فؤاد الفرحان's Picture

فؤاد الفرحان

شريك مؤسس رواق، مهتم بريادة الأعمال والشركات الناشئة والقراءة..

جدة، السعودية

27 تدوينة

لست وحدك.. عن الخوف من الوحدة فلنتكلم..

ومنكم من يسعى إلى من يثرثرون؛ خشية الخلو إلى نفسه؛ لأن سكون الوحدة يكشف لأعينهم خفايا ذواتهم العارية فيفرون منها
- جبران خليل جبران

عزيزي الكريم، وصلت مصارحتكم مع بالغ الشكر على كرمكم الذي كاد أن يكون فائضاً لولا أنك سألتني عنها، عن الوحدة أقصد.. أما وقد سألتني عنها..

برأيي هي أعظم ما عرفه الإنسان من الأحوال. لا الحب ولا الكره ولا باقي الحالات والمشاعر التي تتلبس المرء ويتلبسها بإمكانها أن توصله وتشده بأعماقه وروحه مثلما تفعل الوحدة به.

يسميها البعض بالوحدة، والبعض بالعزلة، وآخرون يسمونها الخلوة، يحب المتفذلكون التفريق بين تلك المسميات مؤكدين أنها حالات مختلفة، يضعون لها أوصاف وأسماء مختلفة حتى يخففوا من وطأتها على أنفسهم، ولكنها تكاد تكون نفس الشيء، هي تلك الحال التي وجدنا أنفسنا فيها يوماً، نشعر فيها بالنفور من كل شيء وكل أحد حتى ذواتنا. بعضنا ربما لازال فيها، وبعضنا لم يكتوِ بلهيبها بعد، وبعضنا -مثلي- يخرج ويعود لها منذ عرف نفسه حتى تآلف وتصالح معها.

كل من جربها كاد أن يخرج بوصف خاص به لها، يراها البعض الحال التي "يكون فيها المرء في مكان وكل من يحب في مكان آخر، وعليه أن يُحاول العبور لهم في كل مرة يحدثهم"[1]. ويعتبرها آخرون "العمق الأخير للشرط الإنساني. فالإنسان، هو الكائن الوحيد الذي يشعر بالوحدة والذي يبحث عن الآخر"[2]. ويصفها جبران بأنها "عاصفة ساكنة تحطم أغصاننا الميتة."[3]
يرى شوبنهاور بفوقية أنها "مصير كل الأرواح العظيمة"[4]، ولكن الحقيقة أن أي شخص كان ممكن أن يقع في براثنها إذا ما تكالبت بعض العوامل عليه.

يولد المرء ويكبر ويعيش ضمن دوائر مختلفة تحيط به ويتفاعل معها؛ العائلة، الأصدقاء، العمل، المجتمع،.. ويتناسى أهم عنصر يتفاعل معه ويؤثر عليه وهو ذاته. مصدر سعادة وشقاء المرء هي روحه التي يتجاهل مصارحتها ومواجهتها بشكل مستمر في خضم انشغاله بالتفاعل مع باقي الدوائر في هذه الحياة.
يظل المرء هارباً من روحه حتى يصطدم بموقف/حدث/ظرف في أحد تلك الدوائر، فيجد نفسه فجأة في حال غريبة من الارتباك والذهول والصمت. تختلف العوامل الحاسمة المؤدية لسقوط المرء فيها، يهزه طلاق، أو فقدان حبيب، أو خسارة تجارة، أو انتكاسة أمل.. أحياناً يكون السقوط بتدرج وأحياناً حدث حاسم يهز المرء ويقذف به فيها.
يدخل في حالة من الوحدة، فيجد هناك روحه -التي لطالما أهملها- تنتظره حاملةً ابتسامة لا يمكن تفسيرها إذا كانت ابتسامة شماتة وسخرية بما حصل له، أم هي ابتسامة تعاطف وترحيب بأنه حان الوقت للجلوس معها ومصارحتها.

الإنسان الطبيعي يخاف الوحدة. هناك من يرى أن الإنسان يمكنه أن "يتحمل العطش أسبوعا، والجوع أسبوعين، بإمكانه أن يقضى سنوات دون سقف، لكنه لا يستطيع تحمل الوحدة، إنها أسوأ أنواع التعذيب، وهي أسوأ معاناة"[5]، وهناك من يرى أن الإنسان "مهما كان قويًا، لا يعادل ذبابة اذا كان وحيدًا"[6]، وهناك من يلعنها لأنها تجعلنا نحتاج "ليد تربّت على كتفنا، وحضن يأوى تشردنا، وصوت يعوّض تلعثمنا، وانسان نتوهم أنه سيفتقدنا"[7].
يصفها منيف بأنها تلك الأيام التي "لا يستطيع الإنسان أن يفعل فيها شيئا، لا يستطيع البكاء، لا يستطيع القراءة، وحتى الصراخ يصبح صعبا"[8].

تخيل أن يُقذف بك في غرفة ضيقة، ثم تنزع منك حواسك الخمسة، لا ترى ولا تسمع ولا تشم ولا تلمس شيء، ترغب أن تصرخ وتنطق ولكن الكلمات لا تخرج من فمك. كل ما لديك هي ذاكرتك، وعليك أن تتعامل وتتفاهم معها حتى تستطيع الخروج من تلك الزنزانة الانفرادية، وتعيد تشكيل العالم من جديد.
الإنسان كائن جبان، يظهر كأنه يقدر على مجابهة كل شيء وأي شيء، يخوض البحار ويطير في السماء، يشعل الحروب ويقاتل في المعارك، يخطب على المنابر، ويؤلف الكتب عن الشجاعة، ولكنه يفضل كل شيء وأي شيء على الجلوس مع روحه بإنفراد ثلاثة أيام في غرفة منعزلة.

نخافها لأننا نخاف المواجهة والمكاشفة مع أرواحنا. سكون الوحدة يكشف لأعيننا خفايا ذواتنا العارية فنفر منها، كما يقول جبران[9].
نخاف أن نعترف بأننا أضعف مما نبدو للآخرين، وأننا في أعماقنا لا نقل تشاؤماً عنهم، وأننا لسنا مؤمنين بحق بما نطرح من أجوبة، وأننا أكثر حيرةً مما يظنون، وأننا نعمل ما نعمل غير مقتنعين بأثر عملنا. شعور مرعب من الخوف من المستقبل يتملكنا، كل جميل من حولنا يبدو باهتاً، كل أمل يلوح لنا يبدو ساذجاً، كل فعل بيدنا يبدو ثقيلاً، النهار ضجيج متصل، والليل هدوء قاتل.. صمت رهيب يتملكنا.

الوحدة مؤلمة بحق، وقد قال عنها الطنطاوي "ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوحدة. كنت أشعر - كلما انفردت - بفراغ هائل في نفسي، وأحس بأنها غريبة عني ثقيلة علي لا أطيق الانفراد بها، فإذا انفردت بها أحسست أن بيني وبين الحياة صحارى قاحلة وبيداً ما لها من آخر، بل كنت أرى العالم في كثير من الأحيان وحشاً فاغراً فاه لابتلاعي، فأحاول الفرار، ولكن أين المفر من نفسي التي بين جنبي ودنياي التي أعيش فيها؟"[10]

أحياناً تكون الوحدة فترة هدوء وانعزال لطيفة إذا كانت قصيرة ولم ندخلها بسبب ضغوط الحياة ولكن بإرادتنا، ولكن مهما كانت مغرية للبعض في بعض الفترات، فالحقيقة أنه لا يستلذ بطول الوحدة شخص طبيعي. من يجد بهجته في الوحدة فهو وحش بري أو آله كما يقول فرانسيس بيكون[11].

