عندما يصبح التميّز محنة، لماذا البعض في تويتر وخارجه يكره كل ناجح ومتميز ويسعى لإسقاطه؟

عندما يصبح التميّز محنة، لماذا البعض في تويتر وخارجه يكره كل ناجح ومتميز ويسعى لإسقاطه؟

التميز والنجاح لم يكونا يوماً بدون ضريبة يجب دفعها. هذه قاعدة معروفة وثابتة تسندها السنن والقصص ومسيرة الناجحين. أحد الأمور النكدية التي على المرء التعامل معها رغماً عنه هي ضريبة اصطدامه بالحاقدين وأهل الغدر، وما يظهرونه ويفعلونه تجاهه لعرقلته أو إسقاطه إذا استطاعوا.

في كتابه الرائع “تأملات فى الإنسان”، جعل رجاء النقاش أول فصول كتابه عن الحاقدين والتعامل معهم. يرى النقاش بأن هناك نوع من الناس لديهم كره عميق للامتياز، يعادون التفوق، ويخافون خوفاً عميقاً عندما يرون شخصاً يتمتع بموهبة لامعة. لا يحبون أن يروا تمثالاً جميلاً تنظر إليه العيون بإعجاب، وتلتف حوله القلوب بأعمق ما فيها من عاطفة. ولكنهم يستريحون تماماً إذا تحطم هذا التمثال ورأوه مجموعة متناثرة من الأحجار. يطربهم رؤية ناجح مستحق للإعجاب وقد تحول لمنكسر ذو روح متناثرة. منظر الضعف يريحهم ويسعدهم، منظر الدمار يطمئنهم على أن العالم بخير.

دوافعهم ومشكلتهم مع المتميزين

هذا النوع من الناس يعادون الامتياز والتميز في كل صوره، سواءً كان هذا الامتياز وجهاً جميلاً، أو شخصاً محبوباً صادقاً، أو عملاً ناجحاً. الدافع الذي يحرك هذا النوع من الناس هو أن أصحابها لا يملكون صفة جميلة تميزهم عن الغير، وهم في الوقت نفسه لا يعملون ولا يجتهدون لاكتساب هذه الصفة الجميلة. عندما يقع أحدهم في أزمة شخصية، فإن يهرب منها بكراهية تميز ونجاح الغير، ويعمل على تشويه المتميزين وتحطيمهم، وفرش طريقهم بالأشواك إذا استطاع.
الناجح والمتميز هو نقد غير مباشر لهذا النوع من الناس، نجاح وتفوق الآخرين يبرز ما فيهم من نقص وعجز، ويكشف إلى أي حد يعيشون بفشل على سطح الحياة بعيدين عن عمقها. هذا الشعور يثير قلقهم، بل إنه يثير خوفهم، فكيف يمكنهم التغلب على نار هذا الشعور المحرق؟ كيف يمكن الوقوف أمام النجاح بدون نجاح؟ وأمام القوة بدون قوة؟ وأمام الجمال بلا جمال يوازيه؟

كيف يخففون من آثار خوفهم من المتميزين؟

سبيلهم لتخفيف هذا القلق والخوف هو بالافتراء والنقد الظالم للمتميز، تشويه صورته، وإقناع أنفسهم والناس بأن ذلك الذي أثار ذعرهم بتفوقه ونجاحه هو شخص لا أهمية له. بل إن ممارساتهم هذه تصبح عندهم رسالة كبيرة، محاولاتهم إثبات عجز المتميزين والبحث عن أخطائهم وإبرازها للجمهور، أو افتعالها من العدم وفبركتها كلها محاولات لإيقاف نجاح المتميز وإسقاطه. وعندما ينهار المتميز وينكسر، تستريح نفوس أعدائه الذين خلقهم امتيازه، وتنطفئ نار الحقد مؤقتاً ما دام بقي منكسراً، ويعود كل شيء هادئاً مطمئناً في نفوس الحاقدين الذين أزعجهم تفوقه.

كيف يساعدهم المتميز في تأجيح أحقادهم بدون قصد؟

يرى النقاش أن من حقائق الحياة المؤلمة، أن المتميز يتيح الفرصة أحياناً لمثل هذه المواقف، فهو غالباً ما يكون منصرفاً ومشغولاً بالأشياء الجوهرية في الحياة والعمل على مشاريعه، لا يسمح لنفسه أن تهتم بالأشياء التافهة، وهو لا يشعر بخطر هذه الحملات التافهة. كثيراً ما يتصور الناس على صورته، يعتقد أنهم مشغولين ويفكرون بالأمور الجوهرية مثله، ويحبون الجمال مثلما يحبه، ويؤمنون بما يؤمن به من أفكار إنسانية، وهو لا يتصور كثيراً أن أحداً يمكن أن يخطر على باله أي نوع من الغدر والخديعة تجاهه. يصف النقاش هذه الحالة ب “ضعف العظماء”، وهو الضعف الذي يؤدي إلى عدم رؤية الآخرين رؤية صحيحة، والعجز عن تصور انفعالاتهم الخفية السوداء وإدراكها.

