ربما، محتمل، ممكن، لست متأكد، ومرحلة التسليك العظمى..

تابعت قبل فترة ردة فعل مغرّد بعد هجوم جماهيري مليء بالشتائم والسخرية والتهزيء بسبب رأي صادم واجه به الجمهور مزدرياً عقولهم. ردة فعله كانت في غاية البرود، وكان مصراً على موقفه بشكل ملفت ومثير للتأمّل. بصقَ في عقول الناس بطرح مستفز أحمق عن قصد، ثم وقف ببرود يستمتع بردة فعلهم تجاهه. هل هذا الثبات على الرأي واستفزار الناس عن قصد بهذا الشكل هو أمر مثير للإعجاب؟

ليس كل ثابت وصامد يستحق الإعجاب

هناك أشخاص لديهم إيمان عميق جداً حول قناعات معينة يحملونها، إيمان تكوّن مع الزمن والمطالعة والاستقراء والنقاشات. إيمان داخلي يغلي ويدفعهم للجهر بقناعاتهم، يقضون وقتهم مبشّرين محاولين إقناع أكبر عدد من الناس لتبنّي ما يؤمنون به. ولأجل ذلك لديهم استعداد حاسم لمواجهة الجمهور، والتضحية بكل شيء يملكونه مقابل أي ردّة فعل جمهور يمكن أن تحصل تجاههم. يسمّيهم البعض "أصحاب مبادئ" و "رساليين" و غيرها من المسميات التي تحمل مضمون إيجابي تجاههم بغض النظر عن إيجابية أو سلبية مبادئهم وقناعاتهم.
وهناك أشخاص لديهم أفكار غبية وحمقاء، لا يمكن أن ترقى إلى تصنيفها كمبادئ أو قناعات تستحق المناقشة. في الغالب تكون عبارة عن تعليقات شاذة ومستفزّة جداً على أحداث وأخبار، وليست أفكار رصينة متكاملة. بالنسبة لهم استفزار الجمهور وإهانة عقولهم هو هدفهم الأصلي، يتمنّون ويستحثّون انطلاق حملات هيجان ضدهم بين الحين والآخر. يستلذّون بما يتلقّونه من إهانات وشتائم وتهزئ من الناس، ولا يؤثر فيهم ذلك سلباً بل يزيد من سرورهم، ويرفع من شهيّتهم. أعتقد أن هذا النوع من الشخصيات هي شخصيات مضطربة، وربما تكون شخصيات مازوخية، شخصيات تستمتع بالإذلال والإهانة والتعذيب ضدهم.

لماذا نخاف من ردة فعل الجمهور؟

الإنسان الطبيعي يخشى ويحذر من ردة فعل الجمهور الجماعية عند التعبير على رأيه، يخشى أن يجهر برأي صادم (وإن كان على حق) فينهال الناس عليه بكل ما جمعوه عبر السنوات من شتائم وإهانات، يفرّغون فيه كل ما بداخلهم من احتقان بسبب مشاكل وضغوطات في حياتهم اليومية أو العملية أو العائلية.
لماذا يخشى ردة فعل الجمهور؟ لأنه يحترم ذاته، ولا يتمنى أن توجه له الإهانات. يقدّر كرامة نفسه فلا يجعلها مستباحة يلوكها الناس بألسنتهم وأقوالهم. الشخص الطبيعي توجعه الشتائم والإهانات وتحزّ في نفسه لأن لا سبيل لديه لأخذ حقه ممن انتهك عرضه وسخر منه على رؤوس الأشهاد.
الإنسان غير الطبيعي إمّا يكون صاحب مبدأ يقدّمه على نفسه ويذود عن مبادئه مضحياً بنفسه وبكرامته وعرضه، أو يكون مازوخي يستلّذ بسيول الهيجان ضدّه ويستشعر أنه ذو قيمة ما عندما يحدث ذلك.