يرى نجيب محفوظ أن الوحدة "في رفقة الكبرياء ليست وحدة"[12]، ولكن هل ذلك صحيح؟ ويحاول جبران التخفيف من وطأتها بقوله أنها "مملة ولكنها أكثر إنصافًا من ضجيج يمتلئ نفاقًا"[13]. ويقول نيشته أن فائدتها تكمن بأنها "لا تزرع شيئا: إنها تجعل الأشياء ناضجة"[14].

يولد المرء وحيداً، لا يشعر أحد بآثار مرضه مثل ذاته، ولا بعمق خوفه في لحظات الخوف مثل ذاته، ولا بعمق فرحه لحظات فرحه مثل ذاته، ولا بعمق ألمه مثله، ولا بعمق حزنه مثله، ولا بسكرات موته لحظة موته مثله. يلاطفنا الآخرون قائلين بأنهم يشعرون بما نشعر به ويشاركوننا تلك المشاعر والحالات، ولكن الحقيقة أن لا أحد يشعر بدقة وعمق ما يشعر به المرء إلا هو، فلماذا نهرب من صداقة أرواحنا معظم الوقت ما دام أنها أصدق من يفهمنا؟

الوحدة إما أن تكسر المرء وروحه، أو تجعله يخرج منها كشخص جديد يرى ذاته ومن حوله والحياة بمنظور جديد. مواجهته لروحه بصدق وشجاعة تجعله يراجع ماضيه، قراراته، علاقاته وصداقاته، مسيرته، فشله ونجاحاته، قناعاته ومبادئه ومرتكزاته. تجعله يتصالح مع نقاط ضعفه وقوته، يحدد بالضبط أين ومتى أخطأ ولماذا، وأين ومتى أفلح ولماذا. ثم يقرر ماذا ينوي أن يفعل بحياته.
ولكن حتى يستفيد المرء من وحدته ويتجاوزها، عليه أن يضع قواعد للعب معها، منها مثلاً:

  • أن يعترف لذاته بدون كِبر أنه في حال من الوحدة، وأنه ليس على ما يرام.
  • أن يؤمن بأنها مسألة وقت وسيخرج منها بدون شك، ولكن ليس عنده مانع من إعطائها وقتها وحقها في المواجهة.

خروج المرء بنجاح من تجربة الوحدة الموحشة، ستجعله برأيي يتآلف معها، بحيث لو وقع فيها مجدداً سيعرف كيف يتعامل معها ثم يخرج منها. وهذا ما حصل معي بحيث استطعت اكتساب خبرة التعامل والتآلف معها بشكل لا يمنعني عن الإقبال على الحياة والتفاعل معها بشكل إيجابي.

يذكر الشاعر الصوفي السنائي أن أحد الملوك جمع الحكماء والشعراء، وطلب منهم ابتكار عبارة ينقشها على خاتمه، بحيث إذا قرأها وهو حزين فرح، وبعد تفكير عادوا له بعبارة "وهذا الوقت سوف يمضي".
غرّد الأديب عابد خزندار رحمه الله قبل وفاته: "اليوم وقد قاربت الثمانين وجدت بعد أن مرت عليّ أحلك الظروف أنّ كل مشكلة لها حل ، فلا تقلق"[15].
فعلى المرء وهو في وحدته أن يزرع داخله يقيناً راسخاً بأن هذه الأيام ستمر أيضاً، وستمضي إذا عرف أن يتعامل معها بصدق وهدوء، وبالطبع مستعيناً بعون الله "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

هذا ما لدي عن الوحدة يا عزيزي، أبعدها الله عنك وعن من تحب، دمت بود..


  1. عزالدين شكري فشير، عناق عند جسر بروكلين  ↩
  2. أوكتافيو باث، متاهة العزلة  ↩
  3. جبران خليل جبران، الرمل والزبد  ↩
  4. آرثر شوبنهاور  ↩
  5. باولو كويلو، إحدى عشرة دقيقة  ↩
  6. عبدالرحمن منيف، شرق المتوسط  ↩
  7. محمد حامد، بورتريه الوحدة  ↩
  8. عبد الرحمن منيف، شرق المتوسط  ↩
  9. جبران خليل جبران، النبي  ↩
  10. علي الطنطاوي، من حديث النفس  ↩
  11. فرانسيس بيكون، كتاب المقالات  ↩
  12. نجيب محفوظ، الفجر الكاذب  ↩
  13. جبران خليل جبران  ↩
  14. فريدريك نيتشه، ديوان نيتشه  ↩
  15. عابد خزندار  ↩

حول حقك أن لا تعيش نصف حياة..

"أنت إنسان
وُجدت كى تعيش الحياة .. وليس كى تعيش نصف حياة
ليست حقيقة الإنسان بما يُظهره لك
بل بما لا يستطيع أن يظهره
لذلك
إذا أردت أن تعرفه
فلا تصغى إلى ما يقوله ... بل إلى ما لا يقوله"
- جبران خليل جبران

بعد مضي بعض العمر وكثير من التجارب، اكتشفت أن الأمور التي أؤمن بصحتها ومتيقن منها لا يكاد يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة. ما عدا ذلك هي قناعات شخصية أشعر بارتياح تجاهها لا أكثر. لست مستعد أن أدافع عنها أو أبشّر بها، ليست نصائح بقدر ما هي قناعات ذاتية تحتمل الصحة..

عن الصحة

  • كل شيء قابل للتعويض ما عدا الصحة. من يفشل في تجربة حب ربما سينغمس في غيرها. من يفشل في مشروع تجاري ربما سيصنع قصة نجاح أخرى. من لم يكمل دراسته ربما يوفق في مسيرة مهنية تعوضه. كل شيء يمكن تعويضه ما دامت صحة المرء تساعده. ولكن كيف تعوض أي شيء إذا خسرت صحتك؟ متى آخر مرة رحت النادي؟
  • لا شيء يدمر الصحة كالسكريات، هي مخدرات وربما أسوء.
  • أرى النظام الكيتوني هو الخلاص.
  • دور الرياضة تحريك الدورة الدموية، امداد الجسد بالنشاط، وجعل المرء في حالة نفسية جيدة.
  • ليس من العقل أن يكون دور الرياضة هو تخسيس الوزن، ذلك دور تبني نظام غذائي صحي.

عن الدراسة

  • مستوى مجهودك واجتهادك في المدرسة/الجامعة سيؤثر حتماً على مستقبلك المهني.
  • الحالات التي نسمع عنها لأشخاص نجحوا بامتياز ولم يحالفهم الحظ بوظيفة ومسار مهني مناسب لهم هي قصص نادرة، ولذلك نسمع عنها.
  • الحالات التي نسمع عنها لأشخاص لم يكملوا دراستهم ولكن نجحوا بتفوق في الحياة العملية وكونوا ثروات هي حالات وقصص نادرة ولذلك نسمع عنها.
  • الأصل والمنطق يقول أن المتفوق في دراسته سيجد مكانه المهني المناسب، والاستثناء هي القصص التي نسمعها في الحالتين. لا تجعل القصص الاستثنائية تخدعك.

