عن الرحلة الأسبوعية لمدينة تسعة أعشار الرزق

هنا الآن مجدداً، التاسعة مساءً في مقعد طائرة الرحلة الأسبوعية عائداً إلى جدة من الرياض. للتو تلقيت حصتي المعتادة من نظرات التوبيخ الحادة التي تمارسها المضيفة لأنني لم أقم بإغلاق اللابتوب ونحن على وشك الإقلاع. لازالت شركات الطيران تعاملنا نحن المسافرين كأطفال من باب الترفيه على طواقم الرحلات الذين يستمتعون بالتذاكي وفرد عضلاتهم وتوبيخنا عند أول فرصة.

كلما أرى كيف يتصرفن المضيفات مع ركّاب الطائرة، أشعر أنّهن مدرسات في روضة ونحن أطفال مهما كبرنا. هذه تطلب بحزم من راكب ربط الحزام، وتلك تطلب من آخر إغلاق الجوال مع نظرة استهجان، وثالثة تطلب من مسافر إعادة تقويم المقعد. يردن هؤلاء الساديات ومعهن سائق الباص الجوي ومساعده إقناعنا أن استخدام لابتوب أو جوال أو مقعد ظهر منحني فيه تهديد ميكانيكي وإلكتروني لوحش صناعي يزن الأطنان يخترق السحب والفضاء بسرعة فلكية. أما مسرحية تعليمات التصرف مع الأدوات المخبأة تحت المقعد في حال سقوط الطائرة فقد حان وقت إسدال الستار عليها. المدهش أنني أجد نفسي أركز في الممثلة (المضيفة) باهتمام كل مرة وهي تقدم العرض.

رحلتي الأسبوعية بين جدة والرياض والعودة في نفس اليوم تجعلني أنتمي لفئة فريدة ظهرت بين أصحاب الأعمال في جدة. قبل حوالي عقد من الزمن، ظهر جلياً أن الرياض بالإضافة لكونها عاصمة القرار العربي، ستصبح عاصمة قرار الاقتصاد المحلّي والعربي وفرص الأعمال الكبرى. مع الوقت والسنوات الماضية، ترسّخت هذه الحقيقة، وبالذات بعد إعلان رؤية 2030 حيث أصبح كل شيء تقريباً قراره في الرياض.

إذا كنت مدير شركة أو رجل أعمال، ولنشاطك علاقة بالجهات الحكومية و/أو كبريات الشركات فهذا يعني ضرورة أن يكون لك تواجد دائم في الرياض لأجل الاجتماعات وبناء العلاقات وتسريع العمل. لتوسيع النشاط وضمان عمليته ستجد نفسك أمام ضرورة اتخاذ قرار حول: نقل شركتك وفريق العمل إلى الرياض، أو فتح مكتب وانتقالك له مع فريق تطوير الأعمال على الأقل، أو البقاء في مدينتك ولكن تعويد نفسك وفريقك على السفر مرة أو مرتين كل أسبوع. في كل رحلة يغادر أفراد هذه الفئة منازلهم فجراً إلى المطار، ويعودون آخر الليل. تعب وإرهاق بالفعل، ضريبة عدم اتخاذهم قرار بالانتقال بشكل تام إلى الرياض.

يمر عليك في رحلات الفجر -سواءً في انتظار صالة المطار أو باص المغادرة أو الطائرة- وجوه تعودت على مشاهدتها أسبوعياً. أشخاص يعلو ملامحهم شيء من الحماس والاستعداد لاجتماعات يأملون بالخروج منها بقرارات وربما صفقات. في باص المطار يقف بالتشخيص واللباس الرسمي، كوب ستاربكس في اليمين، شنطة اللابتوب على الكتف الأيسر، وابتسامة تفاؤل على وجهه تقول: أنا قادم يا رياض!
أمّا في رحلة العودة آخر الليل بنفس اليوم، فتصادف نفس الوجوه ولكن يعلوها الإرهاق والتعب بسبب يوم اجتماعات وتنقلات طويل. حتى وإن كانت الاجتماعات جيدة وحقق فيها أحدنا المطلوب، يبقى هناك تعب واضح من أثر طول اليوم وأحداثه.
أما إذا جرت أحداث ولقاءات اليوم في اتجاه محبط، فلا تود حقيقة أن تنظر لهيئة وملامح أحدنا وهو في كرسي طائرة العودة أو في باص مطار جدة السعيد.

ينتقل الإنسان من مدينة لأخرى لأربعة أسباب: لأنه أُخرِج منها قهراً، أو لأنه وجد رزقه في مدينة أخرى، أو لأن نفسه ضاقت بدياره، أو مرافقةً لمن يحب.  
تنامي فرص الأعمال في الرياض يتزايد يوماً بعد يوم بشكل يجعل المقارنة مع جدة غير عادلة، ولكن لازلت أشعر أن رحلات تسعة أعشار الرزق هذه مع تعبها أفضل من قرار مغادرتي جدة.  
أحب الرياض، أحب مدن بلادي، وأحب جدة، ولكن أحب الأخيرة أكثر من باقي مدن العالم، وتعليل الحب يا رفاق هو تقزيم له..

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.