كيف تعاش الحياة؟ احرس انسانيتك..

كيف تعاش الحياة؟ احرس انسانيتك..

أحد أفضل الكتب التي قرأتها هذا العام هو "كيف تعاش الحياة؟" (ورقي | كندل) لـ "سارة بكويل". في "المقالات"، كتب مونتاني تأملات حرّة لأفكاره وتجاربه كما لم يكتب أحد من قبل. بعد أكثر من أربعمئة عام، لا تزال الناس منجذبة إلى قراءته بفعل سحره وصدقه. القراء يسعون إليه طلبًا للرفقة والحكمة والتسلية، وأيضًا كي يتواصلوا مع أنفسهم.
في هذا الكتاب البديع، وضعت المؤلفة سؤال واحد "كيف تعاش الحياة؟" واستخرجت 20 جواب من كتاب مونتاني الضخم "المقالات". الجواب الثاني عشر كان بعنوان "احرس انسانيتك".
في الوقت الذي كان مونتاني يكتب كتابه، كانت أوروبا وفرنسا تمر بحروب أهلية طاحنة، وانسداد أفق يجعل التفاؤل ضرباً من الجنون. هذا المحيط الملتهب، وما كان يبدو نهاية الحياة، لم يؤثر في مونتاني بل جعله يخرج بهذا العمل التاريخي العظيم، والذي يدور حول الإنسان وحب الحياة وفهمها. أرى أن هذا الفصل من أجمل فصول الكتاب، ورأيت أنه يستحق المشاركة مع الآخرين عبر هذه المدونة. من يعتقد بأن المنطقة وأحداثها، وكورونا وانعكاساتها، هي أمور تجعل المشهد في غاية السوداوية، وأن المستقبل مظلم ومقلق، عليه قراءة هذا الفصل.


الرُّعب:

أغضبت اتفاقية سان جيرمان التي عُقدت في سبعينيات القرن السادس عشر الجميع، مثلها مثل اتفاقيات السلام التي سبقتها. اعتقد البروتستانت الذين يريدون المزيد دائمًا أن شروطها لم تحقِّق أهدافهم المرجوّة بشكلٍ كافٍ، لأنها منحتهم حريّة عبادة محدودة. أما الكاثوليك فاعتبروا أنّها تجاوزت أهدافهم المرجوَّة؛ إذ كانوا قلقين من أن يأخذ البروتستانت أي تنازلات مهما كانت لأنها ستكون تشجيعًا لهم. وخشوا أن يضغط البروتستانت من أجل ثورة شعواء ضد الملك الكاثوليكي الشرعي، وتبدأ حرب أخرى. كانوا محقِّين بشأن وجود حربٍ أخرى لكنهم أخطأوا في تقدير من الذي سيكون مسؤولًا عنها .

استمرّت الضغوط في التزايد، ووصلت إلى الذروة في أثناء الاحتفالات التي أقيمت في باريس في أغسطس 1572 احتفالًا بالزفاف الملكي بين الكاثوليكية مارجريت دي فالويز والبروتستانتي هنري دي نافار . حضر الاحتفال قادة الطوائف الثلاث الرئيسية في مزاج متجهّم : الملك الكاثوليكي المعتدل تشارلز الرابع، والقائد البروتستانتي الراديكالي الأدميرال جاسبارد دي كوليجني، والدوق الكاثوليكي المتطرِّف دوق دي جويز. كل قائد طائفة كان يطارده الخوف من الآخرين. وزاد الوعّاظ، ملهبي إثارة الشغب، الحرارة الانفعالية اشتعالًا بين أهل باريس العاديين، إذ حثّوهم على الانتفاض لمنع الزفاف وإزالة القادة المهرطقين من على وجه الأرض والفرصة في أيديهم.

ومضى الزفاف في طريقه المرسوم في 18 أغسطس، وتبعته احتفالات رسمية لمدة أربعة أيام. لا شك أن الكثيرين تنفّسوا الصعداء حين انتهت هذه الاحتفالات. لكن في ساعة متأخِّرة من الليلة الأخيرة، 22 أغسطس 1572 ، أطلق أحدهم النار على القائد البروتستانتي كوليجني بينما كان عائدًا من قصر اللوفر إلى بيته سيرًا على الأقدام. لم تقتله الإصابة، بل كسرت ذراعه .

انتشرت أخبار الحادث في أنحاء المدينة. وفي الصباح التالي، تدفّقت موجات من الهوغونوت أتوا ليروا كوليجني، وهم يقسمون بالانتقام . اعتقد الكثيرون منهم (كما لا يزال معظم المؤرخين يعتقدون) أن الملك نفسه كان وراء محاولة الاغتيال، هو وأمه كاثرين دي ميدتشي، والفكرة كبح أي تمرّد بروتستانتي محتمل في مهده بإزاحة قائده من الطريق. إذا صدق ذلك، يكون سوء تقدير من جهة تشارلز. أغضب الهجوم على كوليجني البروتستانت. لكن الأخطر أنه أرعب الكاثوليك، الذين تجمّعوا حول المدينة وأعدوا العدّة للدفاع عن أنفسهم؛ إذ توقعوا أن يثور البروتستانت ردًّا على ما حدث. ربما كان الملك مستثار الأعصاب أيضًا، وربما فكر في أن قائد متمرِّد ميت أقل خطرًا من قائد متمرِّد جريحٍ. ومن الواضح أن بعض أفراد الحرس الملكي اقتحموا منزل كوليجني بناء على أوامره وأكملوا العمل الدموي بقتل الرجل الجريح في فراشه. حدث ذلك في الصباح المبكر من يوم السبت 24 أغسطس، يوم عيد القديس بارتيلوميو .

قطع القتلة رأس كوليجني وأرسلوه إلى القصر الملكي؛ حيث سيحنّط في نهاية المطاف ويُرسل إلى روما ليفرح به البابا. وفي تلك الأثناء، قُذف ببقية الجسد من النافذة إلى الشارع، حيث أشعل فيه حشد من الكاثوليك النار وسحلوه في أنحاء المنطقة. تحطم الجسد المحترق إلى شذرات، لكن الناس حملوا أجزاء منه وساروا بها في مسيرات في أنحاء المدينة وظلوا يوقعون بها مزيدًا من التشويه لعدة أيام.

ف . دوبويز، مذبحة عيد القديس بارتيلوميو، 24 أغسطس 1572. زيت على خشب . المتحف الأركيولوجي والتاريخي، لوزان، سويسرا /جيرودون / ذا بريدجمان آرت ليبراري.