عن القراءة والجدل

  • العقل الصغير يشوه كل جميل.
  • تعريض العقل للنقاشات الفارغة والجدل البيزنطي يؤثر فيه مع الوقت، يقود صاحبه إلى الطرح والتفكير الضحل بدون أن يشعر.
  • أفضل طريقة لتجميل العقل هو بالقراءة، ثم بالإنصات والتفكّر، وبعدها النقاشات العقلانية.
  • القراءة المبكرة وبكثافة، وإدمان الكتب لتوسيع الاطلاع هي استثمارات استراتيجية بعيدة المدى.
  • بقدر ما تمنح الكتب من وقتك، بقدر ما ستكافئك يوماً.
  • عندما تسمعهم يقولوا عن شخص بأنه "سابق زمانه"، فاعلم أنه قرأ مبكراً والآن يستفيد من مخزونه الثقافي والفكري في تحليل الأمور واستقراء المستقبل.

عن العمل ومجالات الاهتمام

  • من الطبيعي أن تعمل في مجال مهني ما، وتجد أن لديك اهتمامات في مجالات أخرى.
  • ليس من الضرورة أن تترك مجال رزق تتملك مهاراته، وتنتقل لمجال آخر تعتقد أنك ستجد شغفك فيه، ولكن لم تتملك مهاراته بعد.
  • بإمكانك محاولة الموازنة بقدر ما تستطيع بين مجالات رزقك ومجالات شغفك بشكل يجعل حياتك ممتعة.
  • إذا حسمت أمرك وقررت اتباع شغفك فلا تتباكى وتشعر بالصدمة إن وجدته ليس بذلك العالم الوردي كما كنت تتوقع. كن مستوعباً للمخاطرة قبل الاقدام عليها.
  • بكل الأحوال، أرى أنه من الظلم أن تولد وتعيش وتموت وأنت لم تعرف أو تهتم إلا بمجال واحد في هذه الحياة المذهلة.
  • لا تحتاج إلى منصب ومسمى وظيفي برّاق حتى تكون قائد.
  • دائماً اجعل رهانك على المدى البعيد، الطرق المختصرة نادراً تنجح إذا كانت أخلاقية.
  • الوقت الذي تقضيه بحثاً عن طرق مختصرة في الحياة هو وقت ضائع. قصص النجاح السريعة الحقيقية هي حالات استثنائية لا يبنى عليها، بل هي قصص تؤكد القاعدة الراسخة التي تقول بأن الوقت والانضباط والاجتهاد المتواصل مع بعض التوفيق سيفضي للنجاح.

عن الناس والتعايش معهم

  • الناس نوعان: أوغاد طيبين و أوغاد ملاعين. تقبل ذلك وحاول أن تجد طرق للتعايش مع الأول، وتجنب الثاني ما استطعت.
  • "صديق العمر" هو في الأغلب خرافة، صديق المرحلة هو واقع.
  • مثلما ترى أن لك فضاء خاص ومشوار حياة خاص، فلصديقك نفس الشيء، وفي الغالب ستفرض الظروف ومجريات الحياة عليكما التفارق فضلاً عن الاختلاف.
  • أقرب الأصدقاء هو من تشعر بالأمان حوله مهما بدا منك. أما أنفعهم فهم من يملكون المال فيستثمرون معك، يليهم أصدقاء الكتب، ثم الذين ليس لديهم إلا النصائح.
  • الناس في الغالب لا يتذكرون كثيراً من كلامك، ولكن يتذكرون بالتأكيد كيف جعلتهم يشعرون.
  • الطيبة، الصدق، التعامل الحسن، الابتسامة، التفهم والانصات، هي أمور تكون صور إيجابية حقيقية عنك لدى الآخرين، ويتذكرونك بها أكثر من كلامك. استثمر فيها..
  • بعض الناس يستحقون أن تسمع لهم، وبعضهم يستحقون أن تنصت لهم، وبعضهم يستحقون أن تصدقهم.
  • حاول أن لا تؤذي أحد بقول أو فعل، شعورك لمدة طويلة أنك لم تؤذي أحد يكون شعور بنظافة وسلام داخلي عندك.
  • التواضع ليس فعل، هو أسلوب حياة يجب أن تكون بذوره راسخه في أعماقك، التواضع يكبر معك ومع تجاربك، ينعكس على تفكيرك وعملك وكلامك وكتاباتك بدون تفكير فيه منك.
  • إذا شعرت بشيء من الغرور فتذكر أنك لم تكن إلا حيوان منوي اجتهد حبتين متفوقاً على رفاقه.
  • يقول العقاد "أن الذي يكل إلى الناس تقدير قيمته يجعلونه سلعة يتراوح سعرها بتراوحهم بين الحاجة إليها أو الاستغناء عنها". عز نفسك تجدها.
  • ابتسم بقدر ما تستطيع، الناس يرتاحون لمن يبتسم في وجههم أكثر ممن يقابلهم بوجه صامت أو مكفهر.
  • لا تكن حاسم في آرائك. هي مجرد آراء لا أكثر يا أفلاطون، اطرحها بأسلوب وصياغة تسمح للغير بالحوار معك.
  • إذا عودت نفسك أن تصيغ كلامك وآرائك بأسلوب حسمي وقطعي في الغالب ستصل لمرحلة تصبح فيها متعصب بدون أن تعي ذلك.

عن الذات

  • لا يوجد عملاق في داخلك كي تطلقه، يوجد شخص طبيعي يريد منك أن تسمح له أن يعيش.
  • لا تحتاج لإضاعة أموالك على دورات بيع كلام تدعي أنها ستعلمك كيف تتعامل مع الإنسان الطبيعي في داخلك.
  • حاول أن تقرأ وتطلع وتأمل لكي تكتشف ذاتك بنفسك، لن يفهمها أحد مثلك، اسمح لروحك ببساطة أن تعيش.
  • "مافي أحد مرتاح" هي عبارة خادعة. البعض يعتقد أن الحياة الرائعة تعني حياة خالية من أي منغصات وتحديات. هذا التفكير يناقض مفهوم الحياة، فالتحديات والهموم والصعاب هي مكونات أساسية لمسيرة الحياة مثلما هو الفرح والنجاح والسعادة.
  • الأوقات السعيدة لا معنى لها ولا يمكن استشعارها إذا لم تستشعر يوماً نقيضاً لها.
  • ماذا تعني "الراحة" إذن؟ هذا مفهوم تحتاج لبلورته ذاتياً مع الوقت، ولكن لا تتخيل يوماً أن الحياة المريحة تعني غياب الهموم من حياتك.
  • لست مركز الكون، العالم لا يجب أن يسير كما ترغب وتتمنى.
  • ولكن عالمك الصغير ربما يقترب من العالم الذي تتخيل وتحب إذا كان لديك وسائل ضغط وسيطرة عليه.
  • توقف عن لعب دور المصدوم والمتفاجئ مع كل حدث يمر عليك وموقف تمر به. الحياة هي مفاجأة بحد ذاتها.
  • الذوق لا يعلل. لست مسطرة الذوق العالمية، ارفق بنفسك وتواضع وتفهم أن تنوع الأذواق يثري الحياة.
  • لا تتفاجأ وتنظر لغيرك بدونية لأن ذوقه في أحد الفنون لم يوافق ذوقك. إلا طلال! إذا لا يعجبك طلال مداح فعليك مراجعة ذوقك مجدداً.
  • اقرأ مبكراً عن النفس البشرية، عن "أزمة منتصف العمر" و الاكتئاب وأنواعه، هناك احتمال لا بأس به أن تمر بك أيام وفترات تشعر فيها بأنك لست أنت، وأنك جلمود صخر حطه السيل من علِ، اطلاعك المسبقك على هذه الأمور ربما يكون مساعد كبير لك في تجاوز المرحلة.
  • هناك فرق بين المتعة والسعادة، المتعة لحظة والسعادة مسيرة.
  • المال ليس هدف بحد ذاته، مثلما أن الأوكسجين ليس هدف بحد ذاته.
  • مثلما نحتاج الأوكسجين لكي نعيش، فنحن نحتاج المال كوقود يساعدنا للمضي قدماً نحو تحقيق أهدافنا في جو مساعد يخفف الضغوط علينا.
  • ستتغير، لا عيب في ذلك ولا خطأ، لا تحتاج للشعور بالخجل والذنب من تغيرك ما دامت دوافعك الأخلاقية التي تشعر بارتياح تجاهها مستمرة وثابتة معك.
  • الشخص الميت هو الشخص الوحيد الذي لا نتوقع أن يتغير.

