عذراً يا رفاق، ليس هناك خريطة ولكن ربما هناك بوصلة

وأخيراً، يبدو أن العودة للحياة العامة ستنطلق غداً بحسب القرارات الرسمية. عودة مع التشديد على ضرورة التزام الناس بالتوجيهات الرسمية المعلنة بخصوص التعاملات في الفضاء العام. نقترب من مرور حوالي 4 شهور منذ بداية صدور أول القرارات ذات العلاقة بهذه الجائحة العابرة للقارات والدول والمجتمعات. فكيف سيكون شكل مستقبل ما بعد كورونا؟ هل سيختلف بشكل جذري كما يقول البعض؟ أم بشكل ثانوي وتعود الحياة تدريجياً كما كانت؟

المؤكد عندي بدون أدنى شك، هو أنه لا أحد يعلم حقيقةً حجم التغيير الذي سيطال الشكل العام للمجتمع في نواحيه المختلفة وبالذات مجال الأعمال والتجارة والاقتصاد. ما نمر به يمكن وصفه بالاضطراب Disruption في أسلوب الحياة البشرية. ربما يظهر علاج فعّال ينقذ حياة الذين سيصابون بكورونا، ولكن ظهور العلاج لن يحد من الآثار الناجمة عن الشهور الأربعة الماضية والتجربة التي مرّ ولازال يمر بها سكان كوكب الأرض.

صحيح أنه ظهرت أصوات في السنوات الماضية تحذّر من ظهور جائحة وبائية في المستقبل أو أكثر، وبعض هذه الأصوات هي لأشخاص مؤثرين ومعروفين على المستوى العالمي مثل بيل جيتس وغيره. ولكن يبقى أن حصول الجائحة كواقع ملموس هو مفاجأة كبرى لمعظم البشرية، وهذه المفاجأة إذا كانت ضخمة مثلما حصل، ستتسبب في حصول الاضطراب Disruption في الجوانب الحياتية التي تطالها. يقول فلاديمير لينين:

"هناك عقود من الزمن لا يحدث فيها شيء، بينما هناك أسابيع تحدث فيها عقود".

والاضطرابات الضخمة على المستوى العالمي تحصل بشكل نادر كل مئات السنين، وهي نتائج جوائح وبائية أو حروب عالمية ضخمة، وفي الغالب لا يمكن التخطيط لها مسبقاً. وحتى لو كان هناك خطط مسبقة على الورق، فإن تفعيلها بنجاح وقت حدوثها سيكون فاشلاً لأنه بحصول الاضطراب الضخم سيكون العالم دخل في جو من التغييرات الديناميكية شديدة التقلّب، بحيث بمجرد البدء في تنفيذ خطة ما يحدث تقلبات جديدة تجعل الخطة عديمة الجدوى، ثم يتم وضع خطة جديدة وبمجرد البدء في تنفيذها تحصل تحولات جديدة تفشلها، وهكذا الحال حتى تهدأ موجة الاضطراب الكبرى وآثارها وتتوقف.

الحسم بشكل واقع الحياة وكيف ستكون مع العودة التدريجية هو تحليل فيه سذاجة كبيرة. فنحن لازلنا في بداية مرحلة الاضطراب ولسنا في نهايتها، حصول الجائحة هو بداية الاضطراب، والنتائج ستتوالى على جوانب مختلفة تؤثر على بعضها البعض بشكل تدريجي وتصاعدي حتى تهدأ الأمور بعد زمن لا يعلمه إلا الله.

مع العودة، يجب على المرء أن يلتزم بالتوجيهات الرسمية حتى لا يصاب بالكورونا ولا يصيب غيره.
وعليه برأيي أن يوسّع صدره، ويتواضع ولا يضع توقعات وآمال ممكن تصدمه. يعتبر أنه تم إركابه مرغماً في لعبة الملاهي الأفعوانية وهو مغمض العينين. نحن في مرحلة تغيرات واضطراب ضخم يصعب جداً الحكم على حجم التغييرات التي ستحدث نتيجة عنه، من الجيد توقع الأسوأ حتى لا يصاب المرء بالصدمة إذا لامسته الخسائر.
فلنتقبل حقيقة أنه لا أحد يعلم ماذا سيحصل بعد اليوم لفترة طويلة. ليس هناك خارطة طريق واقعية في ظل الاضطرابات الكبرى. ربما هناك بوصلة ولكن ليس هناك خريطة، فالخرائط ثابتة والعالم في مرحلة اضطراب سريع وشديد التقلب.
هذه اللعبة الأفعوانية التي وجدنا أنفسنا فيها مرغمين ومغمضي الأعين، سنشعر فيها مرة بالصعود ومرة بالهبوط، مرة بسرعة هائلة ومرة ببطء شديد، عندما نتوقع أنها على وشك التوقف نجدها وقد أسرعت، وعندما تسرع نجدها فجأة تتباطئ، نشعر بتقلبات قادمة ولكن لا نعرف متى وأين ستضرب، لا نعرف لأننا لا نرى، ولا نرى لأننا مغمضي الأعين.
في النهاية ليس لدينا شك بأن رحلة التقلبات هذه ستتوقف، وأن هذه الأيام ستمضي، وهذا شعور جيد. ولكن حتى تتوقف، ليس هناك شيء كبير يمكننا فعله على المستوى الفردي لإيقافها، فالاضطرابات الكبرى وديناميكية حركتها أكبر من قدرات أي أفراد أو جماعات أو حكومات ودول.

إظهار التعليقات