سبَّب الشغب حول منزل كوليجني المزيد من الهلع بين أهل باريس من الكاثوليك والبروتستانت. اندفعت عصابات كاثوليكية إلى الطرق؛ تقبض على أيّ بروتستانتي وتقتله، وتقتحم البيوت التي تعرف أن البروتستانت يعيشون فيها، حيث كان الكثيرون ينامون فيها مطمئنين، ليست لديهم أي فكرة عما يحدث في المدينة . جرّهم الغوغاء خارج البيوت، وذبحوهم أو قطّعوهم إربًا، ثم أشعلوا النيران في أجسادهم أو ألقوهم في النهر . اجتذب الاضطراب حشودًا أكبر فأكبر، وغذَّى نيران المزيد من الفظائع. ولنذكر حادثًا واحدًا وردت عنه تقارير، حيث قتل رجل اسمه ماثورين لوسولت حين ارتكب خطأ فتح باب بيته لمن قرعه؛ نزل ابنه ليرى سبب الضجة فطعنوه أيضاً. حاولت فرانسواز، زوجة لاسولت الهرب بالقفز من نافذة الطابق العلوي إلى فناء الجيران؛ فانكسرت ساقاها. ساعدها الجيران، لكن المهاجمين اقتحموا المكان وجرّوها من شعرها إلى الشارع. وقطعوا يديها ليحصلوا على أساورها الذهبية، ثم خوزقوها على سيخ؛ وبعد ذلك ألقوا بجسدها في النهر. وظلت اليدان موجودتين خارج المبنى لعدّة أيام، وقد نهشتها الكلاب. وحدثت مشاهد مماثلة في جميع أنحاء المدينة، وألقيت عدة أجساد في نهر السين، حتى قيل إنه تحوّل إلى اللون الأحمر بفعل الدماء التي جرت في مجراه .

أيًّا كان قصد تشارلز من الاغتيال الأول - إذا كان مسؤولا عنه حقًّا - يكاد من المستحيل أن يكون قد قصد هذه المذابح. لقد أمر جنوده الآن بقمع العنف، لكن الوقت كان قد تأخَّر . استمر القتل لحوالى أسبوع عبر أحياء باريس، ثم انتشر في بقية أنحاء البلاد . خلّفت المذبحة التي عُرفت أكثر ما عُرفت باسم مذبحة عيد القديس بارتيلوميو ما يزيد على خمسة آلاف قتيل في باريس وحدها. وبنهاية الأحداث، قتل حوالى عشرة آلاف شخص في فرنسا. كما يمتصّ إعصارٌ سفن الصّيد امتصّ العنف المدن: أورليانز، وليون، وروين، وتولوز، وبوردو وبلدات صغيرة أخرى لا تعد ولا تحصى .

كان نوعًا من الشغب الذي يستنكره مونتاني حتى في ساحة قتال تقليدية، كيف وأن الضحايا هنا مدنيين. وإجمالًا، كان القتلة مدنيين كذلك؛ لم يتورّط جنود أو موظفون رسميون في القتل إلا في أماكن قليلة. كانت بوردو إحدى هذه الأماكن القليلة. لم يحدث فيها شيء حتى 3 أكتوبر، لكن حين حدث، كان من الواضح أن من نظَّمه وأقرَّه هو العمدة الكاثوليكي المتعصِّب في ذلك الوقت، تشارلز دي مونتيفيراند؛ الذي أصدر قائمة رسمية بالأهداف المطلوب مهاجمتها. كان سفك الدماء يحدث في معظم الأماكن بشكل فوضوي وبيد أناس كان يمكن أن يكونوا عاقلين في بقية الوقت. ونقلًا عن أحد المؤرخين، توقّف الغوغاء في أورليانز في الحانات بين نوبات القتل للاحتفال بما أنجزوه، «مصحوبين بالغناء، وعزف العود والجيتار ». تكوَّنت بعض الجماعات أساسًا من نساء أو أطفال . فسَّر الكاثوليك وجود هذه الجماعات الأخيرة بأن الإله نفسه كان مؤيِّدًا للمذابح، لأنه جعل حتى الأبرياء يشاركون فيها. وعمومًا، اعتقد الكثيرون بأنه حيث إن عمليات القتل لم تكن على نطاق إنساني عادي، فلا بد أن الإله أقرَّها. فهي لم تكن نتيجة قرارات بشرٍ، بل كانت رسائل من الإله إلى البشرية، بشائر اضطراب ورعب كوني بقدر ما هي حصاد فاسد أو نجم مذنّب في السماء. صُنعت ميدالية في روما لإحياء ذكرى المذابح، صوَّرت الهيهوغونوت وهم يُصرَعون، لا بيد رفاق فانين، بل بيد ملاك مسلح تلألأ بالغضب المقدّس. عمومًا، يبدو أن البابا الجديد، جريجوري الثالث عشر، سرَّ بحوادث فرنسا. فعدا الميدالية، عهد البابا لجورجيو ڤاساري بمهمّة رسم لوحات فريسكو احتفالية في البهو الملكي في الفاتيكان. وشارك الملك الفرنسي بالمثل في مواكب عيد الشكر، وصُكَّت له ميداليتان، واحدة تمثِّله في صورة هرقل يحارب الهيدرا، والأخرى تصوِّره على عرشه محاطًا بجثث عارية وهو يمسك بسعفة نخيل ليمثِّل النصر .

ميدالية تشارلز التاسع التي تصوِّر مذابح عيد القديس بارتيلوميو في شكل هزيمة الهيدرا.

ما إن جمع الهوغونوت شتات شملهم وجمعوا جيوشًا ليحاربوا ردًّا على ذلك، حتى نشبت حرب شاملة مرة أخرى. استمرّت هذه الحرب طوال سبعينيات القرن السادس عشر، مع فترات توقّف عرَضية فقط. شكّلت حوادث عيد القديس بارتيلوميو خطًّا فاصلًا؛ فبعدها، صارت الحروب أكثر فوضوية، وازداد حدوثها بدافع التعصّب . وإلى جوار المعارك العادية، سبّبت الآن عصابات الجنود، المتهيّجة المنفلتة من أي تحكّم، الكثير من البؤس، حتى أثناء فواصل السلم المفترضة، حيث لم يكن لهم رؤساء ولا مرتّبات. هرب الفلاحون أحيانًا وعاشوا حياة بريّة في الغابات بدلًا من الانتظار في البلدة ليتعرّضوا للهجوم وللتعذيب أحيانًا من باب التسلية ليس إلا . كانت هذه حالة طبيعة انتقامية. كتب محامٍ قروي، هو جان لا روفيير في العام 1579 إلى الملك يستجدي عونه لفقراء المزارعين في منطقته: «رجال بؤساء، عرضة للاستشهاد، ومهجورون» يعيشون من الأرض بقدر ما يمكنهم، وقد فقدوا كل ما لديهم. كانت حكايات الناس من بين أصناف الرعب التي شهدها أو سمع بها :

يُدفنون أحياء في أكوام السماد، ويُلقى بهم في الآبار والمصارف ويتركون ليموتوا، وهم يعوون كالكلاب؛ وقد وُضعوا في صناديق أغلقت بالمسامير لا ينفذ إليها الهواء، وحُبسوا بين جدران أبراج بلا طعام، وشُنقوا على الأشجار في أعماق الجبال والغابات؛ ومُدِّدت أجسادهم أمام النيران، وأقدامهم تقلى بالشحم؛ اغتُصبت نساؤهم، وأُجهضت الحبالى منهن؛ خُطف أطفالهم لطلب فدية، أو حتى شُووا أحياء أمام والديهم.