عن الحب

  • إذا أحببت فأحب بجنون، "لا خيرَ في الحبِّ إن أبقى على المُهجِ".
  • لا تقتصد في الحب وإن كُسِر لك قلب، اقتصد في الكره.
  • سيُكسر قلبك، وإن حصل فلا تسمح لروحك أن تنكسر. شفاء القلب المكسور هو أمر ممكن، عودة الروح الوثابة مهمة صعبة جداً لو كسرت.

عن الحياة

  • يقال أن ما يضاد الحياة هو الخوف وليس الموت.
  • استغراق التفكير في المستقبل يستجلب القلق، واستغراق التفكير في الماضي يستحضر الندم. كلاهما يفوت التركيز على الحاضر، والحاضر هو الحياة. كن هنا.
  • سواءً رغبت أم لا، ستخوض معارك في هذه الحياة. بعضها تختارها بإرادتك، وبعضها ستفرض عليك. حاول إذا قدرت أن تختار معاركك بعناية مستعيناً بمعرفتك بقدراتك وما تقوى وما لا تقوى عليه. ستخسر بعضها وتكسب أخرى.
  • تعلّم كيف تداوي جراحك وتمضي، لن يداوي جراحك أحد سواك.
  • الفشل ليس عيباً، العيب أن لا تعرف لماذا فشلت أو تتهرب من الاعتراف بأخطائك ملقياً باللوم على الظروف أو الغير. بذلك لن تتعلم من فشلك وستكرره.
  • الأمور المهمة بحق في الحياة قليلة جداً، حاول أن تحددها مبكراً، الباقي لا يستحق كل ذلك الحرص منك.
  • في الغالب ستتمنى وأنت في أرذل العمر أن تنظر للوراء وتجد أنك عشت حياة حافلة بالتجارب والجرأة والمخاطرة، فتقول لنفسك: ربما تعبت، ولكن يا لها من حياة.

..

الأيام بطيئة، السنوات سريعة، الحياة قصيرة، اعمل شيء جيد، اترك أثراً..

عندما يضع التعب يده على أهدابك..

يضع التعب يده على أهدابي، كأنه يفرض عليها النوم .. لكن ما من شيء يستطيع أن يضع يده على أحلامي
جبران خليل جبران

1989
أول مرة تطرح علي مصطلحات مثل "الإلهام" و "الحلم" و "الأهداف" بشكل جاد كانت من مدرس عربي لا أعرفه فتح معي حوار مفاجئ عند محاسب مكتبة المنهل بمدينة الطائف. كان مغرب أحد أيام الدراسة، وكنت انتهيت من انتقاء ثلاث كتب سمح بها مصروفي. ذكر لي أنه مدرس في المرحلة الثانوية ولاحظ ترددي على المكتبة بعد المغرب مثله، سألني عن نوع الكتب التي أحب قراءتها؟.
كنت في الصف الثالث المتوسط، وكانت تستهويني قصص "رجل المستحيل" و كتب الغرائب والرحلات والروايات. لم يكن لدينا آنذاك بث فضائي ولا انترنت، وبالتالي لم يكن هناك سبيل من استكشاف هذا العالم المذهل بحق إلا عبر الكتب.
سألني عن اسمي وعمري وأين أسكن، وبعدها سألني عن هدفي في الحياة، وما هي أحلامي، ومن يلهمني؟
قلت له: هدفي أن أصبح طبيباً -لأن والدي رحمة الله عليه كان يتمنى لي ذلك-، ماجد عبدالله بالطبع كان مصدر الإلهام الحصري، وحلمي أن أطوف العالم.
طلب مني أن أعود معه لداخل المكتبة، وأهداني كتاب أنيس منصور "حول العالم في 200 يوم " مؤكداً أنه سيعجبني.
عند الخروج وبعد توجيه بعض النصائح لي، قال مودعاً: ما دمت تقرأ فأنت بخير، وإذا حزنت فاقرأ، فلن يفهمك أحد مثل كتاب جيد.

1995
يهتز سرير نومي بشكل غريب بسبب ما ظننته إعصار ضرب أوكلاهوما سيتي المشهورة بالأعاصير. كنت للتو وصلت لأمريكا مختاراً أوكلاهوما لمكان دراستي، بدت لي وسط خريطة أمريكا المفرودة على طاولة موظف مكتب السفريات، الذي أكد لي بأنها مدينة هادئة كهدوء قريتي في الباحة.
اكتشفت عندما وصلت الكلية أن سبب اهتزاز السرير لم يكن إعصار ولكن بسبب تفجير إرهابي. وجهت الاتهامات بشكل مباشر للمسلمين بدون أي دليل، وعشنا يوماً ونصف من الرعب، لاجئين في مساكننا نخشى مغادرتها، حتى تم اكتشاف الفاعل الحقيقي وهو إرهابي أمريكي مسيحي أبيض.
حدث مفصلي في حياتي دفعني للاهتمام بأمور لم أكن أكترث بها كثيراً من قبل مثل السياسة والإرهاب والصراعات والمدارس الفكرية، إلخ. الشعور بالظلم وتجربة الرعب مع الاتهامات جعلتني بشكل غريب أقرر بأن أهتم بإصلاح هذا العالم.

1996
هل أنت جاد يا همام؟ أستطيع الدردشة الكتابية عبر حاسوب شخصي مع أناس من حول العالم وأنا هنا في أمريكا؟ ما معنى انترنت بالضبط؟ ماذا يعني موقع؟.. بعدها بشهرين صممت أول موقع انترنت لي، بالطبع محتواه يهدف لإصلاح هذا العالم.

2001
في مكتبي بجدة عصر يوم ثلاثاء عادي، إيميل مفاجئ يرسله شخص لقائمة مبرمجي لغة كولد فيوجن -التي كنت مشترك فيها- يتحدث فيه عن اصطدام طائرة بأحد أبراج نيويورك. موقع ال CNN لا يعمل، شلل يصيب أغلب المواقع العالمية الكبرى. تحولت قائمة المراسلة التقنية تلك إلى وسيلة لتبادل أخبار الهجوم بين الأعضاء. من الواضح أنه حدث كبير يستحق أن أذهب لمكان أتابع فيه ما يحدث. عند مدخل المبنى، الحارس الصعيدي يحمل مذياع صغير وحوله آخرين متحلقين يستمعون. ربما تكون الطائرات ضربت نيويورك، ولكنها زلزلت أفكار وآراء شخص كان أقصى همه يومها كيف يعالج بعض المشاكل البرمجية في نظام نشر المحتوى الجديد الذي طوره مع فريقه. كنت من خلال شركتي تلك أفضّل العمل مع عملاء يريدون إصلاح العالم.

2003
سقوط بغداد! جرح كبير.. أمريكا تقول أنها تريد إصلاح العالم.
تدشين إرهاب القاعدة محلياً بتفجيرات شرق الرياض، سقوط الأبرياء ورعب.. جرح أكبر، ومزيد من الاهتزازات الفكرية.. أعمال يقول أصحابها أنها ربما مزعجة ولكنها تهدف لإصلاح العالم في نهاية المطاف..
إعصار عبدالله الحامد والدستوريين، مزيداً من الزلازل الفكرية.. إصلاح العالم..