هل قناعاتك راسخة لدرجة تستحق تعريض ذاتك لكل ذلك؟

مع الوقت والعمر، ومع الصدمات والأحداث والمراجعات، قمت بحصر الأمور التي مازلت أؤمن بها كحقائق وثوابت فوجدتها لا تتجاوز أصابع اليد أو الاثنتين بحد أقصى. وما عدا ذلك هي أمور أميل للاقتناع بصحتها ولكن لا أكاد أجزم بها.
في كلتا الحالتين، لم أعد أشعر أن قناعاتي تستحق أي جهد منّي للتحدّث والتبشير وإقناع الناس بها، وفي نفس الوقت ليس لدي أي حماس أو طاقة أو رغبة للدفاع عنها لو هوجمت. لا رغبة في المبادرة برأيي ولا في الدفاع عن رأيي.
سيكون من الرائع لو وجدت أن عدد كبير من الناس يشاركوني نفس القناعات القليلة أؤمن به، ولكن هذا لا يعني أنني مستعد للحديث حولها حتى أكسب مؤمنين جدد بها. وظهور خبر أو حدوث شيء أو انتشار تصريح يهاجم أي من قناعاتي، هو أمر لم أعد أراه يستوجب منّي أدنى اهتمام أو جهد لقول شيء حوله. أهلاً بكم في مرحلة التسليك العظمى..

مرحلة التسليك العظمى

التسليك بحسب تعريفي هو: منح الآخرين الشعور والجو المناسب الذي يوحي لهم بأنك تتفق معهم في كل ما يقولونه، لأجل اتقاء الدخول معهم في نقاش جاد. يصل المرء لمرحلة التسليك العظمى في العادة بعد تجارب مؤلمة ارتدت آثارها عليه بشكل عنيف، أو استشعاره بأن فضاء الحوار العام لم يعد مكان صحّي يحتمل اختلاف وتعدد الآراء. مرحلة يدخلها المرء غالباً بدون قصد، وبدون شعور منه، وحتى بدون أن يعلم أن لها اسم. مرحلة لا يبادر فيها المرء بالترويج لقناعات وآراء يميل لها ولا بالدفاع عنها.
بالنسبة لي، بدأت الدخول في هذه المرحلة تدريجياً منذ سبع سنوات بعدما اكتشفت أن الانشغال بالعمل المفيد أفضل مليون مرّة من الانشغال بالتصريح بآرائي ومحاولة إيصالها لأكبر عدد من الناس. وجدت أن العمل والمشاريع وتأسيس الشركات الناشئة يستهلك وقتي ويشغل ذهني وينتج عنه أثر مباشر في المجتمع، ومن خلاله تُصنع وظائف ومصدر رزق للمؤسسين والموظفين والمستثمرين والمجتمع بشكل عام. أما آرائي فربما تعجب البعض لبعض الوقت، ولكن تتبخر في الهواء سريعاً وينتهي أثرها. العمل يتجذر وينمو، والكلام يتبخر ويُنسى. الانشغال بالعمل والمشاريع يعيد توجيه تركيز المرء لما بين يديه، فيخف اطلاعه على المشهد العام، وبشكل آلي تجف لديه ينابيع التفكير والتعبير عن الرأي حول الأحداث. بعدما كان يحسب أنه على اطلاع فوري بمعظم ما يحدث، يجد نفسه آخر من يعلم ماذا يحصل، وهو سعيد بذلك.

في مرحلة التسليك العظمى، لا يعود للمرء أدنى رغبة للدخول في أي نقاش جاد، أو معرفة ماذا يحدث في العالم، أو التعليق على أي شيء بشكل جاد. يتعود فيها على استخدام "ربما" لإغلاق كل باب نقاش محتمل. عندما أقول معلومة أو رأي ويأتي شخص ليعترض بأن ذلك غير صحيح أو لديه وجهة نظر أخرى، يمكنني استخدام "ربما" كجواب عليه حتى أغلق النقاش. لم أتفق معه بشكل تام، ولم أعارضه بشكل تام. في العادة يصاب بالحيرة، وربما يفقد الرغبة في مواصلة النقاش. مثال: لو كانت درجة الحرارة اليوم 52 درجة حرارة مئوية، وكتبت تغريدة "يا إلهي، اليوم الحرارة مرتفعة بشكل كبير"، ليس من المستغرب في تويتر أن يأتي شخص ويقول: "الجو معقول اليوم ولكنك تبالغ". في هذه الحالة يكون جوابي: "ربما..".
إذا لم أكن في مزاج حوار، وهو حوالي 99% من وقتي، فإن "ربما" هي جوابي الافتراضي على أي رد يأتيني وأفهم أنه يسعى لفتح باب نقاش مع صاحبه. أقوم بالتنويع بين فترة وأخرى باستخدام "صحيح، محتمل.."، "ممكن بالفعل.."، "غير مستبعد،.."، "لا أعلم/لست متأكد،.." حتى لا يتم اكتشافي.

