تخطى الى المحتوى

اصنع ذكريات كل يوم حتى تغني حياتك

فؤاد الفرحان
فؤاد الفرحان
اصنع ذكريات كل يوم حتى تغني حياتك

ماذا لو كنت لا تتذكر شيئاً من ماضيك؟ لو صحوت فجأة لا تتذكر شيئاً من حياتك، هل يمكن القول بأنك عشت؟ حياتنا هي ذكرياتنا، تلك التي نصنعها في كافة الدوائر التي نحتك بها؛ مع عائلتنا، في مسيرتنا العملية، في المجتمع، ومع الأصدقاء.

عندما نسترجع ذكرى معينة ونسردها، فنحن في الواقع نؤلف قصة على الهواء مباشرة. سردنا ليس بالضرورة أميناً، فمن المعروف والمثبت عملياً أن الذاكرة مخادعة، ذاكرتنا لا تسترجع تفاصيل ذكرى معينها كما وقعت بالضبط، بل هي نتيجة ما نظن أنه حدث واحتفظت به ذاكرتنا، ممتزجاً مع مشاعرنا الحالية -ونحن نسرد القصة- تجاه تلك الذكرى. الأصل في الذاكرة هو الخداع، إن صدقت في الاستذكار لا تكاد تصدق في عدم انحيازها، ذاكرة الفرد لا تستحق شيك ثقة على بياض مهما تخيل أنها قوية.

تحتفظ ذاكرتنا بذكريات محببة لنا، نغوص في تفاصيلها عند تذكّرها مفعمين بمشاعر جميلة، ينتج عن ذلك تشكيل قصص مبالغ فيها غالباً. لا بأس في ذلك، فالذكرى الجميلة -وإن كنّا نبالغ فيها- هي شيء جميل نحتاجه ويرسم الابتسامة على محيّانا.

تحتفظ ذاكرتنا كذلك بذكريات سيئة لا يمكننا نسيانها، تُستفزّ مشاعرنا ونشعر بالتوتّر عند تذكرها وسردها. ولكن هناك حيلة يمكننا أن نمارسها لنستفيد منها كذلك. بالهروب من تفاصيل ذكرى سيئة عند تذكّرها، والتركيز على المعنى الذي نعتقد أننا اكتسبناه واستخلصناه منها، يمكن للذكرى السيئة أن تصبح عندما نتذكّرها أخف مما كانت عليه بالفعل. يقول عبدالرحمن منيف:

إذا كان الناس يفضلون في بعض الأوقات تذكّر الأيام الجميلة من الماضي، فإنّ الأيام القاسية يصبح لها جمالُ من نوع خاص، حتى الصعوبات التي عاشوها تتحول في الذاكرة إلى بطولة غامضة، ولا يصدقون أنهم احتملوا ذلك كله واستمروا بعد ذلك..

الانسان الطبيعي لديه مخزون من الذكريات الجميلة يكفي لوأد كل الذكريات السيئة، ولكن شيئاً ما يستفزّه ليعطي الأخيرة أكبر مما تستحق من اهتمام. وعلى المرء أن يقاوم ذكرياته ويسايسها ليسيطر عليها، وإلا فإنها تتمادى وتبلغ بها الجرأة والسطوة أن تسيّر حياته وتجعله رهينة لها بدون أن يشعر.

كلما كانت الذكرى تعني لنا شيئاً خاصاً، كلما رسخت في ذاكرتنا. الذكريات الجميلة ترسخ في ذاكرتنا لجمالها وما تجعلنا نشعر به عند تذكّرها، والذكريات السيئة تستحق الرسوخ إذا استطعنا استخلاص معاني ودروس منها أفادتنا في حياتنا.

فلنستفيد من خداع الذاكرة في إعادة كتابة ذكرياتنا بالشكل الذي يجعلنا نشعر بشعور جيّد ونمضي قدماً. لا نصنع من الذكرى السيئة قصة، ونصنع من الذكرى الجميلة أجمل قصة.

بدون ذكرياتنا لا حياة لنا، كلما صنعنا ذكريات جميلة في دوائر حياتنا ومع من حولنا، كلما ازدحمت ذاكرتنا المستقبلية بها. وعندما ننظر للخلف يوماً ما، سنجد بأننا عشنا حياة ممتلئة بكل الذكريات الطيبة والجميلة التي ستنسينا الذكريات السيئة أو تحجّمها، وتلك الحياة الغنيّة يا رفاق.

يوميات

فؤاد الفرحان

مؤسس في رواق و رسال و GetMuv. مهتم بعالم الشركات الناشئة وعالم الكتب. تجدني في تويتر..