ولذلك فكثير من المتميزين يقعون في فخاخ الحاقدين عليهم بسهولة غريبة، بل إنهم يساعدون -بدون قصد- مساعدة رئيسية في خلق الأسباب التي تؤدي بهم إلى الكارثة والنهاية الحزينة. ولم يسلم من هذا المصير إلا نوع من الناجحين الذين جمعوا إلى القوة فهماً واقعياً دقيقاً للنفس البشرية، وما فيها من منعطفات ضيقة ودهاليز مظلمة. ويضرب النقاش بسقراط كمثال عندما واجه محاكمة الحاقدين ودافع ببلاغته الساحرة حتى أثبت أفكاره وبرهن عليها مما تسبب ذلك في إصدار حكم الإعدام عليه بشرب السم. يعلّق برنارد شو على دفاع سقراط في محاكمته فيقول:

“إن إثبات سقراط لفكرته كان هلاكاً له وقضاءً عليه. لقد قضى عليه جهله بمبلغ ما أثار عليه رجحان عقله في قلوب الرجال من خوف وكره، وما كان سقراط يحمل لهم في قلبه إلا الخير، وما كان يظن إلا أنه أسدى لهم كل معروف”.

انتهى سقراط بتهمة باطلة، شرب السم ومات، انتهى لأنه كان صادقاً وجميلاً، كان متميزاً. لقد أثار عليه تميزه الأنفس التي تخاف التميز وتكرهه، وتشعر أمامه بالرهبة، ولا تستريح حتى تشوهه وتقضي عليه، وحتى تجعل من التمثال الجميل تمثالاً مكسوراً، أجزاؤه كومة من التراب تخلو من التأثير والجاذبية.

تقدير المتميزين يخفف من آثار أفعال الحاقدين

الموظف الناجح، الفنان الموهوب، الشخص المحبوب، كلهم يعاونون مشكلة مصادمة الحاقدين الذين يكرهون النجاح والتميز. يرى النقاش بأن ما يخفف هذه الظاهرة البشرية المدمرة هو محاولة الطيبين احترام الناجحين والمتميزين وإظهار التقدير والمحبة بحسب إنجازهم. حبنا للمتميز والناجح يعني الانتماء إليه والاعتراف به. ولكن حب الامتياز عادة صعبة، تحتاج إلى ظروف اجتماعية تتيح للجميع فرص متكافئة، وتفتح الطريق أمام كل فرد يريد أن يعمل ويجتهد. ولذلك فإن المجتمع كلما تقدم واتسعت فرص الحياة فيه أصبحت مشكلة الفرد المتميز أقل انتشاراً وأقل عنفاً. فالمجتمع المتقدم دائماً يحتاج إلى المتفوقين والمتميزين ويعتمد عليهم، كما أنه يتيح الفرصة لكل فرد حتى يملأ حياته العملية وحياته النفسية بما يشغله ويجعله راضياً عن الحياة غير ساخط على الآخرين.

سيبقى المجتمع يعاني من الأنفس الحاقدة التي تكره الامتياز وتخشاه، فالامتياز ابتكار وتجديد وخروج عن العادة، والناس تستريح للعادة القديمة، حتى لو كانت سيئة، على أن تحتمل هموم وضرائب التجديد والابتكار. ولكن في نفس الوقت، سيبقى المجتمع يضع سره وقوته في المتميزين والناجحين لأنهم هم من يدفع الحياة في المجتمع للحركة، هم من ينير الطرقات المظلمة، ويغامرون دائماً لسبر الطرق الغامضة حتى يسير من بعدهم الناس في الطرق التي اكتشفوها.

يختم النقاش بقوله أن الذين يكسّرون التماثيل الجميلة، أو يسعون إلى تشويهها، قد ينجحون أحياناً، ولكن الحياة تعود من جديد فتخلق هذه التماثيل ليحبها البعض، ويكرهها آخرون، ولكي تكون دائماً الزهرة التي تثير العطر للناس وتشرب العذاب.

إظهار التعليقات