هل فعلاً كان لدى الأوغاد الناصحين مصاعد؟

وصلتني اليوم رسالتين من صديقين مختلفين فحواها عبارة منتشرة تقول:

“كل الأوغاد الذين قالوا لنا عليكم أن تصعدوا السلّم درجة درجة، كانت لديهم مصاعد”

يشتكي صاحب العبارة أياً كان من أنه تعرّض للخداع من أناس قدموا نصائح تساعده ليصل لأهداف معينة، واكتشف أنهم لم يطبقوها بل كان لديهم ميزات أخرى أوصلتهم للأهداف. هل كان لهؤلاء الناصحين مصاعد فعلاً أم أن الأمر ربما أوسع من ذلك؟ حسناً، فلنبدأ من مناقشة فكرة النصائح المعلّبة العابرة للقارات.

هناك مشكلة برأيي في طريقة تعاملنا كبشر مع استقبال النصائح ومعالجتها وتخزينها وتطبيقها. ليس هناك نقص في عدد الذين يوزعون النصائح يمنةً ويسرةً. وليس هناك نقص في عدد المستعدين لمنحهم انتباههم وتفكيرهم، وربما تطبيق ما يقولونه. أين المشكلة بالضبط؟

أنواع النصائح

يمكن ربما تقسيم أنواع النصائح إلى:

  • نصائح عامة حول الحياة اليومية: جمل وعبارات ومقولات تنتشر بين الناس ومع الوقت تصبح مثل قواعد في الحياة، مثلاً: ربط حزام الأمان ضروري لمنع الإصابة من الحوادث، وضع خطة مالية شخصية للمصاريف ضروري للتوفير والاستقرار المالي، إلخ.
  • نصائح حول التخصص والعمل: يقال للطلاب بأن الدراسة والمراجعة وحل الواجبات بشكل مستمر تساعدك في النجاح والحصول على معدّل ممتاز. ويقال لرواد الأعمال أن دراسة السوق بشكل معقول قبل تنفيذ فكرة مشروعك ستساعدك في رفع نسبة احتمالية نجاح المشروع. ويقال للفنّان بأن مثابرتك والاستمرار سيرفع من مهارتك في فنّّك مع الوقت وستحصل على الاعتراف والنتائج لاحقاً، وهكذا..
  • نصائح حول العلاقات الاجتماعية: اختيارك لنوع الأصدقاء سيؤثر على تفكيرك ومسيرتك الحياتية مع الوقت بشكل أبعد مما تتخيل، التعامل بثقة ولكن بحذر مع النّاس، وغيرها.
  • نصائح حول الذات والتوازن النفسي: لا حاجة لذكر أمثلة لها لأن هناك اقتصاد عالمي كامل مختص فيها ويدور حولها.

أنواع أصحاب النصائح

النصائح تصدر وينقلها عدة أنواع من الناس:

  • الفلاسفة والمفكرين: قضوا عمرهم في القراءة والبحث والكتابة ودراسة جوانب وتخصصات مختلفة في الحياة، ثم وثّقوا نتائجهم وانتقلت لنا بشكل ما مع الوقت.
  • الباحثين: أفراد ومجموعات يعملون في جهات أكاديمية وبحثية، متخصصين في مجالات محددة، وتكون نصائحهم نتيجة اطلاع واستقراء وأبحاث ويمكنهم الدفاع عنها بشكل علمي. لم يصلوا لدرجة عميقة من الجهد بحيث يتم الاتفاق على تصنيفهم كمفكرين وأساتذة مدارس فكرية مثل الشريحة السابقة.
  • ممارسين أصحاب تجارب حقيقية: قادتهم الأقدار ورغباتهم للدخول في تجارب عملية حقيقية في مجالاتهم، لم يدرسوا هذه التخصصات ولم يكونوا باحثين علميين فيها مثل الشرائح السابقة، ونتج عن تجاربهم هذه دروس وأفكار ونصائح متأثرة بتجاربهم سواءً كانت ناجحة أو فاشلة.
  • المشاهير والمهرّجين: مشاهير الإعلام والسوشل ميديا الذين اكتسبوا شهرة عامة عند شرائح معينة لأسباب مختلفة (فاشنيستا، كوميديا، ممثلين، مطربين،..). لا هم باحثين ولا أصحاب تجارب ولا حكمة ولا شيء، ولكن يوزعون نصائح على جماهيرهم حول الحياة والعلاقات والأعمال سمعوها و نسخوها و سرقوها من غيرهم.
  • العامة: الأقارب والأصدقاء وجماهير واتساب وتويتر. أغلبهم لا يدخلون تحت أي من التصنيفات السابقة، وكل ما يقومون به هو نسخ وإعادة توزيع لنصائح التقطوها عبر وسائل مختلفة. غالباً أعجبتهم هذه النصائح كما هي بدون تفكير عميق منهم فيها.