غذّت الحماسة الدينيّة الحروب، لكن المعاناة الناتجة عن الحرب ولَّدت بدورها مزيدًا من التخيّلات المنذرة بالشؤم. اعتقد الكاثوليك والبروتستانت كلاهما أن الحوادث تقترب من نقطة لا يمكن أن يأتي بعدها أي تاريخ بشكل طبيعي، لأن ما تبقّى هو الصراع بين الإله والشيطان . وهذا هو السبب الذي جعل الكاثوليك يحتفلون بمذابح عيد القديس بارتيلوميو ببهجة شديدة؛ فقد رأوها نصرًا أصيلًا على الشرِّ، وسبيلًا لإعادة الأفراد المضَلَّلين، الذين لا يُعدُّون ولا يُحصَون، إلى الكنيسة الحقيقية قبل أن يتأخّر الوقت على إنقاذ أرواحهم .

كان كلُّ هذا مهمّا جدًّا، لأن الزمن كان قصيرًا. سيعود المسيح في الأيام الأخيرة، وسيندثر العالم، ويكون على كل فردٍ، ذكرًا كان أم أنثى، أن يبرِّر تصرّفاته في حضرة الإله . يستحيل وجود حلول وسط في هذا الموقف، ولا رؤية لوجهة نظر الآخر، وبالتأكيد لا يوجد فهم متبادل بين المعتقدات المتنافسة . كان مونتاني، بمدحه للحياة العادية وللتوسط، يبيع شيئًا لا سوق له في عالم منكوب.

كانت علامات نذير الشؤم الوشيك هذا كثيرة: سلسلة من المجاعات، وتدمير المحاصيل، وفصول شتاء قارصة البرد في سبعينيات القرن السادس عشر، أشارت إلى أن الإله نفسه كان يسحب دفأه من كوكب الأرض. اجتاح الجدري، والتيفوس، والسعال الديكي البلد، علاوة على أسوأ الأمراض، ألا وهو الطاعون . بدا أن فرسان الشؤم الأربعة قد انطلقوا من عقالهم: الوباء، والحرب، والمجاعة، والموت. تجوَّل مذؤوب في البلد، وولد في باريس توأمان ملتصقان، وانفجر نجم جديد في السماء من النوع المستعر، الذي يتألّق ضوؤه فجأة ثم يخبو تدريجيًّا . حتى الذين لم يكونوا من المتطرفين دينيًّا عادةً شعروا بأن كل شيء يسرع نحو نهاية غامضة ما. وتذكّرت محرّرة مونتاني، ماري دي جورناي، في ما بعد، فرنسا التي عاشت فيها شبابها كمكان تخلى عنه أهله وتركوه للفوضى «وهكذا يُقاد المرء ليتوقّع انتهاء الدولة إلى الخراب لا الإصلاح». واعتقد البعض أن النهاية صارت وشيكة جدًّا حقًّا. كتب عالم اللغة واللاهوت جيّوم بوستيل Guillaume Postel في خطاب حرَّره في العام 1573 أن «البشر سيفنون في بحر ثمانية أيام ».

كان الشيطان الوسواس الخنَّاس أيضًا يعرف أن زمن تأثيره على الأرض يقترب من نهايته، فأرسل جيوشًا من العفاريت الدواهي لكسب النفوس القليلة الضعيفة الأخيرة. كانوا جيوشًا حقًّا؛ قدر جان وير في كتابه عن حيل العفاريت الدواهي (1564) عددهم بـ 7409127 عفريتًا داهية كانوا يعملون لحساب إبليس، تحت إدارة مكوَّنة من تسعة وسبعين أميرًا من أمراء العفاريت الدواهي . وكانت معهم الساحرات؛ فقد حدث ارتفاع كبير مفاجئ ومثير في حالات السحر بعد أن قدّمت ستينيات القرن السادس عشر المزيد من البراهين على أن يوم القيامة قادم. وحكمت عليهن المحاكم بالحرق بأسرع ما يمكن بعد اكتشافهن، لكن الشيطان الوسواس الخنَّاس كان يأتي ببديلات لهنَّ بوتيرة أسرع.

ذهب عالِم علم الشياطين المعاصر جان بودين إلى أنه في حالات الأزمات مثل تلك، لا بد من خفض مستوى البراهين. كان السحر شديد الخطورة، ويصعب جدًّا اكتشافه باستخدام وسائل الإثبات العادية، إلى حدِّ أن المجتمع لا يتمكَّن من تحمَّل تكلفة التمسَّك الزائد «بالترتيب القانوني والإجراءات العادية.» يمكن اعتبار الشائعات العامّة «معصومة من الخطأ تقريبًا»؛ فلو قال جميع أهل قرية إن امرأة معيّنة ساحرة، كان هذا كافيًا لتبرير تعذيبها . أعيد إحياء تقنيّات العصور الوسطى خصّيصًا لهذه الحالات. تشمل هذه التقنيات «تعويم» المشتبه فيهم ليروا ما إذا كانوا سيطفون أم يغرقون، وإحراقهم بقطع من الحديد المحمَّى. استمرَّت أعداد الساحرات المحكوم عليهن في التزايد بينما انخفضت مستويات البراهين، وتصاعدت الزيادة لتعطي مزيدًا من الإثبات أن الأزمة حقيقية، وأن من الضروري إدخال المزيد من التعديلات على القانون. وكما ألمح التاريخ مرارًا وتكرارًا، لا شيء أكثر فعالية في هدم وسائل الحماية القانونية التقليديّة أكثر من الادعاء المزدوج بأن الجريمة خطيرة على نحو فريد من نوعه، وأن مَنْ وراءَها لديهم قوة مقاومة استثنائية. قبل الناس كل هذا حتى لم يكد أحد ينبس بكلمة اعتراضًا عليه، ما عدا قلّة من الكتَّاب مثل مونتاني، الذي أشار إلى أن التعذيب كان بلا جدوى للوصول إلى الحقيقة، فالمرء سيقول أي شيء لإيقاف الألم الذي ينزل به - وعلاوة على ذلك، كان «الثمن المفروض باهظًا على تخمينات الشخص»؛ فقد يُشوى وهو حيٌّ بناء على هذه التخمينات.