2005
تدوين؟ مدونات؟ ماذا؟ اها! مدونة شخصية تعبر فيها عن آرائك بإسمك الصريح بدلاً من الأسماء الوهمية في المنتديات، جميل! عن ماذا أدون يا ترى؟ لست متأكد، ولكن ربما عن إصلاح العالم..

2007
ذهبان..

2008
هديل ماتت..

2010
لم يكن يرغب إلا أن يتركوه وشأنه وعربته، يبيع الخضار في النهار ثم يعود لأمه في الليل. البوعزيزي قرر إصلاح العالم بطريقته..

2011
أخيراً قررت الشعوب أخذ زمام الأمور لإصلاح العالم! هذا الربيع السلمي حتماً ما كنت أبحث عنه، هكذا يتم إصلاح العالم. لم أرى ولم أعرف شخص إلا وكان مباركاً ومتحمساً، جنون من التفاعل والحماس.. ربما تكون هذه نهاية التاريخ.. فوكوياما لم يكن الساذج الوحيد..

2013
أنهار دماء سوريا تنحر كل الأحلام الوردية سريعاً. هذه بدايات مستقبل سيء بدون شك، ليس بعد الدم إلا مزيداً من الدم. الدماء تخيفني، ليس هذا ما كنا ننتظره يا رفاق. لم أعد أرغب في إصلاح هذا العالم، لم يعد يعجبني هذا العالم.
اكتئاب؟ بل طبقات من الاكتئاب.. Inception الاكتئاب وأمّه.. كيف الخروج؟

  • الو، سامي؟
  • نعم
  • أرغب أن نعمل شيء بعيداً عن كل هذا الضجيج وهذه الأوجاع..
  • بماذا تفكر؟
  • لست متأكد تماماً، ربما مبادرة في منطقة جديدة اكتشف فيها ذاتي لاتأكد إذا كان هدفي طوال حياتي إصلاح هذا العالم أم كنت أخادع نفسي.
  • مثل؟
  • مشروع في التعليم ربما! هذا مجال لا يزعج أحد! هناك توجه متصاعد لمفهوم اسمه التعليم المفتوح. ربما منصة تعليمية نسميها رواق!

2016
رغد تسألني على الغداء عن تخصصات الجامعة، استغربت قليلاً ثم تذكرت أنها في آخر سنة من المرحلة الثانوية! يا إلهي، صغيرتي ستدخل الجامعة! وخطّاب سيدخل الثانوية! وأنا بلغت الأربعين!

2016

  • الو، حاتم؟
  • نعم
  • أرغب أن أعمل معك مشروع لطيف في ظل أجواء العالم المكفهر هذا!
  • مثل؟
  • ورد.. توصيل باقات ورد. خدمة لتسهيل تبادل الهدايا على الناس، وسنسميه رسال..

2017
قنوات الأخبار والمحللين وأجواء السوشل ميديا ترجح أن العالم سينتهي قريباً. الحرب العالمية الثالثة على الأبواب كما يقولون.. أما أنا فالقلق الذي يحتويني هو التأكد بأن تصل باقات ورود العملاء منسقة بالشكل والوقت المناسب، وأن يتم نشر محاضرات رواق في الوقت المعلن، أن يجد طلاب رواق إجابات على أسئلتهم، وأن نخدمهم بما نستطيع..
رواق كبرت وبلغت من العمر أربعة أعوام، ما يقرب من ٢ مليون طالب عربي يدرسون في مشروع قررت عمله يوماً هرباً من الاكتئاب! ارتكبت أخطاء كثيرة في طريقي وتجاربي لإصلاح هذا العالم، ولكن محاولاتي ربما وصلت لشيء ذو قيمة أخيراً!
أشعر بالتعب والإرهاق، ولكن أشعر كذلك بشيء من السلام والرضا الداخلي، وعندما أحزن أنغمس مع كتاب كما نصحني ذلك المعلّم، لازلت أحزن، ولازال الكتاب الجيد هو الكائن الوحيد الذي يفهمني..

رغد التحقت بالجامعة وقررت التخصص في القانون، تقول أنها تريد إصلاح العالم..

رواق

مآسي الحروب وحزن الأمهات، من روائع سفيتلانا أليكسييفيتش

الحروب مهلكة، وليس هناك حزن يعلو الحزن الذي يتملك أم عندما يصلها خبر مقتل ابنها في حرب ظالمة لا يكون لمقتله فيها معنى ومنطق.
هذا المقطع المؤثر من كتاب "فتيان الزنك" للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكيسيفيش (الحائزة على جائزة نوبل للأداب) هو شهادة أم روسية تحكي لوعتها وأساها على مقتل ابنها المجند في أفغانستان أيام غزو الاتحاد السوفيتي. فتيان الزنك كتاب رائع بالفعل وهو ثاني كتاب اقرأه لسفيتلانا بعد كتابها البديع الأخر "صلاة تشرنوبل".
هذا النص الأدبي البديع يمثل برأيي حزن كثير من الأمهات الثكلى اللاتي فقدن فلذات أكبادهن في مهالك الحروب. إلى النص:

أنت تُهرع إلى المقبرة كما لو كنت على موعد هناك...
في الأيام الأولى قضيت الليالي هناك، ولم أخف. أنا الآن أفهم جدَّاً تحليق الطيور وكيف تنمو الأعشاب. في الربيع أنتظر موعد ظهور برعم الزهرة من التربة متمايلاً نحوي. فقد غرست هناك الزهور اللبنية الثلجية بغية أن أتلقَّى بسرعة التحيَّة من ولدي. إنها تنبجس من هناك صاعدةً نحوي... بتحيَّة منه.

أجلس بالقرب منه حتى المساء، وحتى الليل. وأحياناً أصرخ بشدة، وأنا لا أسمع حتى أرى صعود الطيور في الجو. موجة من الغربان، تدور وتصطفق أجنحتها فوقي، فأثوب إلى رشدي، وأكفُّ عن الصراخ. أزوره في كل يوم منذ أربعة أعوام كاملة. في الصباح أو في المساء. لم أزره فترة أحد عشر يوماً رقدت فيها في الفراش بعد إصابتي بالاحتشاء القلبي، لم يسمح لي الأطبَّاء بالنهوض. ونهضت ومشيت بهدوء إلى المرحاض. معنى ذلك أنني أستطيع الوصول إلى ولدي، وأسقط كما لو أنني أسقط فوق قبره. هربت برداء المستشفى.
قبل هذا راودني حلم.