العوامل المؤثرة في صحّة النصائح

هناك كثير من الأمور تؤثر في صحة النصيحة ومناسبتها للمتلقي. ومنها:

  • المؤثر الجغرافي: بعض النصائح تناسب مناطق جغرافية وبلدان معينة ولا تناسب غيرها، الطبيعة تفرض نفسها ولا يمكن تغييرها.
  • المؤثر الإقتصادي: الوضع المالي للفرد واقتصاد مجتمع وبلد صاحب النصيحة عوامل ممكن تجعل نصيحته غير ذات جدوى وخاطئة ولا تناسب المتلقي في مكان ووضع اقتصادي آخر، ومن الخطأ تطبيقها.
  • المؤثر الثقافي: اختلاف الثقافات يؤثر في صحة النصيحة كذلك. تطبيق نصيحة تصدر من شخص من ثقافة ومجتمع معين ممكن تؤدي لمصيبة عند تطبيقها في مجتمع ذو ثقافة مختلفة.
  • المؤثر العائلي: بعض النصائح في العلاقات الأسرية لا تتناسب مع كثير من الناس الذين يعيشون في أوضاع عائلية مختلف عن صاحب النصيحة، وهناك عوامل أخرى مؤثرة يجب وضعها في الحسبان.
  • المؤثر الفردي: شريحة عمر متلقي النصيحة، وضعه النفسي، تاريخ تجاربه المتراكمة، قدراته الذهنية والمهارية، أولوياته الشخصية، كلها عوامل تؤثر في صحة النصيحة وجدوى تطبيقها.

كما نرى، هناك كثير من العوامل تؤثر في مدى دقة وجدوى النصيحة ويجب أخذها في الحسبان قبل التفكير في تبنيها وتنفيذها على المستوى الشخصي أو الجماعي. يجب التفكير في مدى حساسية النصيحة (عامة، أو في التخصص والعمل، أو في العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو حول النفس)، ثم معرفة شيء عن صاحبها (هل هي نتيجة بحث علمي أم تجربة حقيقية أم خاطرة حكيم، أم رؤية مفكر، أم ناقل مجهول، إلخ). ثم معرفة أي من العوامل ممكن تدعم أو تنفي فكرة تبنيها (هل تناسب في الصحراء أم في المناطق الباردة فقط؟، هل تناسب اقتصادنا أم اقتصاد الدول الصناعية فقط؟، هل ثقافة الشعب تؤيدها أم تقاومها؟ هل وضعي العائلي يجعلها مناسبة أم لا؟ إلخ..). كل النصائح الحياتية والعملية والاجتماعية والفردية تتأثر بعوامل مختلفة خارج سيطرة المتلقي.

أين المشكلة؟

انتشار السوشل الميديا القائم أساساً على الاختصار يعمّق من مشكلة النصائح المعلّبة وانتشارها. نصيحة ما لشخص في بلد معين ضمن ثقافة معينة ووضع اقتصادي معين ومكون أسري وفردي ونفسي معين، تصدر منه بصياغة رائعة على شكل تغريدة من حروف معدودة، أو مقطع سناب قصير، أو مشهد يوتيوب من دقائق، أو منشور فيسبوك، إلخ فتصل لشخص يقيم في أقصى الأرض يعيش تحت عوامل تأثير مختلفة جذرياً عن وضع الناصح. بسبب الكسل أو عدم الرغبة في التفكير والتعمّق فيها، ممكن يتجه المتلقي لتطبيق النصيحة بدون التوقف كثيراً عندها لأنه تبدو له منطقية وارتاح لها. بل يعيد نشرها وتصح كقاعدة عنده. الاختصار (جوّ السوشل ميديا) جيّد في مواضيع غير مؤثرة وحساسة، ولكن ممكن تكون مؤشر ضحالة تفكير عند مطلقها ومتبنيها عندما تكون في جوانب ومواضيع مختلفة.

التفكير الجاد هو عمل فردي متعب، وطبيعة الفرد أن يتّبع هواه وما يرتاح له بدون كثير من التفكير. فعندما يسمع نصيحة تبدو منطقية له، يشرع في تبنيها ونشرها وربما تطبيقها بدون كثير من التفكير. أحياناً تنجح معه، وفي كثير من الأحيان تفشل لأن هناك عوامل مؤثرة لم يفكر فيها قبل التنفيذ جعلت تنفيذ النصيحة خاطئ. فبالتالي، يستنتج أن النصيحة خاطئة وأن الناصح واهم ومزور. صاحب النصيحة ربما يكون على حق، ولكنه لم يتوسع في طرحه ليحدد مستلزمات وشروط نجاح تطبيق نصيحته، أو أنه بائع كلام بالفعل.

استقبال نصيحة شيف طبخ حول إضافة الخلّ كمكون في تجهيز وجبة تبدو لذيذة عبر مقطع يوتيوب وقرار تطبيق نصيحته، يجب أن يختلف جذرياً عن طريقة تلقّيك نصيحة رائد أعمال في سان فرانسيسكو يتحدث عن ضرورة التفرّغ بشكل تام لمشروعك والاستقالة من وظيفتك قبل البداية. النصيحة الأولى لا تحتاج كثير من التفكير فيها لأنه من الواضح أن العوامل المؤثرة في نجاحها أو فشلها ليست كثيرة، وليس هناك خسارة لو ظهر لك بأن طعم الخلّ لم يضيف مذاق رائع. ولكن النصيحة الثانية تستحق كثير من التمّهل و التفكير في العوامل التي ممكن تؤثر في مدى صحة نصيحته ومناسبتها لك. ونفس الشيء مع نصائح تطوير الذات والعلاقات الاجتماعية وغيرها.

الأوغاد الذين قالوا لنا بأن علينا صعود السلالم درجة درجة واتبعنا نصائحهم ولم نصل، ربما كانوا صادقين في نصائحهم ولم يواجهو من المؤثرات الخارجية التي تجعل نصائحهم غير قابلة للتطبيق معنا، فبالتالي ليس خطأهم وليسوا أوغاد.  
ومن المحتمل كذلك أن يكونوا أوغاد كان لديهم مصاعد لم يخبروا الناس عنها.

في النهاية، التفكير والتمعّن وتحليل النصائح قبل تطبيقها مسؤولية الفرد، وعليه لوم نفسه أولاً.

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.