هل كل شيء مجاني ليس ذو قيمة؟

وعود السياسيين -كما نعرف من التاريخ- هي أكذب من وعود الشيطان، وتزداد مبالغة وكذباً في مواسم الانتخابات. قبل أسابيع وعد المرشّح الديمقراطي جو بايدن أنه سيقضي على مرض السرطان لو تم انتخابه، وأكثر من مرشح يدعو لإسقاط ديون طلاب الجامعات الأمريكية، بل بعضهم يعد بالضغط لجعل التعليم الجامعي الأمريكي الحكومي مجاني. والوعد الأخير أطلقه أكثر من مرشح ديمقراطي، وحصل حوار عام وأكاديمي حوله. المعارضين لمجانية التعليم يعتمدون على أطروحة قديمة تقول أن “كل شيء مجاني، لن يكون له قيمة عند الناس”.

هل الأوكسجين الذي نتنفسه بالمجان وبدون تفكير ليس ذو قيمة؟ الصحة الجسدية والصفاء الذهني؟ الخلو من الهموم؟ ماذا عن دعاء الوالدة؟ ليس ذو قيمة لأننا لا ندفع لهنّ مقابل عليه؟ صداقة اكتسبناها بالمجان ونستفيد منها سواءً في العمل أو للفضفضة؟ وقت هادئ مع أنفسنا على الشاطئ أو البر، نخلو به مع ذواتنا؟ صلة رحم؟ اتصال محب يريد فقط السلام؟ المشي، مجرد المشي في مكان ما؟ الذهاب لمكتبة عامة (في مدن توفر ذلك) والقراءة بالمجان؟ المكتبة العامة ليست ذو قيمة؟ عمل تطوعي ننضم فيه مع آخرين؟

محاولات تسليع كل شيء في الحياة وجعله شيء له سعر ومواصفات محددة وأسلوب استخدام محدد هو أمر ليس جديد منذ انطلاقة الثورة الصناعية بالذات، ويتصاعد ويترسّخ بشكل سريع مع الثورة الرقمية وتعاظم تأثير دوائر الأعمال على الحياة العامة للبشرية.
العلاج المجّاني ذو قيمة خرافية عند المريض، ولكن ربما ليس عند الثري الذي يطلب معاملة تليق بأسلوب حياته كما يراه. نقل الخبرات والتعليم المجاني هي أمور ذو قيمة عالية لا يراها من تشكل نقل المعرفة لشرائح مختلفة من المجتمع بالمجان تهديد للشريحة والدوائر التي تضمه.

من لا يقدّر النّعم المجانية ولا يعرف كيف يستمتع بها، سيشعر دائماً أنه فقير ومحتاج لأن روحه لن تملأها كل سلع العالم، وسيحتاج دائماً للعمل أكثر وأكثر للحصول على المزيد مما لن يملأ روحه يوماً..

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.