تخطى الى المحتوى

لا تبحث عن شغفك، لأنّه سيجدك إذا أردت، التجارب تأتي أولاً

فؤاد الفرحان
فؤاد الفرحان
لا تبحث عن شغفك، لأنّه سيجدك إذا أردت، التجارب تأتي أولاً

الشغف هو نتيجة وليس هدفاً نسعى له بذاته. هو شعور ناتج عن سلسلة تجارب مكثّفة نخوضها في مجال ما، شعور يولد ويستمر معنا بعدما اكتشفنا بعد التجربة أننا رائعين في عمل ما ونحبّه، شعور يملؤنا بالثقة بحيث نتخيل أنفسنا كأشخاص متميزين وماهرين مستقبلاً في مجال تجربتنا، ومن الممكن أن نتطور فيه ويقودنا لأماكن أكثر إشراقاً في المستقبل.

هذا يعني أن التجربة تأتي أولاً، لا يمكنك مثلاً أن تقول بأن الكتابة شغفك إذا لم تكتب. ما دمت أنك لم تقدم وتجرّب فكيف تكتشف شغفك؟ لا يمكنك ذلك.

عندما نصحو من النوم، لا نسأل أنفسنا: يا ترى ما هو شغفنا؟ ولكن ربما نتسائل إذا كان مجال عملنا الذي نتجه له هذا الصباح هو مكان نحب أن نكون فيه، ويمكن لنا أن نتميز من خلاله ونكتشف ذواتنا وقدراتنا، بحيث يصبح مجال عملنا هو شغفنا؟

لا نخوض تجربة في مجال ما لكي نعرف إذا كنا شغوفين به، ولكن نخوضها لأجل أن نعرف إذا كنا جيدين فيه أم لا! نخوض تجربة ما لكي نتأكد إذا كنّا نملك المهارات الأولية فيها، ونتأكد كذلك مما يتطلّبه هذا المجال من متطلّبات، و إذا كنّا مستعدين للبذل والتعلّم والصبر لكي نتملّك مزيداً من المهارات التي تجعلنا نبرز ونتميز فيه. تركيزنا يجب أن يتمحور حول اكتشافنا قدراتنا وما نحب وفي أي مجال، وليس البحث عن شغفنا. الشغف هو نتيجة كل ذلك.

شغفك كمنتج يختلف عن شغفك كمستهلك. الهوس مثلاً بكرة القدم ومعرفة أدق تفاصيلها ومتابعة أحداثها وحياة اللاعبين هو نوع من الشغف كمتلقي. كل ذلك الشغف والعشق والحب والمعرفة لا يمكن أن تحولك للاعب ماهر في كرة القدم، ستبقى دائماً متلقياً ومستهلكاً بشغف. لا بأس بذلك، ولكن أنت مثل مئات الملايين الذين يشاركونك ذلك الاهتمام، لا شيء يميز بينك وبينهم مهما طال الزمن.
لو شاهدت كل أفلام السينما العالمية وعرفت أدق تفاصيلها وتفاصيل حياة الممثلين والمشاهير، لن يجعلك ذلك أفضل من ممثل ناشئ في هذا المجال، ولن يعني ذلك بأن تستطيع تمثيل مشهد واحد بشكل مقبول.
شغفك بالقراءة وحبك لها واطلاعك على آلاف الكتب لا يعني أكثر من أنك قارئ جيد ربما، ولا يعني بأنك تستطع تأليف كتاب واحد إذا لم تجرّب وتكتشف.

الذي يميزنا عن الآخرين هو شغفنا كمنتجين وليس كمستهلكين ومتابعين. الشعور الذي يملؤنا بالرضا تجاه أنفسنا هو شعورنا بالشغف كمنتجين وليس كمستهلكين. يمكننا أن نكون شغوفين كمنتجين في مجال معين، وشغوفين كمستهلكين في مجالات متعددة في نفس الوقت، لا تعارض هنا.

التجربة الحقيقية التي يتولّد عنها اكتشافنا شغفنا من عدمه في مجال ما تحتاج بعض الوقت والعزيمة، تحتاج منا إعطاء التجربة حقها والإخلاص في أداءها. كم هو الوقت المطلوب لنعرف؟ سنعرف ذلك بعدما نعطي التجربة حقها من الجهد والإصرار والوقت بدون أن نخادع أنفسنا.وإذا حصل أن تجربتنا فشلت بعدما أعطيناها حقها، ولم يتولّد شغفنا في مجال تجربتنا، عندها يمكننا أن نغادر ذلك المجال بدون أن نشعر بالندم، لأننا أدينا ما علينا وأعطينا التجربة حقها ولكن لم نجد أنفسنا فيها.

حتى لو تملّكنا الشغف بمجال ما، هناك احتمال كبير ووارد أن يغادرنا بعد فترة من الزمن لأسباب مختلفة؛ العمر، المرحلة، الظروف الخارجية، تغيّر أولوياتنا، إلخ.. إذا كان الإيمان بالله عزّ وجلّ يزيد وينقص كما نعرف، فماذا عن الإيمان والشغف بمجال وعمل ما؟ من الطبيعي أن يزيد وينقص وربما يتلاشى، لا بأس في ذلك، ولا نحتاج أن نقسو على أنفسنا إذا غادرنا ونصرّ على توليده مجدداً. ربما هي فرصة لاكتشاف أنفسنا في مجال جديد وتجارب جديدة، يتولّد عنها شغفاً جديداً.

يوميات

فؤاد الفرحان

مؤسس في رواق و رسال و GetMuv. مهتم بعالم الشركات الناشئة وعالم الكتب. تجدني في تويتر..