كهف ساراماغو وجذوة الدهشة المتقدة

أنهيت في ثلاثة أيام رواية “الكهف”، أحد أجمل أعمال النوبلي العظيم جوزيه ساراماغو. تقع الرواية في أقل من 400 صفحة، وتناقش في زمن ومكان غير محددين تغول الرأسمالية على الحياة وانعكاس آثارها على حياة البسطاء. ماذا يحصل عندما يقرر “المركز” المحتكر أن بضاعة الخزاف سيبريانو ألجور لم تعد مطلوبة؟ وبالتالي يجد نفسه في حيرة وخوف من المستقبل ومصدر لقمة عيشه. سرد ساراماغو فاتن وساحر كعادته، رتم السرد هادئ بدون منعطفات حادة، مثير للتأمل والتعاطف مع الذين يواجهون تحولات وتحديات الحياة التي تقود دفتها المنظومة الرأسمالية حول العالم.

بعدما أنهيت هذه الرواية البديعة، تذكرت تغريدة أ. شايع الوقيان وموقفه الذي أثار بعض الجدل والنقاش في تويتر وخارجه.

بالفعل، يمكن اختصار حبكة وحكمة الـ 400 صفحة التي كتبها ساراماغو في مقطع صغير لا يتجاوز نصف صفحة. ولكن حجم المتعة التي تذوقتها، والأفكار التي تزاحمت في عقلي، تستحق بدون شك كل دقيقة قضيتها مستمتعاً بهذا العمل. وهذا ما يغيب عن أ. شايع وغيره ممن يرون الأدب بشكل عام -وربما باقي الفنون- هي مضيعة للوقت. الفنون والآداب -والرواية كأحد أبرز أنواعها- تهدف لإثارة الدهشة لدى المتلقي وتحريك خياله، وربما تخفيف وطأة الواقع.

يقول أنشتاين: “لو لم أكن فيزيائياً لكنت ربما موسيقاراً. غالباً ما أفكر عبر الموسيقى، أحلام يقظتي بالموسيقى، أستشعر حياتي عبر الموسيقى”، ويرى بيجوفيتش  أن “الفن ابن الدين"، ويعتقد باشلار أن الفن “إثراء لخصوبة الحياة، نوع من المناقشة بين أنواع الدهشة التي تنبه وعينا وتمنعه من الخدر”.

تخيل الحياة بدون الفنون؟ هل ستكون حياة؟ هل يعتبر الشعر مضيعة وقت لأنه يمكن اختصار قصيدة ابداعية كاملة في جملتين؟ هل يعتبر الفيلم الأسطوري Godfather بأجزائه الثلاث مضيعة للوقت لأن فكرته يمكن اختصارها في دقيقتين من الشرح المباشر؟ ماذا عن “تصدق ولا أحلف لك” وسحر طلال؟ أو فنون ميسّي الكروية؟

بإرادتنا وبتصالح مع أنفسنا نهرب لبعض الوقت من حياتنا ومحيطنا الاجتماعي والأخبار إلى عالم آخر ترسم لنا دهشته مجالات الفنون المختلفة. الواقع المجرّد كما هو ليس وردي اللون، وحتى نتحمل الواقع فإننا نحتاج أن نستعين بعد الله بالخيال والسحر الذي نتشرّبه من الاطلاع على الفنون. بالنسبة لي، أحاول أن أتذوق الجمال والإبداع واستكشافه في أي شيء يمر علي، عند مشاهدة مباراة كرم قدم، فيلم، رواية، أغنية، لوحة فنية، إلخ.. حتى عند الاستماع لمتحدث متميز يحاول إيصال أفكاره بأسلوب مثير للتأمل، فالحديث الممتع "الخطابة" هي فن كذلك. أحاول التركيز مؤملاً ملامسة الابداع الذي يرتكز عليه المحتوى، أحاول فهم فكرة المبدع وأسلوبه والهدف الذي يسعى إليه، أشعر أن من واجبي التعامل بجدية معه ومع عمله، أشعر بمسؤولية محاولة فهمه والوصول لمقصده الذي يحاول إيصاله إلي بشكل غير مباشر وغير سطحي. عندما أنتهي من كتاب ما، أقضي بعض الوقت في البحث عن ما كتبه الآخرين حوله لمحاولة التقاط فكرة ما لم التفت لها، معلومة ما غابت عني، تفسير لم يخطر لي على بال. أشعر بما يشبه الدين تجاه المبدع، وهو دين لا ينقضى إلا بعدما أبحث عن طرح الآخرين حول عمله والتأكد من شبه اكتمال استيعابي لمقصده. حديثي هنا بالطبع عن الإبداع الملهم، العمل المتميز والفنان الذي يرفع سقف الذوق.

نحن مدينون للمبدعين في كل مجال إبقائهم جذوة الدهشة متقدة لدينا بعدما نكتشف ونتذوق إبداعهم. بدونهم كانت الحياة ستكون في غاية المباشرة والرتابة والملل..

إظهار التعليقات