-«ماموتشكا، لا تأتي غداً إلى المقبرة. لا حاجة إلى ذلك».
وأتيت: هدوء مطبق، كما لا وجود له هناك. وأحسُّ في قلبي – لا وجود له هناك. تربض الغربان فوق النصب والسياج ولا تطير، ولا تبتعد بسببي كالعادة. نهضت من المصطبة، فإذا بها تحلِّق حولي، بغية تهدئتي. ولا تسمح لي بالانصراف. ما القضية؟ ممَّ تريد تحذيري؟ وفجأت هدأت الطيور، وصعدت إلى الأشجار. اقتربت من القبر، فغمرت روحي الطمأنينة، وزالت مخاوفي. لقد عادت روحه. «شكراً لطيوري، التي حذَّرتني ولم تسمح لي بالانصراف. وبهذا انتظرت عودة ولدي...». أنا أشعر بوطأة حضور الآخرين، وأمشي وتغمرني الوحشة والتوحُّد. يتوجَّهون إليَّ بأحاديث ما، إنهم يزعجونني، ويعيقونني... أما هناك فأنا بخير. إن حالتي تكون جيّدة فقط عند ولدي. يمكن أن تجديني إما في مكان العمل وإما هناك. هناك، عند القبر... يبدو كما لو أن ولدي يعيش هناك. وقد حدَّدت مكان رأسه... فأجلس بالقرب منه وأحدِّثه بكل شيء... كيف كانت الأمور في الصباح، وكيف اليوم... نحن – أنا وهو – نستعيد الذكريات سوية... أنظر إلى الصورة، أنظر إليها ملياً، ولفترة طويلة... إنه إما يبتسم قليلاً أو غير راض عن شيء ما، ويعبس. هكذا أحيا معه. وإذا اشتريت فستاناً جديدًا فأنا أشتريه فقط من أجل زيارة ولدي لكي يراني فيه... سابقاً كان يجثو أمامي على ركبتيه ويقول: «يا أماه. يا حسنائي!». الآن أنا أمامه. أفتح باب السياج وأجثو على ركبتي وأقول:

  • «صباح الخير يا ولدي... مساء الخير يا ولدي...».
    أنا دائماً معه. أردت أن أتبنَّى صبيَّاً من دار اليتامى... صبياً واسع العينين مثله. لكنني شعرت بوخز في قلبي. لم يتحمَّل قلبي. أنا أحشر نفسي في مكان عملي كما لو كنت أحشرها في نفق مظلم، وأُصاب بالجنون إذا ما وجدت الوقت للجلوس في المطبخ والتطلُّع من النافذة. ولا يمكن أن تنقذني سوى أوجاعي. لم أذهب إلى السينما مرة واحدة خلال الأعوام الأربعة هذه، وبعت التلفزيون الملوَّن، وأنفقت النقود لإقامة النصب على القبر. لم أستمع إلى الراديو مرة واحدة. ما أن لقي ولدي مصرعه تغير كل شيء فيَّ: الوجه والعينان وحتى اليدان.

تزوَّجت بمثل هذا الحب! زوجي طيَّار، طويل القامة، وسيم. كان يرتدي سترة جلدية وجزمة فرو دب. هل سيكون هذا الرجل زوجي؟! ستُذهل البنات. أدخل المتجر، ولا أدري لماذا لا تنتج صناعتنا الأحذية ذوات الكعوب العالية؟ فأنا إلى جانبه قصيرة. وتمنَّيت لو أُصيب بمرض وسعال، وأن يصيبه الزكام، عندئذ سيبقى طوال اليوم في البيت، وسأرعاه. ورغبت جداً في أن يكون لي ولد. ابن سيكون مثله. بمثل هاتين العينين والأذنين والأنف. وبدا كما لو أن أحداً ما أصغى في السماء إلى دعائي. لقد وُلد ابني شبيهاً به، قطرة في قطرة. ولم أستطع تصديق أن هذين الرجلين الرائعين هما لي. لم أستطع تصديق ذلك! أحببت البيت. أحببت الغسيل وكي الملابس. لقد أحببت كل شيء حتى كنت لا أدعس على العنكبوت بقدمي، وأمسك الذبابة والدعسوقة في البيت وأطلقهما من النافذة. لتعش جميعها، وتحب بعضها البعض. كم كنت سعيدة! وعندما أعود من العمل أو من المخزن أدق جرس الباب، وأنير المصباح في المدخل، لكي يرى ولدي كم أنا فرحة:

  • «ليرونكا (هكذا كنت أدعوه في الطفولة)، هذه أنا. لقد اشتقت إليك!».

أحببت ولدي حبَّاً جمَّاً وما أزال أحبُّه الآن. جلبوا لي الصور الفوتوغرافية لموكب الجنازة... فلم آخذها. أنا لم أصدِّق بعد وفاته... أنا كلب وفي، من تلك الكلاب التي تموت على القبور. كما أنني كنت صديقة وفية دائماً. الحليب يتدفَّق من ثدييَّ، اتفقت على لقاء صديقتي لأعطيها كتاباً. ووقفت أنتظرها في الزمهرير ساعة ونصف الساعة، لكنها لم تأتِ. الإنسان لا يمكن ألا يأتي فحسب، ما دام قد وعد بالمجيء، لا بد من أن شيئاً طارئاً قد حدث. فهُرعت إلى بيتها، ووجدتها نائمة. ولم تستطع أن تفهم سبب بكائي. أنا أحببتها أيضاً، وأهديتها فستاني المفضل – الأزرق. هكذا أنا. انخرطت في خضم الحياة ببطء، وبوداعة. البعض أكثر جرأة. ولم أصدِّق بأنه يمكن أن يحبَّني أحد ما. وقيل لي: حسناء، فلم أصدِّقهم. لقد مضيت متأخرة عن مسيرة الحياة. لكن إذا تذكَّرت أمراً ما، وحفظته، فهذا يبقى طوال الحياة، إلى الأبد، وكل ذلك ببهجة. عندما حلَّق يوري غاغارين في الفضاء اندفعت مع ليرونكا إلى الشارع. أردت في هذه اللحظة أن أحب الجميع... وأعانق الجميع... وهتفنا بصوت عال من الفرح.

لقد أحببت ولدي بجنون. بجنون. كما أحبَّني هو حبَّا جمَّاً. القبر يجذبني إليه. ويدعوني. كما لو كان يرد على دعوتي.
سألوه:

  • «هل لديك فتاة؟».
    فأجاب:
  • «نعم». ويبرز هويتي الطلابية حيث أبدو فيها بضفيرتين طويلتين.

كان يهوى رقصة الفالس. ودعاني إلى أول رقصة فالس له في المدرسة في حفلة التخرُّج. وأنا لم أعرف أنه يجيد الرقص، وتعلَّم ذلك. فأخذنا ندور ونلفُّ في حلقة الرقص.
أجلس عند النافذة في المساء وأبدأ بالحياكة، وأنتظره. خطوات... لا، ليس هو. ثم أسمع خطواته، خطوات ولدي! أنا لم أخطئ ولو مرة واحدة أبداً. نجلس قبالة أحدنا الآخر ونتبادل الأحاديث حتى الرابعة فجراً. عن أي شيء؟ عمَّ يتحدَّث الناس حينما يكون مزاجهم رائق؟ عن كل شيء، عن الأمور الجدية والتافهة. ونستغرق في القهقهة. وهو يغنِّي ويعزف على البيانو.
أتطلَّع إلى الساعة:

  • «فاليرا، حان وقت النوم».
  • «دعينا يا ماتوشكا نجلس أكثر».
    كان يدعوني: ماما، ماما الذهبية.

وهكذا، يا ماما الذهبية، التحق ولدي بالكلية العسكرية العليا في سمولينسك. هل أنا مسرورة؟!
جلس وراء البيانو وأنشد:
أيُّها السادة الضبَّاط – الأمراء الزرق!
أنا، ربَّما، لستُ الأوَّل،
ولستُ الأخير...

والدي ضابط محترف، قُتل دفاعاً عن لينينغراد. وجدِّي كان ضابطاً. أما ولدي فقد أعدَّته الطبيعة نفسها ليكون رجلاً عسكرياً: القامة، القوَّة، أسلوب التعامل. كان يجب أن ينضمَّ إلى سلك الفرسان! القفَّازات البيضاء، أوراق القمار، البريفرانس... وأقنعت نفسي بالقول: «أنت نجمتي العسكرية». لو أنزلت إلينا السماء الربانية شيئاً ما، ولاحت إشارة...
كان الجميع يقلِّدونه. وأنا، أمه، كنت أقلِّده أيضاً. كنت أجلس مثله عند آلة البيانو، وأعزف لحناً ما بصوت خافت. وأحياناً كنت أمشي مثله. بالأخص بعد مصرعه. أريد أن يبقى معي دائماً... وأن يواصل العيش...