الجنة والجحيم، حفر هـ . كوك، نقلا عن چ . دي ماننتوا 1565. مجموعة خاصة / ذا بريدجمان آرت ليبراري.

من التطوّرات الكبرى التي حذّر منها علماء اللاهوت الوصول الوشيك للمسيح الدجال. سيكثر ظهور العلامات في السنوات القادمة؛ ففي العام 1583 أنجبت امرأة مسنّة في بلد أفريقي طفلًا له أسنان قِطٍّ، أعلن بصوت كصوت البالغين أنه المسيح. وتزامن مع ذلك في بابليون انفجار جبل وانفتاح جوفه ليظهر فيه عمود مدفون مكتوب عليه باللغة العبرية: «حانت ساعة مولدي». كان الخبير الفرنسي الأساسي في هذه الحكايات عن المسيح الدجال هو الرجل الذي أعقب مونتاني في برلمان بوردو، فلوريموند دي ريموند، الذي كان أيضًا حارقًا متحمِّسًا للساحرات. حلَّل كتاب ريموند المسيح الدجال نُذُرًا لاحت في الأفق؛ مثل ذبول النباتات والمحاصيل، وحركات السكان، وحالات الفظائع الوحشية وأكل لحوم البشر في الحروب، مُظهِرًا كيف أثبتت جميعها أن الشيطان كان على وشك الوصول.

كانت المشاركة في العنف الجماعي في هذه الظروف تعني أن تجعل الإله يعرف أنك تقف معه. صنع كل من المتعصِّبين البروتستانت والكاثوليك طقسًا من الحماسة المقدَّسة، ارتفع حتى بلغ حد أن تعطي نفسك تمامًا للإله وترفض أمور هذا العالم . أي شخص ما زال يهتم بأمور الحياة اليومية في مثل هذا الوقت قد يُشَكُّ في ضعفه الأخلاقي في أفضل الأحوال، والتحالف مع الشيطان في أسوأها.

وفي الواقع، استمرّ الكثير من الناس في حياتهم وابتعدوا عن المشاكل بقدر إمكانهم، وظلّوا أوفياء للحالة العادية التي اعتقد مونتاني أنها جوهر الحكمة. حتى لو آمنوا بالمواجهة القادمة بين الشيطان والإله، لم يكن اهتمامهم يزيد على اهتمامهم بفضائح البلاط الملكي ودبلوماسيته. وقد تخلّى الكثيرون من البروتستانت عن عقيدتهم بعد العام 1572 ، أو أخفوها على الأقل، وهو اعتراف ضمني بأنهم اعتبروا الحياة الدنيا أهم من الاعتقاد بتلك التي تنتظرهم في الآخرة. لكن أقلية ذهبت في اتّجاه الطرف المضاد. كانت راديكاليتهم قد تجاوزت جميع المقاييس، فنادوا بحرب شاملة ضد الكاثوليكية وبموت الملك؛ «الطاغية» المسؤول عن موت كوليجني وغيره من الضحايا. وفي هذا السياق اهتم الراديكاليون الهوغونوت فجأة ببحث لا بويتي عن العبودية الطوعية ونشروه، وهم الذين أعادوا اختراعه على سبيل الدعاية لقضية ما كان لا بويتي نفسه لينحاز إليها.

لم يكن قتل الملك ضروريًّا، كما اتضح . مات تشارلز التاسع لأسباب طبيعية بعد سنة ونصف، في 30 مايو 1574. وانتقل العرش إلى ابن آخر من أبناء كاثرين دي ميديتشي، هو هنري الثالث، الذي ثبت أنه كان أقلَّ شعبية حتى من سابقه. بل لم يكن الكثير من الكاثوليك يحبّونه. وتنامى خلال سبعينيات القرن السادس عشر التأييد للمتطرفين الكاثوليك المعروفين باسم الليجيين (أعضاء الجمعية ) ، الذين سيسبِّبون للملكية مشكلات تضارع على الأقل المشكلات التي سيسبِّبها الهوغونوت في السنوات القادمة تحت قيادة دوق دي جويز القوي والطموح . ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، ستكون الحروب في فرنسا ذات ثلاث شعب، مع وقوع الملكيَّة غالبًا في أضعف الأوضاع. حاول هنري عرَضًا أن يأخذ زمام قيادة أعضاء الجمعية بنفسه، ليحيِّد تهديدهم، لكنهم رفضوه، بل صوّروه في هيئة وكيل متخفٍ للشيطان.

هنري الثالث . صورة بالمواجهة إلى أ . ثيفيت، (1584). ماري إيفانز بيكتشار ليبراري.

ربما يكون هنري الثالث شديد الاعتدال بالنسبة لأعضاء الجمعية، لكنّه كان متطرفًا بطرق أخرى، ولم يظهر أي فهم لمعنى الاعتدال لدى مونتاني، الذي قابله عدة مرات، ولم يحبّه كثيرًا . فمن جهة، ملأ هنري بلاطه بالمتأنِّقين، وحوَّله إلى مملكة من الفساد، والترف، ومظاهر الإتيكيت العبثية. كان يخرج للرقص كل ليلة، وفي شبابه كان يرتدي معاطف وسترات من الحرير الطبيعي، مع أساور من مرجان وعباءات ممزّقة إلى شرائط . وأدخل موضة القمصان ذات الأكمام الأربعة، اثنان للاستخدام واثنان يتدلَّيان خلف الظهر كالأجنحة. بل إن بعض حذلقاته الأخرى كانت تعتبر غريبة؛ إذ كان يستخدم الشوك على المائدة بدلًا من السكاكين والأصابع، وكان يرتدي منامات للنوم، ويغسل شعره من حين إلى آخر. ومن جهة أخرى، نظّم هنري أيضًا عروضًا مبالغًا فيها من ممارسات الصوفية والتّوبة. وكلما ازداد ارتباكًا بفعل المشكلات التي تواجهها المملكة، تزداد وتيرة اشتراكه في مسيرات من يجلدون أنفسهم بالسياط، يسير معهم مجهَدًا حافيًا في الشوارع المرصوفة بالأحجار، ينشد المزامير ويجلد نفسه.

