الأسبوع الأول لي مع كورونا..

حسناً، لقد وصلني الدور يا رفاق، هذا هو اليوم السادس لي منذ تأكيد إصابتي بكورونا، وعقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل، وليالي كورونا ليست كغيرها. لست متأكد كم هي درجة حرارة جسدي الآن، ولكن من المنطقي أن استخدم مقياس فهرنهايت للتعبير عنها، فهي تبدو مرتفعة بالفعل.

حوالي 9 شهور منذ أن اقتنع العالم أن وباء الصين -كما يسميه ترمب- هو جائحة يجب أن تؤخذ بجدية. الذين يعتقدون أن سبب كورونا هو صيني تناول شوربة خفاش، هم نفسهم الذين يعتقدون أن ما يمر به العالم العربي منذ 2011 حتى اليوم هو بسبب البوعزيزي وعربته. وتحليل مسببات الموضوعين هو شأن يطول الحديث حوله.
خلال هذه الشهور مر العالم بفترات نموذج كيوبلر روس الشهير (مراحل الحزن الخمسة Five Stages of Grief): الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، و التقبل. بالنسبة لي فقد انتقلت مباشرة منذ البداية لمرحلة التقبل. بعكس مدرسة الجذب الوهمية، تدعو المدرسة الرواقية -التي أنتمي جزئياً لها- أن تتوقع الأسوأ وتجهز نفسك نفسياً له بما أن هذه الأمور خارج سيطرتك. كان من الواضح لي بحسب القراءة الأولية لما اطلعت عليه من أخبار وتحليلات أن معظم سكان هذا الكوكب سيصابون بكورونا ما دام لم ينتج لقاح فعال حتى الآن. هذا التوقع لم يقعسني عن الالتزام بالتعليمات من لبس الكمامة والتباعد الإجتماعي وغيرها، بل كنت أتبعها بجدية من باب الأخذ بالأسباب، ولكن في داخلي كان الموضوع محسوم والمسألة مسألة وقت، وهو ما حصل ولله الحمد من قبل وبعد.

في نهاية الأسبوع الفائت وبعد حصة الرياضة في النادي، شعرت بألم في الظهر، كان التفسير المباشر هو أدائي أحد التمارين بشكل خاطئ. استمر الألم ليومين ثم انتقل مع الوقت من الظهر لعضلات اليدين. في اليوم الثالث لاحظت سخونة في الجسد، ارتفاع درجة الحرارة مع إرهاق بدني بشكل عام. توجهت لعمل كشف طبي، وخلال يوم ونصف وصلت النتيجة التي لم تكن مفاجئة. جميع الأصدقاء الذين أصيبوا مؤخراً، وصلتهم نفس التعليمات؛ عليك حجر نفسك عشرة أيام من بداية ظهور النتيجة ولا حاجة لزيارة المستشفى.

وها أنا منذ تلك اللحظة وأنا في كهف الرجل الخاص بي في فناء المنزل، غرفتي الخاصة التي صممتها قبل سنوات وتحتوي على كل ما يحتاجه رجل تغنيه نفسه ويكتفي بها عن هذا العالم؛ كنب للاسترخاء والنوم، مكتب للعمل، شاشة تلفزيون كبير، وكتبي.
الدواء الوحيد الذي أتناوله هو بانادريكس Panadrex، مخفض للحرارة قيمته 5 ريال سعودي، أتناوله مرة واحدة في اليوم كلما أحسست أن الحرارة وصلت لمستوى صعب تحمّله. سمعت عن أعراض كثيرة ومختلفة لكورونا مثل فقدان حاستي الشم والتذوق، صعوبة في التنفس، الكحّة المستمرة، إلخ. حتى الآن ولله الحمد لم أمر بأي منها، فقط انهاك شديد في الجسد يجعل الرغبة في الحركة شبه معدومة، وسخونة ترتفع وتنزل عدة مرات في اليوم.

في ما عدا الصلاة التي أؤديها واقفاً، فإن الانسداح المستمر هو الوضع الأقرب لقلبي، متقلباً بين الجنبين كل نصف ساعة. مضاعفة اللحاف (البطانية) ابتكار بديع يمنحني من الحنان ما لا أجده بين البشر. أما الكتب فتبقى دائماً الصديق الأوفى. العمل مع الفرق عبر زووم، والمكالمات شبه معدومة. لا أجد رغبة في الحديث مع أحد وتكرار شرح الأعراض التي أمر بها كل مرة، اكتفي بالإجابة وشكر الأصدقاء برسالة مخزنة مسبقاً وضعت لها اختصار في كيبورد الآيفون حتى لا أعيد كتابتها كل مرة. بالأمس الجمعة استنتجت الوالدة بقلبها أن سبب عدم زيارتي لها ككل جمعة وتناول الغداء معها ومع طارق هو حصول شيء ما. انتزعت الاعتراف مني بعد بعض الضغط، ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن اتصلت بي 5 مرات تسألني عن صحتي، وأنا كل مرة أقول لها أن الوضع مثل الزكام ولكن مع حرارة خفيفة زيادة.

بما أنني كنت مؤمن مسبقاً بأننا جميعاً سنصاب بكوفيد-19، فإني التمس وجود صوت صغير حقير في داخلي مرحّب بهذه التجربة، صوت يقول لهذا الفيروس الوغد: أهلاً بك، كنت أنتظرك، ولن تأخذ منّي إلا ما كتب الله لك أن تأخذه منّي يا وغد! وكل ما يكتبه الله خير علمنا حكمته أم جهلناها، فالحمدلله على كل قضاء وقدر.

بعد مرور أسبوع، تبدو الأمور أقرب لفترة إجازة واسترخاء لولا السخونة المستمرة وانتفاضات الجسد تحت اللحاف. أتمنى أن يكون الأسوأ قد مضى، وأن يكون الأسبوع الثاني أخف من سابقه، فهذا القلب ما زال أخضر، يحب الحياة مهما كان قد رأى وواجه.

إظهار التعليقات