لا تنسى السياق يا أذكى واحد في الكون!

وقعت اليوم على رابط مقال شهير للمناضل الماركسي الإيطالي غرامشي بعنوان “أكره اللامبالين”. أتذكر أنني قرأت هذا المقال قبل أكثر من 13 عام. أتذكر ذلك اليوم جيداً لأن وقع المقال على نفسي كان رهيب، أرسلته لعدد من الأصدقاء، ودار بيني وبين صديق معين حوار طويل حوله. قرأت المقال مجدداً اليوم أكثر من مرة، فلم أجد ذلك الأثر الذي وجدته في نفسي آنذاك. ما السبب؟

كثير من الأمور التي تعجبنا نعتقد أنها تعجبنا لذاتها كما هي، فكرة معينة تعلّقنا بها، أغنية رائعة سمعناها، رواية جميلة قرأناها، فيلم سينمائي ممتع شاهدناه، وجبة طعام لذيذة جربناها في مطعم جديد، كوب قهوة فاخر في مقهى جديد زرناه، إلخ. الحقيقة أن السياق الذي كان يحيط بنا لحظة تلك التجربة له تأثير عميق كبير على تجربتنا تلك بشكل أعمق مما نتخيل.

تلك الأغنية الجميلة توافقت مع سياق نفسي معين كنت فيه، فتأثرت بها. تلك الرواية الرائعة أو الكتاب المؤثر الذي انهمكت فيه، وافق سياق وجوّ معين كنت تمر به فتعاظم أثره عليك. نفس الشيء ربما مع ذلك المقهى البديع وكوب القهوة حيث كان الجو/السياق مساعد بشكل لا تشعر به في جعل مذاق القهوة لا ينسى. ونفس الشيء مع تلك الرحلة السياحية وغيرها.

أغلبنا عندما يعجبه شيء معين جرّبه فإنه يخبر أصدقائه حوله، فيرسل لهم رابط أغنية أو اسم كتاب أو ينصح بمطعم معين وتجربة تلك الوجبة. بعض الأصدقاء ربما يعودون بردود مؤيدة بعد خوض التجربة، ولكن كثير منهم يرى أن وصفنا كان فيه مبالغة أو حتى لا يجدون رأينا منطقي بل العكس. فبالتالي، نستغرب منهم، وندافع عن رأينا ونحاول الشرح وربما نحثهم على تجربة ثانية. بشكل عام نستغرب أنهم لم يجدوا ما وجدنا. السبب الذي نتجاهله هو أنهم ربما خاضوا نفس تجربتنا ولكن السياق الذي كانوا فيه ويؤثر على تجربتهم مختلف عن السياق الذي كنّا فيه وقت تجربتنا وأثّر فيها بشكل لا نشعر به أو لا نعترف به. مزاج متعكّر لا ينفع معه ربما أي عمل فني جميل.

جرّب أن تزور الحي الذي نشأت فيه، جرّب أن تعيد قراءة ذلك الكتاب العظيم الذي أثّر فيك في مرحلة ما، جرّب أن تشاهد ذلك الفيلم الذي لم يغادر مخيلتك فترة طويلة أو غيرها من التجارب. هناك احتمال كبير جداً أن لا تشعر بنفس الدرجة من الدهشة التي كنت تستشعرها آنذاك، بل من المحتمل جداً أن تنظر لنفسك باستغراب متسائلاً: ما الذي أدهشك في تلك التجربة؟ كيف كنت أنا كذا؟ كيف كنت أفكّر؟. لا تحتاج لأن تقسو على نفسك، أنت شخص طبيعي، كنت في سياق معين -لا تلقي له بال- أثرّ على إحساسك ومشاعرك وذوقك وقرارك بشكل أكبر مما تتخيل. وعندما تغيّر السياق، خفّ التأثير واختلف تقييمك ورأيك.

التواضع والاعتراف بالتأثير الكبير للسياق على حياتنا وتجاربنا وقراراتنا له فوائد، من أهمها: الاقتناع بأن ذوقنا ليس أفضل ذوق في العالم، وأنّ آرائنا ليست أصحّ وأدقّ آراء في الكون. وبالتالي نرى من الطبيعي أن يكون للناس آراء وتقييمات مختلفة عنّا لأن سياقاتهم وما يؤثر في مشاعرهم وأحاسيسهم هي عوامل مختلفة عن سياقاتنا والمؤثرات الخارجية علينا.

هذا الاعتراف المفروض يعلّمنا التواضع. فنتواضع مستقبلاً عند طرح آرائنا، نصيغها بشكل يتيح للآخرين مناقشتها والحوار معنا، فربما السياق المستقبلي الذي سيؤثر علينا وقت طرح رأينا المستقبلي ذاك له تأثير أعظم مما نستشعر على تفكيرنا وموقفنا. فالحقيقة أنه ليست كل آرائنا نتيجة تفكير معمّق وجهد تحليلي نقوم به، بل ربما انعكاسات لسياقات معينة نمر بها وتؤثر علينا.

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.