لم يكن مونتاني يجد أي معنى لفكرة أن يكمن حلّ الأزمة السياسية في الصلاة والتدريبات الروحية المتطرفة. أحجم مونتاني عن هذه الممارسات، ولم يجعل للمذَنَّبات أي اعتبار، ولم تثرِ العواصفُ الثلجيّة أعصابه، ولا ميلاد أطفال بملامح وحوش، ولا أي من علامات القيامة الأخرى . ولاحظ أن الذين استمدّوا توقّعات قدوم القيامة من هذه الظواهر جعلوها غامضة عادة، بحيث يمكنهم الزعم بالنجاح في ما بعد مهما حدث. رأى مونتاني أن معظم تقارير السحر من تأثيرات الخيال البشري، لا النشاط الشيطاني. وفضَّل عمومًا أن يلتزم بشعاره: «أنا أعلِّق حكمي .»

جلب له شكّه بعض النقد البسيط؛ إذ حذَّره اثنان من معاصريه في بوردو، مارتين - أنطوان ديل ريو وبيير دي لانسر، من أن من الخطر لاهوتيًّا شرح حوادث يوم القيامة بلغة الخيال البشري، لأن ذلك يشتِّت الانتباه عن التهديد الحقيقي. وتمكّن مونتاني إجمالًا من تجنّب الشكوك الخطرة، لكنه خاطر بسمعته بالجهر بمعارضة التعذيب ومحاكمة الساحرات. كان مرتبطًا بالفعل في أذهان الكثيرين بفئة من المفكِّرين يعرفها أعداؤها باسم السياسيين politiques ، تميَّزوا باعتقادهم بأن مشكلات المملكة لا علاقة لها بالمسيح الدجَّال أو نهاية الزمان، لكنهم كانوا مجرّد سياسيين. واستخلصوا أن الحل يجب أن يكون سياسيًّا أيضًا؛ من ثم اكتسبوا اسم شهرتهم هذا. كانوا يساندون الملك نظريًّا، معتقدين أن الأمل الوحيد لفرنسا هو الاتحاد تحت راية ملك شرعي، على الرغم من أن معظمهم أملوا سرًّا في أن يأتي في يوم ما ملك أكثر إلهامًا وأكثر قدرة على توحيد البلاد من هنري الثالث. وقد ظلّوا مخلصين للملك، لكنهم بذلوا جهدًا ليجدوا نقاط التقاء مشتركة بين الأحزاب الأخرى، بأمل إيقاف الحروب وإرساء أسس مستقبل فرنسا.

من سوء الحظ، أن كراهية السياسيين كانت الأرضية الوحيدة المشتركة التي قرّبت فعلًا بين الكاثوليك المتطرّفين والبروتستانت المتطرّفين. كانت الكلمة نفسها اتهامًا بالإلحاد، إذ كانوا أناسًا لا يهتمّون إلا بالحلول السياسية، لا بحالة أرواحهم. كانوا رجالًا ذوي أقنعة؛ خدّاعين كالشيطان نفسه . كتب أحد المعاصرين عن سياسي نموذجي «أنه يرتدي جلد حَمَل، لكنه رغم ذلك ذئب هائج ». السياسيون، على عكس البروتستانت الحقيقيين، حاولوا أن يقدّموا أنفسهم على غير حقيقتهم ولأنهم كانوا أذكياء ومثقفين، لم يكن لديهم عذر في أنهم ضحايا أبرياء لخداع الشيطان. إن ارتباط مونتاني بالسياسيين أعطاه سببًا وجيهًا لتأكيد انفتاحه وأمانته، علاوة على تمسّكه بالكاثوليكية القويمة (على الرغم من أنه كان يزعم أن الأمانة هي بالضبط ما يفعله الذئب حين يرتدي ثوب الحَمَل ).

فريق ممن يجلدون أنفسهم بالسياط، من The Chronicles of Chivalry, 1583. حفر .. بيبليوتيك ناشونال باريس / ذا بريدجمان آرت ليبراري.

اتهم أعضاء الجمعية (الليجيون ) السياسيين بأنهم لا يستحقّون الثقة، لكن السياسيين بدورهم اتَّهموا أعضاء الجمعية (الليجيين) بأنهم تركوا أنفسهم فريسة لعواطفهم وفقدوا القدرة على الحكم السليم على الأمور. وأنعم مونتاني التفكير متعجبًا من أن المسيحية كثيرًا ما تؤدي إلى تجاوز عنيف، ومن ثم إلى دمار وآلام .

تعصبنا يفعل العجائب حين يحبِّذ ميلنا نحو الكراهية، والقسوة، والطموح، والشحّ، والانتقاص من المبدأ، والتمرّد، ولكن التحرك ضد الاتجاه الفطري، إلى الطيبة، والرحمة، والاعتدال، ما لم يكن مدعّمًا بمعجزة نادرة أنتجتها طبيعة ما فلن نقوى لا على المشي ولا حتى على الطيران.

وكتب في أحد الموضوعات: «لا توجد عداوة تزيد على العداوة المسيحية ». لقد فضّل التفكير في صورة المسيح الرواقي بدلًا من صورة المسيحي الغيور الذي تتّقد عيناه شررًا؛ فالشخص الذي يتصرّف تصرفًا أخلاقيًّا، ويجعل انفعالاته معتدلة، ويعطي أحكامًا جيِّدة، يعرف كيف تُعاش الحياة.

كان لدى السياسيين حقًّا الكثير من الفلسفة الرواقية. لم يحثّوا على الثورة أو قتل الملك، بل أوصوا بقبول الحياة كما هي عليه، على أساس المبدأ الرواقي القائل بحب القدر (آمور فاتي ). كما روَّجوا أيضًا للمعنى الرواقي للاستمرار؛ ألا وهو الاعتقاد بأن العالم يرجح أن يستمر في الدروان عبر فصول من التفسّخ والإحياء، لا باستعجاله على الاندفاع في اتّجاه واحد نحو النهاية. وبينما تخيّلت الأحزاب الدينية أن نذُر أهداف معركة الأرمجدّون الفاصلة تتجمّع في السماء، شكك السياسيون في أن كل شيء سيهدأ عاجلًا أم آجلًا ويعود الناس إلى صوابهم. كانوا هم الوحيدون الذين يحولون منظورهم بشكل منهجي في الأزمنة الألفية، ويفكِّرون في زمن تصير فيه «المتاعب » تاريخًا ماضيًا، ويخطِّطون لكيفيّة بناء هذا العالم المستقبلي.