خسائر ومكاسب المرحلة التسليكية العظمى

كل تحول في نمط حياتك واهتماماتك ينتج عنه خسائر ومكاسب بالتأكيد، والدخول في مرحلة التسليك العظمى ليست استثناء. بالنسبة للخسائر:

  • تفقد الآكشن وأجواء الحماس: هناك سحر معروف عندما تشعر أن هناك من يترقب آرائك للتعليق على شيء ما، ويتفاعل مع طرحك ويتناقله مع آخرين بينهم. أجواء تشعرك بأنك صاحب رأي وتأثير وتشعر بالسعادة تجاه نفسك. لاحقاً ستكتشف أن هذا الشعور من أعظم الأوهام والخدع الذاتية.
  • تفقد العلاقات وكثير من الصداقات: خروجك من تلك الأجواء لا يمكن أن يتم إلا بحصول نوع من القطيعة مع الأصدقاء الذين تعارفت عليهم فيها. قرارك بالابتعاد كان فردياً ولا تستطيع إجبار غيرك أن يتغير مثلك أو أن تطلب ذلك منه، فبالتالي تفقد جزء كبير من الجلسات والعلاقات والصداقات. ذلك ممكن يقود لشعور بالعزلة والوحدة، وهذا لا بأس به وربما يكون شيء صحّي لفترة معينة حتى تنجح بتغيير الصداقات والناس من حولك.
  • تفقد الشعور الوهمي بالإنجاز: تكوين الرأي والتعب في صياغته وتجهيزه ثم نشره وتوزيعه يتطلب مجهود، وإذا انتشر طرحك وكثر متابعيك فذلك يشعرك بالإنجاز. التوقف عن المشاركة في هذه الأجواء تجعلك تشعر بأنك أقل إنجازاً، ولكن في الحقيقة الإنجاز العملي إذا وفقت له سيعطيك شعور إنجاز حقيقي يجعلك تخجل من ماضي اهتماماتك.

أما المكاسب فكثيرة، ومنها:

  • الهدوء وصفاء الذهن: متابعة الأحداث والتعليق عليها يتسبب في تشتتك وشعورك بالضغط الكبير، الخروج من تلك الأجواء يضفي على حياتك هدوء عجيب، ويصبح ذهنك أكثر صفاءً، مما ينعكس بشكل إيجابي على جوانب أخرى في حياتك.
  • الانشغال بالمفيد: وقت الفراغ الذي ظهر لك بعد انسحابك يمكنك استغلاله بالعمل، أو الترفيه الشخصي، أو تبنّي عادات شخصية جديدة. وكل ذلك أمور مفيدة.
  • السلام الداخلي: بما أنه لم يعد لك آراء عامّة تبادر بها أو قناعات تدافع عنها، فهذا يعني معارك أقل أو صفر، أعداء أقل أو صفر. وغياب المعارك والصراخ يسمح بنمو الشعور بالسلام الداخلي.
  • حب الحياة: الانشغال بالجدل والنقاشات حول الأحداث والأخبار يدفع بالمرء بشكل لا إرادي نحو التشاؤم وكره الحياة. الابتعاد عن كل تلك الأجواء يدفع بالمرء أكثر نحو حب الحياة. حقيقة فيها شيء من البساطة التي ربما تقترب من السذاجة، ولكن هي حقيقة مجرّبة.
  • اكتشاف نفسك: المكاسب السابقة تقودك إلى مواجهة نفسك واكتشافها. تتفاهم وتتصالح معها، تعرف أخيراً قدراتك وما تحب وما تكره. ذاتك التي تجاهلتها لفترة طويلة تعود لتصبح مركز اهتمامك. إصلاح نفسك والتصالح معها، سينعكس بشكل إيجابي لا تتخيله على محيط مجتمعك الصغير، وعلى المجتمع ككل.

هل هي مرحلة مؤقتة؟ أم دائمة؟

تذّوق الإنجاز من خلال العمل، الشعور بالتأثير الإيجابي من خلال العمل لا الكلام، صفاء الذهن والسلام الداخلي، اكتشاف الذات وفهمها، كلها مكاسب وأمور تجعل وصول المرء لهذه المرحلة هو شعور روح تائهة كانت تبحث عن مرفأ ووصلت له. لا يوجد مغريات تجعل العاقل يتنازل عن كل هذه المكاسب ليعود إلى أجواء تقوم على الشحن النفسي والضغوطات والمعارك الوهمية والمخاطر.
هي إذن مرحلة دائمة وليست مؤقتة، أدام الله دوامها وأبعدنا عن كل ما يحيد بنا عنها..

إظهار التعليقات