  • «إذاً، يا ماما الذهبية، إن ولدك مسافر».
  • «إلى أين؟».
    صمت. بينما جلست وذرفت الدموع:
  • «ولدي العزيز إلى أين أنت ذاهب؟».
    معنى ذلك إلى هناك؟ يعرف إلى أين.
  • «ماما إلى العمل. لنبدأ من المطبخ... سيأتي الأصدقاء».
    وفي لحظة خاطفة حدست:
  • «إلى أفغانستان؟».
  • «نعم إلى هناك...»، وبانت على وجهه ملامح العزم، ونزل الستار الحديدي.

جاء إلى البيت صديقه كولكا رومانوف. وروى كل شيء كجرس صغير: لقد قدَّموا منذ العام الدراسي الثالث طلباً لإرسالهم إلى أفغانستان. ورفض المسؤولون طلبهم لمدة طويلة.
أول نخب: من لا يغامر لا يستحق شرب الشمبانيا. وفي المساء كله ردَّد فاليرا أغنياتي العاطفية المفضلة:
أيُّها السادة الضبَّاط – الأمراء الزرق!
أنا، ربَّما، لستُ الأوَّل،
ولستُ الأخير...

بقيت أربعة أسابيع. وفي الصباح كنت أدخل إلى غرفته قبل التوجُّه إلى العمل، فأجلس وأصغي إلى كيف ينام. كان ينام ببهاء أيضاً.
كيف دق القدر بابنا، كما تنبأت! رأيت في الحلم: أنا فوق صليب أسود وبرداء طويل أسود... ويحملني ملاك على الصليب... وأنا أرى بصعوبة. أردت أن أعرف أين سأسقط. في البحر أم في البر؟ أرى تحتي حفرة يغمرها نور الشمس...

انتظرته في فترة الإجازة. رن جرس الهاتف في العمل:

  • «أمِّي الذهبية، أنا وصلت. لا تتأخري. الحساء جاهز».
    فصحت:
  • «ولدي، ولدي العزيز! لست تتصل من طشقند؟ بل من البيت! في الثلاجة يوجد قدْر حساء البورش المحبب لديك»!
  • «أوه، رأيت القِدْر لكن لم أرفع الغطاء».
  • «وأنت أي حساء لديك؟».
  • «حساء: حلم الأبله! تعالي. سأستقبلك عند موقف الحافلات».

رجع وقد غمر الشيب شعر رأسه. لم يعترف بأنه لم يأت في إجازة، بل طلب السماح له بالسفر من المستشفى العسكري: «أريد رؤية أمِّي لمدَّة يومين». صار يتقلَّب على السجَّاد ويصرخ من الألم. التهاب الكبد، الملاريا – لقد أُصيب بعدَّة أمراض مرَّة واحدة. وحذَّر شقيقته قائلاً:

  • «ما شاهدتِه الآن، يجب ألا تشاهده ماما. اذهبي، طالعي كتابك».

مرة أخرى كنت أدخل إلى غرفته قبل الذهاب إلى العمل، من أجل أن أرى كيف ينام. ففتح عينيه:

  • «ما الأمر، يا أمِّي؟».
  • «لماذا لا تنام؟ ما زال الوقت مبكِّراً».
  • «شاهدت حلماً سيِّئاً».
  • «يا ولدي، إذا كان سيِّئاً، فيجب أن تتقلَّب في الفراش، وسترى حلماً جميلاً. ويجب ألا تردِّد الكلمات السيِّئة، وعندئذ لن تتحقَّق».
    ودَّعناه إلى موسكو. كان ذلك في أحد أيام مايو المشمسة. وقد تفتَّحت زهور الحب.
  • «كيف الأمور، هناك؟».
  • «أفغانستان، يا أمِّي، هو ما لا يجب أن نفعله».
    كان ينظر إليَّ فقط، ولا ينظر إلى أي أحد آخر.ومدَّ يديه، ومسح العرق من جبينه:
  • «أنا لا أريد الذهاب إلى هذه الحفرة! لا أريد». وانطلق. والتفت، «هذا كل ما في الأمر يا أماه».
    لم يكن يتلفَّظ بكلمة "ماما" أبداً، كان يقول دوما "يا أمَّاه". يوم مشمس رائع. وتفتَّحت زهور الحب... الموظَّفة المناوبة في المطار تطلَّعت إلينا وذرفت الدموع...
    في 7 يوليو استيقظت غارقة في دموعي، وحدَّقت في السقف بعينين زجاجيتين. لقد أيقظني هو... كما لو جاء لتوديعي. في الساعة الثامنة. يجب التهيُّؤ للذهاب إلى العمل، وأخذت أهرول بالفستان من الحمَّام إلى الغرفة، ومن الغرفة إلى الغرفة الأخرى... لسببٍ ما أنا لا أستطيع ارتداء الفستان الفاتح اللون. وأُصبت بدوار في رأسي... لم أر شيئاً. لقد صار كل شيء يعوم أمام عيني... وفي فترة الغداء عاد إليَّ الهدوء، في منتصف النهار...
    في 7 يوليو.. سبع سجائر في الجيب وسبعة أعواد ثقاب، وسبعة صور التقطت في آلة التصوير، وسبع رسائل موجهة إليَّ. وسبع رسائل موجَّهة إلى خطيبته. وكتاب فتح عند الصفحة السابعة... كوبو آبي "أوعية الموت".
    كانت لديه ثلاث أو أربع ثوان لكي ينقذ نفسه! كانت مروحيتهم تنحدر نحو الهاوية....
  • «يا شباب أنقذوا أنفسكم! وأنا سأموت!». لم يكن في استطاعته الهبوط قبل الآخرين، والتخلِّي عن الأصدقاء... ما كان في وسعه القيام بذلك.
    يكتب لك الرائد س. ر. سينيلنيكوف نائب قائد الكتيبة لشؤون التوعية السياسية في الوحدة العسكرية:
    "أنا أؤدِّي واجبي كجندي، أرى من الضرورة إبلاغك بأن الملازم أول فاليري غيناديفتش فولوفيتش استشهد اليوم في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين...".

لقد عرفت بالأمر المدينة بأجمعها... في نادي الضباط عُلِّقت صورته محاطة بشريط أسود. كانت الطائرة التي تحمل نعشه على وشك الهبوط في المطار. لا يوجد لديَّ ما أقوله... ولا يتجاسر أحد على الكلام. وفي مكان عملي كان الجميع يذرفون الدموع.

  • «ماذا حدث؟».
    كانوا يلهونني بمختلف الوسائل. ظهرت عند الباب صديقتي. ثم طبيبنا بسترته البيضاء. بينما أنا في إغفاءة كنت أقول:
  • «يا ناس! هل جننتم؟ إن أمثاله لا يُقتلون! لا!». وأخذت أطرق المنضدة بقبضتي. وانطلقت نحو النافذة، ودققت على الزجاج.
    حُقنت بإبرة.
  • «يا ناس! هل جننتم؟ هل فقدتم عقولكم؟!».
    وحقنت بإبرة أخرى. لم تؤثِّر فيَّ الحقن البتة. كانوا يتحدَّثون، بينما أصرخ أنا:
  • «أريد رؤيته. خذوني إلى ولدي».
  • «خذوها وإلا فإنها لن تتحمَّل».