أدى الجانب الرواقي لمونتاني إلى تقليله من قيمة الحروب في كتاباته إلى حدٍّ مذهلٍ. استنبط كُتَّاب سيرته الذاتية الكثير دائمًا من خبرته مع الحرب، وكان لديهم سبب قويٌّ لهذا؛ إذ أثّرت الحرب بعمق في حياته. رأى بعض النقاد أن الحرب أساس جميع قراءات مونتاني، لكن بعد دراسة كتاب كهذا، قد تكون مفاجأة أن نرجع إلى كتاب المقالات ونجد مونتاني يقول أشياء مثل: «أنا مندهش من رؤية حروبنا لطيفة وبسيطة إلى هذا الحد»، و«سيكون كثيرًا لو أن الناس تذكّروا بعد مائة عام من الآن بشكل عام أن فرنسا كان فيها حرب أهلية في زمننا». ويقول إن من يعيشون في الحاضر يزعمون أن الأشياء أسوأ مما هي عليه، لأنهم لا يستطيعون الهرب من نظرتهم المحلية:

كل من يولي اعتبارًا للصّورة العظيمة لأمنا الطبيعة في كامل جلالها كما لو كانت في لوحة فنّية؛ كل من يقرأ هذا التنوّع الكوني والثابت في وجهها؛ كل من يجد نفسه هناك، وليس نفسه فقط، بل مملكة كاملة، كنقطة رسمتها فرشاة شديدة الدقة؛ هذا الإنسان وحده يقدِّر الأشياء وفقًا لخواصِّها الحقيقية.

ذكَّر مونتاني معاصريه بالدروس الرواقية القديمة: تجنَّب الشعور بأن أي موقف صعب يغرقك، حاول تخيّل عالمك من زوايا مختلفة أو على مستويات مختلفة من الأهمية. هذا هو ما فعله القدماء حين نظروا إلى متاعبهم من أعلى كما لو كانوا ينظرون إلى حركة مضطربة في مستعمرة نمل. يكتب مونتاني أن المنجمين يحذِّرون الآن من «تغيُّرات وتحولات هائلة ووشيكة»، لكنّهم ينسون حقيقة بسيطة، ألا وهي أنه مهما حدثت أمور سيئة، ستستمر الحياة في معظمها من دون اضطراب . وأضاف بمرح: «أنا لا أيأس منها.»

لا يمكن إنكار أن مونتاني كان محظوظًا . لقد دمَّرت الحروب محاصيله، وجعلته يخشى أن يُقتل في فراشه، وأرغمته على المشاركة في الأنشطة السياسية التي يفضِّل تجنّبها. بل سوف تورِّطه في متاعب أفدح في ثمانينيات القرن السادس عشر، حين دخلت الحرب مرحلتها الأخيرة وكثر الموت. لكن لا يمكن لأحد أن يزعم أن هذه الخبرات قد جرحته جروحًا خطيرة، ولو حدث أنه استعمل السلاح هو نفسه، لقال شيئًا عن ذلك في كتاب المقالات . باختصار، مرَّ مونتاني بخبرة جيدة مع الحرب. لكن هذا ما كان ليوقف معظم الناس عن الانخراط في الرثاء.

كان مونتاني على حق. استمرّت الحياة في أخذ مجراها. أخلت مذابح سان بارتيلوميو الرهيبة السبيل لسنوات من المعاناة الفردية الغامضة، لا إلى التبشير بنهاية العالم. لم يأتِ المسيح الدجَّال . وتتالت الأجيال حتى أتى زمن - كما توقّع مونتاني - لم يكن لدى الكثيرين من الناس فيه إلا فكرة غامضة عن أن بلاده شهدت حربًا على الإطلاق. حدث هذا جزئيًّا بفضل عمله وعمل زملائه السياسيين على استعادة الحالة العاقلة . أسهم مونتاني، الذي نزع إلى السّهولة والراحة، في إنقاذ بلده أكثر من معاصريه المتعصِّبين المتحمِّسين. كان بعض عمله سياسيًّا بشكل مباشر، لكن أعظم إسهاماته كان مجرد ابتعاده عن السياسة وتأليف كتاب المقالات . وجعله هذا بطلًا في أعين الكثيرين.

البطل:

إن من قبلوا مونتاني في هذا الدور وضعوه عادة في قالب بطل من النوع غير المعتاد؛ النوع الذي يقاوم جميع مزاعم البطولة. يجلّه القليلون لأعماله العامة العظيمة على الرغم من أنه أنجز بعض الأشياء الجديرة بالذكر في حياته في ما بعد. وكان أكثر سبب للإعجاب به إصراره العنيد على الحفاظ على الحالة العادية في ظروف استثنائية، ورفضه التنازل عن استقلاله.

يراه الكثيرون من المعاصرين في هذا الضوء؛ فقد أخبره المفكر السياسي الرواقي العظيم جاستوس ليبسيوس أن يستمرَّ في الكتابة لأن الناس بحاجة له كقدوة تُحتذى. وبعد زمن طويل من القرن السادس عشر، نسي الناس مونتاني الرواقي، واستمر القراء يفكِّرون فيه في أوقات المتاعب كقدوة تُحتَذى. قدّم كتابه المقالات حكمة عملية في مسائل مثل كيف يواجه الإنسان التخويف، وكيف يصالح بين المتطلبات المتعارضة للانفتاح والأمن. وقدَّم أيضًا شيئًا أكثر غموضًا، ألا وهو معنى كيف يمكن للإنسان أن ينجو من الكوارث العامة من دون أن يفقد احترامه . وبالضبط، كما يمكنك أن تطلب الرحمة من عدو بصراحة، من دون أن تفضح نفسك أو تدافع عن ممتلكاتك بأن تختار تركها بلا دفاع، يمكنك أيضًا أن تجتاز حربًا لا إنسانية بأن تظلَّ إنسانًا. قد تكون لهذه الرسالة لدى مونتاني جاذبية خاصّة لقراء القرن العشرين الذين عاشوا بعد انتهاء الحروب، والديكتاتوريات الفاشية، والشيوعية . في مثل هذه الأوقات، قد يبدو أن هيكل المجتمع المتمدِّن قد تداعى وأن لا شيء أبدًا سيعود مرّة أخرى كما كان . كان مونتاني في قمّة اطمئنانه حين أبدى أقلّ قدر من التعاطف مع هذا الشعور؛ حين ذكَّر القارئ بأن الحالة العادية تعود في نهاية المطاف، وتتغير وجهات النظر مرة أخرى.

