فكر يستحق الانتشار .. د. علي محمد فخرو : ولكن، ماذا عن حب الوطن للمواطن ؟

aa

وزير التعليم و وزير الصحة البحريني السابق الدكتور علي محمد فخرو هو أحد أروع المثقفين العرب الذين أستشعر صدقهم في كل مقال يكتبه. مررت اليوم مرة أخرى على مقاله هذا الذي قرأته قبل أكثر من ثلاث سنوات ولم أجد أنني أحتاج لأن أضيف له أي كلمة، ولكن شعرت أنه مقال يستحق فعلاً أن يكتب له الانتشار من جديد.

ولكن، ماذا عن حب الوطن للمواطن ؟

الحديث المادح للوطن والمشيد به والمطالب بحبه والولاء له، كل ذلك في صورة مجردة من شروط وتبعات ومسؤوليات هو خطاب مدرسي. فالوطن ليس مكاناً جغرافياً فقط وإنما هو أيضاً بيئة اجتماعية وعلاقات إنسانية ونظام قانوني يحكم تلك البيئة والعلاقات وامتداد ذهني في المستقبل يرسخ التفاؤل والأمل أو التشاؤم واليأس. ومن هنا تصبح الاحتفالات بالأعياد الوطنية والقومية أنشطة مظهرية ومناسبات إذا لم يصاحبها إثبات ويقين بأن الوطن يسير في الاتجاه الصحيح الذي سيجعل منه بيئة وعلاقات وأنظمة قائمة على موازين العدالة وحقوق الإنسان الكبرى. إنها علاقات لا تبقي الوطن متأرجحاً بين قليل من العدالة وكثير من الظلم، بين تحسن محدود في المعاش وازدياد متنامٍ للفروق بين الفقراء والأغنياء، بين توسع في الحريات الشخصية الاجتماعية وتراجع في الحريات المجتمعية السياسية، بين سوق يضجّ فرحاً بالمضاربات الجنونية في العقارات والأسهم والخدمات الهامشية العبثية وبين سكون العجز عند المزيد من المواطنين للحصول على مجرد سكن متواضع أو عمل شريف يبعد الفاقة والتذلل والاستزلام لهذا أو ذاك، بين طفل يولد وفي فمه ملعقة من ذهب وتحت مظلة ضمان مستقبلي مؤكد وبين طفل ينتظره الشقاء في كل خطوة يخطوها.

يستطيع القادة السياسيون أن يؤكدوا نواياهم الحسنة ويتحدثوا عن أحلامهم المستقبلية الوردية، ويستطيع قادة الاقتصاد المباهاة بحجم الاستثمارات الخارجية والداخلية وارتفاع نسب أرباح الشركات والبنوك وغيرها، ويستطيع المتربعون على عرش الإعلام، من متعبين متساقطين في أنصاف الدروب الوعرة ومبهورين بجمال المكياجات والعطور المسكوبة على الأجساد، أن يكذبوا ويتلاعبوا بعواطف البشر ويتوجهوا إلى بناء قلاع فوق الرمال… يستطيع كل هؤلاء وغيرهم أن يرقصوا ويغنوا لوطن مجرّد وفي صورة خيال، لكن الحقيقة ستبقى: لا وطن بدون شروط وتبعات ومسؤوليات تجعله وطناً للجميع وسكناً للجميع ومشروعاً للجميع، ودون أي تفريق بسبب الدين أو المذهب أو الجنس أو القبيلة أو العائلة.

الشاعر ملتون كان محقاً عندما كتب أن “بلاد الإنسان هي حيث يعيش في خير”. وفي عصرنا هناك إعلانات دولية ومواثيق موقّعة ودساتير مكتوبة تشرح معنى ذاك الخير. إنها حقوق للمواطن لا تقبل المساومة في التعليم والصحة والغذاء والمسكن والأمن والعمل وحقّ ممارسة النشاطات الديمقراطية السياسية السلمية. إنها في روحها حق في تساوي الفرص لاقتسام خيرات الوطن بعدالة وتراحم وتعاضد.

ولذلك فمن حق الجيل الشاب ألا نختصر له الوطن فقط فيما كان عليه الوطن في الماضي وإنما أيضاً، وبقوة ووضوح وبدون أي غمغمة وغموض، فيما سيكون عليه في المستقبل المنظور. إن الطلب من أجيال المستقبل أن تحتفل بأوطانها وهي معصوبة الأعين هو طلب غير موضوعي. فالوطن الذي لا تكشف كل زواياه الأنوار الساطعة ولا تراه العين الفاحصة ولا يخضع للمساءلة، والذي يطلب من الناس حباً عذرياً مجرداً، ينقلب وينحدر حب المواطنين له إلى مشاعر بدائية.

هل ندعو إلى علاقة نفعية مع الوطن؟ حتماً كلا. لكننا ندعو إلى حب متبادل. ولما كان الوطن في نهاية المطاف هو المجتمع فإننا نتكلم عن ود متبادل وتضحيات متكافئة بين الفرد ومجتمعه. التضحية بأحدهما هي نحر لفكرة الأعياد الوطنية، تحت أي مسمى أقيمت: باسم الثورة أو الجيش أو الجمهورية أو الدين أو حكم هذه الأقلية أو تلك. إنها أعياد المنعّمين في طول وعرض بلاد العرب وهم يستعرضون طوابير الفقراء والعاطلين والمهمشين.

يستطيع قيس أن يحب ليلى بلا أمل في زواج وإنجاب وسكن العيش المشترك. لكن ليس من حقنا أن نطلب مثل تلك العلاقة بين المواطن العربي ووطنه. إن النتيجة لن تكون إلا لوعة وحزناً وضياع فرص.