هل الحياة غير عادلة؟ قارورة عطر لها بكل الأحوال

هل الحياة غير عادلة؟ قارورة عطر لها بكل الأحوال

في اللحظة التي تصحو فيها على حقيقة أن الحياة بالفعل غير عادلة، يتعمّق هذا الاكتشاف في الغالب لديك ويتحوّل إلى يقين راسخ يغيّر نظرتك تجاه أمور كثيرة في الحياة. هناك فرق بين سماع شخص يردد أن “الحياة غير عادلة” وهي عبارة قرأناها وسمعناها منذ الصغر، وبين أن يمر بنا موقف ما يصيبنا بدهشة تلجمنا بالسكوت، فتقول لنفسك: “يا إلهي! بالفعل الحياة غير عادلة”. الحياة ببساطة عادلة مع البعض وغير عادلة مع البعض، هي ليست عادلة مع الجميع. في الحياة ليس بالضرورة أن لكل مجتهد نصيب محسوس كان يسعى إليه، أما الحكمة الربانية ونصيب الآخرة فذلك ميزان آخر ليس محور الحديث هنا.

أحد انعكاسات هذه القناعة هي تغيّر نظرتك تجاه متصدري المشهد العام والمسارح والإعلام والشهرة. لا تنظر لهم بإعجاب شديد لمجرد أنهم مشهورين وأن أعداد كبيرة من الناس معجبين بهم. بل تحاول تمحيص عطائهم الذي أوصلهم لمكانهم البارز لتتأكد أنهم بالفعل يستحقون إعجابك وتقديرك. لا تسمح لنفسك بأن تنخدع وتتبع إعجاب الجمهور وتتعامل معه كمسلّمات. بعد تأكدك، يحصل أن ترى أن رأي الجمهور صحيح بالفعل وأن ذلك المشهور يستحق ما يقال عنه، وهذا حق له. هي قناعة إيجابية تكونها تجاههم بعدما قمت بحل الواجب بنفسك.
وفي أحيان كثيرة لا تجد ما يبرر هذه المكانة بل تكتشف ربما أن ذلك المشهور ليس إلا محتال صعد على جهود غيره، فتنفر منه ومن تبني رأي الجمهور فيه. تخشى أن تفصح عن رأيك حوله على العلن، لأنك ستواجه في الغالب بهجوم مضاد من جمهوره وأنواع التهم. ولذلك تكتفي في الغالب بالصمت، مصادمة الجمهور العاطفي ليس من الذكاء إلا إذا كنت لا تبالي بضريبة ذلك عليك.

في نفس الوقت، تقودك قناعة أن “الحياة غير عادلة” للإيمان بأن هناك الكثير ممن يستحق التقدير والإعجاب على عطائهم وأعمالهم، ولكن لم يكونوا محظوظين لسبب ما لتوجه الأضواء عليهم فيعرفهم الناس. ربما لم ينجحوا في إبراز جهودهم بالشكل المطلوب حتى يلتفت لهم المسيطرين على المشهد العام والذين يتحكمون بقرار من يستحق الإبراز ومن لا يستحق. ربما لأنهم في قائمة المغضوب عليهم بسبب شيء في الماضي، أو ربما لأنهم لا يسعون للأضواء من الأصل، فهم يعملون ويبدعون لأنفسهم قبل الجمهور، ولا يبذلون جهد في الترويج لأنفسهم، وهذا قرارهم الشخصي.

أحب أن أبحث عن هذا النوع من المبدعين وأطّلع على عطائهم، وفي كثير من الأحيان أجد لديهم ما يثير دهشتي وإعجابي الشديد. يصيبني الفضول لمعرفة لماذا لا يعرفهم الناس ولا يعرفون عطائهم وإبداعهم الذي لامس مشاعري؟ هل لأن ذوقي غريب ويشاركني فيه عدد محدود بالإضافة للمبدع؟ أم هل هو بسبب قرار وقناعة شخصية منهم بالابتعاد عن الأضواء والمسارح والتركيز على عملهم؟ أم لأنهم حاولوا ولكن فشلوا في اكتساب المهارات الضرورية للوصول للجمهور؟ أم لأن الحياة لم تكن عادلة في هذا الجانب معهم؟ بغض النظر عن السبب، مجرد تفكيري في هذا السؤال يعني أنهم حصدوا إعجابي وتقديري وأصبحت من جمهورهم الصغير في الحجم مقارنة مع جمهور المشهور الواسع.

هذه التدوينة أتت بعدما استمعت لأغنية جديدة من خالد عياد. أتابعه منذ سنوات وأراه فنان رائع بحق، لا يعرفه الكثير إذا ما قمنا بمقارنة أعداد معجبيه بأعداد معجبيّ فنانين مشهورين. فعدد متابعيه في تويتر أقل من 300، وفي انستاغرام يزيدون عن 1000 متابع بقليل. كلمات الأغنية في غاية الرقّة والجمال، وهي قصيدة الشاعر الفلسطيني الأصل “معروف رفيق محمود”. عندما بحثت عن كلمات القصيدة وجدتها تحمل عنوان “قارورة عطر”. ووجدت ابنة الشاعر الراحل تقول تعليقاً على هذه القصيدة البديعة: “كُتبت الكلمات مُرفقة بقارورة العطر، هدية لوالدتنا العزيزه”! أليس ذلك جميلاً؟ وكيف كنت سأصل لشيء جميل كهذا لولا أن اختيار خالد عياد كان في غاية الذوق؟

قارورة عطر

كلمات: معروف رفيق محمود
غناء وألحان: خالد عياد

كم هام قلبي واكتوى بهواه
والشوق يغري أن أزور حماه
فطفقت أستعطي الزهور عبيرها
ما كنت أستعطي الشذى لولاه
أنست عند الورد بعض تلطف
فتقطرت بعبيره شفتاه
وحنا العرار وقال خذ ما ترتجي
ورمى لي الريحان عود صباه
ورجوت زهر الياسمين أريجه
فاختال مزهوا بما أعطاه
وسألت أكمام الورود فرحبت
وتفتحت تيها، لمن أهواه
رق النسيم وهاجه ما هاجني
وجمعت من قطر الندى أصفاه
وعصرت من ذوب الفؤاد محبة
والشوق يهتف في غد تلقاه
ومزجت ما لملمت في قارورة
وذهبت أسعى علني ألقاه
ولقيته، لم أدر كيف لقيته
فترددت في المشرقين الاه
أهديته حقا يضوع بعطره
فبكت على قرب النوى عيناه
ودعته والطيب يبعد مسرعا
لا عيش في بعد على ذكراه

إظهار التعليقات