تابوت طويل، لم تصقل ألواحه... وكُتب عليه بطلاء أصفر: "فولوفيتش". رفعت التابوت. أردت أن آخذه معي. وانفجرت مثانتي...
يجب تحديد مكان في المقبرة... مكان جاف. جاف! يجب دفع خمسين روبلاً! سأدفع، سأدفع. بشرط أن يكون المكان جيِّداً... جافاً. إذا ما تطلَّب الأمر فسأدفع كل ما يلزم! في الليالي الأولى لم أبتعد عنه... وبقيت هناك. يقتادونني إلى البيت فأعود مرة أخرى. جرى حصد العشب... وغمرت المدينة والمقبرة رائحة العشب...
في الصباح التقيتُ جندياً:

  • «مرحبا، يا أم. كان ولدك قائدي. أنا مستعدُّ لأن أحدِّثك بكل شيء».
    جئنا إلى البيت. جلس في مقعد ولدي. بادر في الكلام ثمَّ توقَّف:
  • «لا أستطيع، يا أم...».

أزوره في المقبرة فأجثو راكعة، وحين أنصرف أجثو مرة أخرى. وأبقى في البيت فقط حين يكون لديَّ زوّار. أشعر بالراحة إلى جانب ولدي. وأنا لا أبالي بالزمهرير هناك. وهناك أكتب رسائل إليه، ولديَّ تل من الرسائل المتبقية بلا إرسال. وكيف أبعثها إليه؟ أعود في الليل: المصابيح تنير، السيَّارات تمضي بمصابيح مضاءة. أعود مشياً على الأقدام، وتكمن فيَّ قوة تجعلني لا أخاف أحداً: لا الوحش، ولا الإنسان.

تتردَّد في أذني أقوال ولدي: «أنا لا أريد الذهاب إلى تلك الحفرة! لا أريد!». من يُحاسب عن هذا؟ يجب أن يُحاسب أحد ما... أريد أن أعيش طويلاً، وسأسعى إلى ذلك. أعيش من أجل أن أكون مع ولدي. إن القبر هو أكثر الأماكن خلواً من الأمان بالنسبة إلى الإنسان. وكذلك اسمه. أنا أدافع عن ولدي دائماً... يأتي إليه رفاقه.. وجثا صديق له على ركبتيه وقال: «فاليرا، أنا ملطَّخ بالدم... وبهاتين اليدين قتلت. ولم أترك المعارك... أنا ملطخ بالدم... فاليرا أنا الآن لا أعلم، ما هو الأفضل؟ أن أُقتل أم أبقى على قيد الحياة؟ أنا الآن لا أعرف...». أريد أن أعرف من سيُحاسَب عن هذا كله؟ لماذا لا تُذكر أسماؤهم؟
كيف أنشد:
أيُّها السادة الضبَّاط – الأمراء الزرق!
أنا، ربَّما، لستُ الأوَّل،
ولستُ الأخير...

تردَّدت على الكنيسة، وتحدثَّت مع القس.

  • «لقد قُتل ولدي. ولدي الحبيب الرائع. كيف ينبغي أن يكون سلوكي معه الآن؟ وما هي عاداتنا الروسية؟ نحن نسيناها. أريد أن أعرف».
  • «هل هو مُعمَّد؟».
  • «أبتِ، بودِّي جداً أن أقول إنه مُعمَّد لكن لا يجوز ذلك. أنا كنت زوجة ضابط شاب. وعشنا في كامتشاتكا. تحت الثلوج الدائمة... في بيوت تحت الأرض تغطيها الثلوج... الثلج عندنا هنا أبيض، وهناك أزرق وأخضر وصدفي. إنه لا يتألق ولا يغشي العيون. فضاء نقي... والصوت يمضي طويلاً... أتفهمني، يا أبتِ؟».
  • «الأم فكتوريا، إنه أمر سيئ، إذا لم يُعمَّد فصلواتنا لا تصل إليه».
    فانفجرت قائلة:
  • «سأعمِّده الآن! بمحبتي وبآلامي. سأعمِّده عبر الآلام».
    فأمسك القس بيدي. كانت ترتجف:
  • «الأم فكتوريا لا يجوز القلق هكذا. كم مرَّة تزورين ولدك؟».
  • «أنا أزوره في كل يوم. وكيف لا أزوره؟ لو عاش لكنا نلتقي يومياً».
  • «يا أم لا يجوز إزعاجه بعد الساعة الخامسة مساء. فإنهم يرقدون نائمين».
  • «أنا أبقى في العمل حتى الساعة الخامسة، وبعد ذلك أعمل من أجل كسب إضافي. لقد شيَّدت نصباً جديداً له... وأنفقت ألفين وخمسمئة روبل... يجب وفاء الديون».
  • «اسمعي أيتها الأم فكتوريا، في أيام العطلة الأسبوعية وفي كل يوم تعالي حتماً لحضور القدَّاس – في الساعة الثانية عشرة ظهراً. وعندئذ سيستمع إليك».
    أعاني من الأوجاع، أكثرها حزناً، أكثرها لا يُطاق، بشرط فقط أن تصل صلواتي إليه. حبيبي...

-أم

لماذا نجد صعوبة في التنازل عن آرائنا وقناعاتنا؟

الإنسان بطبيعته يحب ما يملكه. ننظر بحميمية لممتلكاتنا، منازلنا، سياراتنا، أجهزتنا الحاسوبية،.. نحب تجاربنا معها، والأوقات والذكريات التي قضيناها في استخدامها. ولذلك نراها ذات قيمة عالية لارتباطها العاطفي معنا.

نميل إلى التركيز على الخسائر التي سنتكبدها نتيجة تخلينا عن ما نملكه، أكثر من التركيز على المكاسب التي سنجنيها. ونتوقع أن يقدّر الآخرين ما نملكه بنفس مستوى تقديرنا الشخصي لها، وينظرون لها ويثمنوها بنفس النظرة والتقييم والتقدير الذي نكنه تجاهها.
عندما تحاول بيع سياراتك أو حاسوبك أو منزلك أو غير ذلك مما تمتلك، ففي الغالب تتوقع من المشتري أن يقدر سلعتك ويقدم لك سعر قريب من تثمينك لها، ولكن المشتري ليس له ارتباط عاطفي مع سلعتك وبالتالي فتقييمه في الغالب سيكون متدني، وهو ما سيثير امتعاضك وازعاجك وربما تلغي الصفقة.

آرائنا وقناعاتنا مثل ممتلكاتنا. يقضي الفرد منا شطراً لا بأس به من عمره وهو يتبنى رأي وفكر معين، يروج له، ويدعو الآخرين لتبنيه. نحن مرتبطين عاطفياً مع آرائنا وقناعاتنا مهما حاولنا إنكار ذلك، وقضينا عمراً مؤمنين بها، وخضنا تجارب وحوارات ومشاريع حولها.
آرائنا مع مرور الوقت أصبحت مثل ممتلكاتنا التي يصعب علينا التنازل عنها بسهولة بسبب حوارات بسيطة أو مواقف محدودة.

نحتاج لأن نتواضع ونعترف بأن قناعاتنا وآرائنا ليست مقدسة وأنها تحتمل الخطأ، كلما كان ارتباطنا العاطفي بها موزون وعقلاني، كان من السهل علينا التخلي عنها إذا اقتنعنا يوماً ما أنها غير صحيحة. وحينما نتخلى عنها، لن نعيش في دوامة فكرية ولوم للذات وتأنيب للضمير يعيقنا عن المضي قدماً في حياتنا.