من بين القراء الكثيرين الذين استجابوا لهذا الجانب من كتاب المقالات، واحد يمكن أن يمَثِّل الجميع؛ ألا وهو الكاتب اليهودي النمساوي ستيفان زفايج، الذي عاش في منفى إجباري في أمريكا الجنوبية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان يهدّئ نفسه ويبعدها عن المتاعب بكتابة مقالٍ شخصيٍّ طويلٍ عن مونتاني؛ بطله الخالي من البطولة . اعترف زفايج أن كتاب المقالات لم يؤثِّر فيه كثيرًا حين صادفه للمرة الأولى عندما كان شابًا يعيش في فيينا عند مطلع القرن . ووجده فاترًا أكثر من اللازم، مثلما وجده لامارتين وجورج صاند قبله، «تنقصه قفزة شرارة الكهرباء من روح إلى أخرى » ؛ فلم يرَ فيه أي علاقة بحياته. «أي جاذبية يمكن أن يجدها شاب في العشرين من عمره في الملحق ذي الأفكار المشتتة الذي كتبه السيد دي مونتاني بعنوان «مراسم إجراء الحوار مع الملوك»، أو في مقالة «اعتبارات عن شيشرون»؟ » حتى حين تحوَّل مونتاني إلى موضوعات كان يجب أن تكون أكثر جاذبية، مثل الجنس والسياسة، فإن «حكمته البسيطة المعتدلة » وشعوره بأن من الأحكم ألا يورّط الإنسان نفسه كثيرًا في العالم نفَّرا زفايج منه. «من طبيعة الشباب أنه لا يريد ان توجّه له نصائح بأن يكون بسيطًا أو شكّاكًا. كل شكٍّ يبدو له تقييدا». الشباب يتوقون للمعتقدات؛ يريدون ما يثيرهم.

كما كانت حرية الفرد تكاد لا تحتاج إلى دفاع في العام 1900. «ألم يصرْ كلُّ ذلك منذ زمن بعيد أمرًا واضحًا بذات نفسه، يضمنه القانون والعرف للإنسانية منذ تحرَّرت من الطغيان والرِّق؟». ولد زفايج في العام 1881 ، وكان جيله يزعم أن الرخاء والحرّية الشخصيّة سيستمرّان في النمو. لماذا ينبغي أن تتراجع الأشياء؟ لم يشعر أحد بأن الحضارة في خطر؛ لم يضطر أحد إلى التقوقع داخل ذاته للحفاظ على حريته الروحية. «بدت صلصلة مونتاني بالسلاسل التي اعتبرناها كُسرت منذ زمن بعيد أمرًا عقيمًا».

ستيفان زفايج، حوالى 1925. صورة فوتوغرافية بكاميرا ترود فليشمان . المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي . أمستردام.

أثبت التاريخ طبعًا أن جيل زفايج كان على خطأ . فبالضبط كما ترعرع مونتاني نفسه في عالم مليء بالأمل، فوجده يتفسَّخ، ولد زفايج أيضًا في أسعد البلدان والقرون حظًّا، ثم تداعى جميع هذا وتناثرت أنقاضه حوله. وأعيدت صناعة السلاسل، أقوى وأثقل مما كانت يومًا.

نجا زفايج من الحرب العالمية الأولى، لكن تبعها صعود هتلر. فرَّ زفايج من النمسا وأرغم على التنقُّل لسنوات باعتباره لاجئًا، أولًا في بريطانيا، ثم في الولايات المتحدة الأمريكية، وأخيرًا في البرازيل. جعله المنفى «لا حول له ولا قوة، مثل بزّاقة»، بتعبيره في سيرته الذاتية. شعر بأنه رجل مُدان، يقيم في زنزانته في انتظار تنفيذ الإعدام، وبأنه أقلّ قدرة دائمًا على التعامل مع عالم مضيفيه المحيط به. ظلّ محافظًا على قواه العقليّة بأن أغرق نفسه في العمل. أنتج في منفاه سيرة بلزاك الذاتية، وسلسلة من الروايات القصيرة (النوفيللا ) والقصص القصيرة، وسيرته الذاتية، وأخيرًا المقال الذي يتناول مونتاني؛ كلّ ذلك من دون مصادر ولا مذكّرات مضبوطة؛ حيث إنه كان منقطعًا عن ممتلكاته . لم يصل زفايج أبدًا إلى لا مبالاة مونتاني، لكن وضعه عندئذ كان أسوأ بكثير من وضع مونتاني:

لا أنتمي لأي مكان، وأنا غريب في كل مكان، ضيف في أفضل الأحوال. أوروبا، الوطن الذي اختاره قلبي، ضاعت بالنسبة لي؛ حيث إنها مزّقت نفسها إربًا بطريقة انتحارية للمرة الثانية في حربٍ شنَّها الأخ ضد أخيه. شهدت ضد إرادتي أسوأ هزيمة للعقل وأكثر انتصارات الوحشية شراسة في تاريخ العصور.

حين وصل زفايج إلى البرازيل في العام 1941 ، كان قد تعرّض عدة مرات لمحو أي معنى للوطن، وعلى الرغم من امتنانه للبلد على قبوله فيه، وجد صعوبة في الحفاظ على الأمل. وجد زفايج نسخةً من كتاب المقالات في المنزل الذي سكنه، فأعاد قراءته، واكتشف أنه تحوَّل بعيدًا عن كلّ ما يعرفه عنه. فالكتاب الذي بدا ذات مرّة مملًا ولا أهمية له يحدّثه الآن بشكل مباشر وبحميمية، كما لو كان قد كُتب له وحده، أو ربما لجميع أبناء جيله. فكَّر فورًا في الكتابة عن مونتاني. كتب في خطاب أرسله إلى صديق له : «إن تشابه عصره ووضعه بعصرنا ووضعنا مذهلٌ. أنا لا أكتب سيرة حياة؛ فأنا أقترح ببساطة أن أقدّم نضاله من أجل الحرية الداخلية مثالًا». وفي المقال نفسه، اعترف زفايج بأن: «في هذه الأخوية في القدَر، صار مونتاني بالنسبة لي المساعد، وكاتم السرِّ، والصديق الذي لا يمكن الاستغناء عنه.»

