًا في ذلك الحين — قفز إلى ذهني في الحال هذا السؤال: «نعم سيكون لي ستة آلاف دزياتنا من الأرض في حكومة «سمارا»، وثلاثة آلاف جواد، ولكن ماذا بعد هذا؟» … وتبلبلت خواطري، ولم أدر فيم أفكر، وإن فكرت في الخطة التي أسير عليها في تربية أبنائي قلت لنفسي: «ولكن لماذا؟» وإن فكرت في طريقة للترفيه عن الفلاحين، سألت نفسي في الحال: «وماذا يهمني من ذلك؟» وإن فكرت في الشهرة التي تجلبها لي مؤلفاتي حدَّثت نفسي قائلًا: «حسنًا، إنك ستصبح أبعد صيتًا من «جوجول» أو «بوشكن» أو «شكسبير» أو «موليير» أو أرفع ذكرًا من كتَّاب العالم طرًّا — ولكن أي طائل لك من وراء ذلك؟» ولم أستطع البتة أن أجد لذلك جوابًا، ولم تمهلني الأسئلة، وكان لا بُدَّ لي من الإجابة عنها توًّا، وإن لم أجب عنها استحالت عليَّ الحياة، ولكني لم أجد جوابًا. وأحسست أن ما كنت أستند إليه قد انهار، وأني لم أعد أجد لي عمادًا، إن ما عشت من أجله لم يَعُد له وجود، ولم يبق لي في الحياة غرض.

آلت حياتي إذن إلى الركون، فكنت أتنفس وآكل وأشرب وأنام، ولم يكن لي بدٌّ من ذلك، ولكن لم يكن للحياة عندي وجود؛ لأني لم تكن لديَّ رغبات أستطيع أن أعتبر تحقيقها أمرًا معقولًا، إن رغبت في شيء، أدركت سلفًا أني سواء أشبعت رغبتي أم لم أشبعها لن أظفر من ورائها بطائل، ولو أن جنية هبطت إليَّ وتطوَّعت بتحقيق رغباتي لما عرفت ماذا أطلب، وإن كنت في لحظات النشوة أحس بشيءٍ إن لم يكن رغبة فهو عادة خلَّفتها الرغبات السابقة، فإني في لحظات الصحو أدرك أن هذه الرغبة وهم باطل وأن ليس لي في الواقع ما أشتهيه، بل إني لم أرغب حتى في معرفة الحقيقة لأني أدركت ما تنطوي عليه، وكنت أشبه شيء برجل أمعن في مسيره حتى بلغ حافة جبل شديد الانحدار فرأى بجلاء أنه لم يَعُد أمامه غير الهلاك، وكان يستحيل عليَّ أن أقف، ويستحيل عليَّ أن أتقهقر، ويستحيل عليَّ أن أغمض عيني، أو أن أغض الطرف عن هذه الحقيقة: وهي أنه لم يبق أمامي سوى الألم والموت المحقق — وذلك هو الهلاك المطلق.

كنت إذن رجلًا سليم الجسم موفور الثراء، ومع ذلك أحسست أني لا أستطيع مواصلة العيش، ودفعتني قوة لا تقاوم إلى أن أخلص نفسي من الحياة بطريقة ما، ولا أستطيع أن أقول إني «رغبت» في الانتحار، ولكن القوة التي كانت تجذبني بعيدًا عن الحياة كانت أقوى وأعظم وأبعد مدى من أية رغبة أخرى، وهي شبيهة بقوة الجهاد السابق في سبيل الحياة، غير أنها تسير في اتجاه مضاد، جذبتني كل قوتي بعيدًا عن الحياة، وتواردت على ذهني خواطر الموت بصورة طبيعية كما تواردت على خاطري من قبل الأفكار المختلفة عن كيفية إصلاح حياتي، وكانت هذه الخواطر الجديدة شديدة الإغراء حتى كان لزامًا عليَّ أن أكون لبقًا مع نفسي خشية أن أتسرع في إخراجها إلى حيز التنفيذ، ولم أشأ أن أتعجل؛ لأني أردت أن أستخدم كل جهد لحل المشكلة، وقلت لنفسي «إن لم أستطع توضيح الأمور فسوف يكون لديَّ دائمًا متسع من الوقت» وفي ذلك الحين — وأنا رجل حباني الحظ السعيد — أخفيت عن نفسي حبلًا خشية أن أشنق نفسي به على حامل وسط غرفتي كنت أخلع عليه ملابسي وحيدًا كل مساء. وامتنعت عن الخروج للصيد بالبندقية خشية هذه الطريقة اليسيرة للقضاء على حياتي، ولم أعرف أنا نفسي ماذا أريد، كنت أخشى الحياة، وأرغب في الفرار منها، ومع ذلك كنت أرجو من ورائها شيئًا ما.

أستطيع — دون أن أخدع نفسي كثيرًا — أن أعتبر اسمي ذائع الصيت، ولم أكن البتة مجنونًا أو مريض العقل، بل على العكس من ذلك كنت أتمتع بقوة ذهنية وبدنية قلَّما صادفتها بين أضرابي من الرجال، فكنت أستطيع من الناحية البدنية أن أجاري الفلاحين وهم يحصدون الزرع، وكنت أستطيع من الناحية العقلية أن أعمل ثماني أو عشر ساعات متواصلات دون أن أشكو وخيم العواقب من هذا الإجهاد، وانتهيت وأنا في هذا الموقف إلى أني لا أستطيع العيش، ولما كنت أخشى الموت كان لا بُدَّ لي أن أمكر مع نفسي كي أتجنب الانتحار.

باقي اعترافات تولستوي في كتابه الذي يمكن الحصول عليه بالمجان هنا.

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.