لم يكن مقاله عن مونتاني من نوع مقالات السيرة، بل كان مقالًا شخصيًّا جدًّا، يبرز أوجه التشابه بين خبرة مونتاني وخبرته هو من دون اعتذار. يكتب زفايج أنه في وقت مثل وقت الحرب العالمية الثانية، أو وقت الحرب الأهلية في فرنسا، يُضَحَّى بحياة الناس العاديين على مذبح وساوس المتعصِّبين، فالسؤال الذي يطرحه أيُّ شخصٍ نزيهٍ ليس من نوع «كيف أبقى على قيد الحياة؟ » ، بل «كيف أظلّ إنسانًا بالكامل؟». يأتي السؤال في تنويعات كثيرة: كيف أحافظ على نفسي الحقيقية؟ كيف أضمن ألا أتجاوز في كلامي أو تصرّفاتي ما أعتقد أنه صحيح؟ كيف أتجنّب فقدان روحي؟ وقبل كلّ شيء؛ كيف أظلّ حرًّا؟ يعترف زفايج بأن مونتاني لم يكن محاربًا من أجل الحرية بالمعنى المعتاد. «ليس لديه أي خطب طويلة ملتهبة تلفّ من مكان لآخر، ولا الحيوية الجميلة التي لشيللر أو لورد بايرون، ولا عدوانية فولتير». جعلته تأكيداته المستمرّة بأنه كسول، وضعيف، وغير متحمِّل للمسؤولية يبدو بطلًا ضعيفًا، لكن هذه ليست نقاط فشل حقيقية على الإطلاق. إنها ضرورية لمعركته ليحافظ على خصوصية نفسه كما هي.

كان زفايج يعرف أن مونتاني يكره الوعظ، لكنه تمكّن من استخراج سلسلة من القواعد العامّة من كتاب المقالات . لم يضع بها قائمة كما هي، بل أعاد صياغتها بطريقة تفرقها إلى ثماني وصايا منفصلة؛ يمكن أن تسمّى أيضًا الحريات الثماني:

  • تحرّر من الزهو والتكِبّر.
  • تحرّر من الإيمان، والكفر، والقناعات والأحزاب.
  • تحرّر من العادة.
  • تحرّر من الطموح والجشع.
  • تحرّر من العائلة ومما يحيط بك.
  • تحرّر من التعصّب.
  • تحرّر من القدر؛ وكن سيِّد حياتك.
  • تحرّر من الموت؛ فالحياة تعتمد على إرادة الآخرين، لكن الموت يعتمد على إرادتنا نحن.

اختار زفايج الجانب الرواقي جدًّا من مونتاني، فعاد بذلك إلى طريقة قراءة القرن السادس عشر له . وفي النهاية، كانت أكثر حريّة أخذها زفايج بجدية وتأثّر بها هي الحرية الأخيرة في القائمة، التي أتت مباشرة من سينيكا. وحيث إن زفايج أصيب بالاكتئاب، فقد اختار الشكل النهائي للهجرة الداخلية . لقد قتل نفسه بعقار الفيرونال في 23 فبراير 1942 ؛ واختارت زوجته أن تموت معه. عبَّر زفايج في رسالة الوداع التي كتبها عن عرفانه بالجميل للبرازيل، «هذا البلد الجميل» الذي أواه بكرم شديد، وخلص إلى ما يلي : «أحيي جميع أصدقائي ! أتمنّى أن ينعموا برؤية الفجر بعد الليل الطويل! أنا، لا صبر لديَّ أبدًا، سأذهب قبل ذلك.»

يبدو أن القيمة الحقيقية لمونتاني لا يمكن رؤيتها إلا عندما يُدفع المرء إلى قرب هذه النقطة المتطرِّفة؛ وهكذا رآها زفايج . يجب أن يصل المرء إلى حالة لا يكون لديه فيها أي شيء يدافع عنه إلا «أناه» العارية؛ مجرّد وجوده.

الشخص الذي عاش في زمنٍ هدّد حياته، وحرّيته الفرديّة - تلك المادّة الثمينة - بالحرب، والقوة، وأيديولوجيات الطغيان، هو فقط الذي يعرف كم يلزم من الشجاعة والأمانة والإصرار للحفاظ على الذّات الداخليّة في مثل هذا الزمن الذي يسوده جنون القطيع.

وربما قد يتّفق مع قول ليونارد وولف أن رؤية مونتاني للـ«أنوات» المترابطة هي جوهر الحضارة. إنها الأساس الذي يمكن بناء مستقبل عليه ما إن ينتهي الرعب وتضع الحرب أوزارها؛ لكن زفايج لم يستطع الانتظار كل هذا الوقت الطويل.

هل لرؤية مونتاني للنزاهة الشخصية والأمل السياسي الحجّة الأخلاقية نفسها اليوم؟ البعض يعتقدون ذلك بالتأكيد . أُلِّفَت كتبٌ تروِّج لمونتاني باعتباره بطلًا للقرن الحادي والعشرين؛ إذ يذهب الصحافي الفرنسي جوزيف ماسيه - سكارون بشكل خاص إلى أنه يجب قبول مونتاني باعتباره ترياقًا للحروب الدينية الجديدة، وقد يشعر آخرون بأن آخر ما يلزمنا اليوم شخص يشجِّعنا على الاسترخاء والانسحاب إلى عالمنا الخاص. الناس يقضون وقتا كافيا في عزلة إذا جاز لنا القول، على حساب المسؤوليات المدنيّة.

أما من يعتبرون مونتاني بطلًا، أو رفيقًا مساندًا، فسيذهبون إلى أنه لم يدْعُ إلى مدخل للواجب الاجتماعي شعاره «افعل ما تريده»؛ بل اعتقد بأن الحلّ بالنسبة لعالم متفسِّخ أن يعيد كل شخص رأب صدع نفسه ليتعلّم «كيف تُعاش الحياة»، بدءًا بفنِّ الحفاظ على استمرار مسِّ قدميك للأرض. قد تجد لدى مونتاني حقًّا رسالة تدعو للامتناع عن النشاط، والكسل، والتحلل من الارتباطات، ويرجَّح أن تجد أيضًا تبريرًا لعدم عمل أي شيء حين يسود الطغيان، بدلًا من مقاومته. لكن الكثير من المقطوعات في كتاب المقالات تبدو أنها تقترح أن ينشغل المرء بالمستقبل؛ وأنك ينبغي على وجه الخصوص ألّا تدير ظهرك للعالم التاريخي الحقيقي لكي تحلم بالفردوس والتسامي الديني. يقدم مونتاني كلَّ التشجيع اللازم لأي شخص ليحترم الآخرين، ويمتنع عن القتل بحجة إرضاء الإله، ويقاوم الدافع الملحِّ الذي يجعل الناس يدمِّرون ما حولهم دوريًّا و«يعيدون الحياة إلى نقطة بدايتها ». وقد أخبر فلوبير أصدقاءه بما يلي: «اقرأ مونتاني... سيهدّئك .» لكنه أضاف أيضًا: «اقرأه كي تعيش».

إظهار التعليقات