عن العودة إلى الإنسانية العادية.. رؤية الثمانيني هنري ميلر للحياة

إن بلغت الثمانين وكنت غير مُقعَدٍ أو ذي عِلّة، وإن كان المسير الطويل مازال يمتعك وكذلك الوجبة الطيبة مع كل مايلازمها، إن كنت قادرا على النوم دون أن تتناول عقارا، وإن كانت الطيور والأزهار والجبل والبحر مستمرة بالإيحاء إليك فأنت على هذا أسعد الناس وعليك أن تركع على ركبتيك صباح مساء وتحمد الله القدير على رعايتك وحمايتك بعنايته. إذ حينما يكون المرء شابا بعدد السنوات لكنه مرهق الروح فإنه يتحول إلى إنسان آلي... إن استطعت جرع الكأس دفعة واحدة أو استطاع زوج من النهود أن يؤججك، وإن استطعت أن تقع في الحب باطراد أو تغفر لذويك جريمة وجودك في هذا الكون، وإن كان لايهمك أن تعرف إلى أين تجري الحياة أو يكفيك استقبال كل يوم كما يحل، وإن كنت قادرا على العفو وكذلك النسيان أو أن تردع نفسك عن التحول إلى التسرع أو الشراسة، إلى الكآبة أو الصلف، حينئذ يا بُنَيّ تكسب أكثر من نصف حياتك.

هذه الأمور الصغيرة هي التي يُعتّدُّ بها وليس الشهرة أو النجاح أو الثروة، إذ في أعلى السلم، المكان نادر، بينما في أسفله أماكن كثيرة يحتلها الناس دون ازدحام أو دون أن يستطيع امرؤ أن يزعجك، ولا تعتقد لثانية أن حياة العبقرية مكللة بالورود، إنها بعيدة عن كل هذا فبارك لنفسك أنك لست شيئا على الإطلاق.

... النجاح المشهود في نظر هذا العالم هو نوع من الكوارث عند الكاتب الذي لديه شيء ليقوله، هذا مالم تتعلم الاقتيات ببرازك ذاتك. الكاتب في هذا المجال حيث تلزمه القدرة على تذوق أوقات الفراغ قليلا يجد نفسه مشغولا أكثر من أي وقت آخر، إنه ضحية هؤلاء المعجبين وذوي النوايا الحسنة وكل أولئك الراغبين بالاستفادة من اسمه، وعند هذه اللحظة يتكون نوع جديد من النضال يجب الشروع به وتصبح القضية معرفة كيفية الحفاظ على حريتك وعدم القيام إلا بما يروق لك. دائما ما يكتشف المرء برغم تجاربه الطويلة مع العالم واكتسابه فلسفة يومية قابلة للحياة أن الحمقى ما يزالون أكثر غباءً مما مضى والمزعجون أكثر إزعاجا. إن الموت يطلب أصدقاءك والوجوه العظيمة التي كنت تحترمها الواحد تلو الآخر. وكلما هرمت تجدهم يختفون. وأخيرا تجد نفسك واقفا لوحدك. إنك تشاهد أبناءك وأبناء أبناءك وهم يرتكبون ذات الأغلاط العبثية التي غالبا ماتحز في النفس، إنها نفسها التي كنت ترتكبها وأنت في عمرهم، ومامن شيء يمكنك قوله أو فعله لمنعهم عن ذلك، وفي الحقيقة أنك بمراقبة الشباب يمكنك أن تفهم أي غبي كنته فيما مضى وأي غبي ماتزال.

إن كان هناك شيء أجده اليوم عاديا فهو أن الطابع الأساسي للكائنات لا يتبدل مع مرور السنين، وفيما عدا بعض الحالات النادرة تقريبا، فإن الناس لا يوسعون أفقهم ولا يتطورون، فشجرة السنديان تظل شجرة سنديان، والخنزير خنزيرا، ومحدود الذكاء محدود الذكاء... الأشخاص الذين كنت تزدريهم في المدرسة ستكرههم كذلك يوم يصبحون رجال مال أو رجال دولة أو جنرالات بخمس نجوم... إن الحياة تعطينا قسرا عدة دروس، فهي لاتعلمنا بالضرورة أن نكبر. فيما يخص العالم بعامة فإنه لايبدو لي أفضل مما كان عندما كنت في سن الثامنة فحسب بل إنه أدنى بألف مرة.

وأنا في الثمانين أحكم على نفسي بأنني أكثر مرحا مما كنت في سن العشرين أو الثلاثين، لقد فقدت بين حين وآخر الأوهام، لكنني عرضا احتفظت بحماسي وفرحي بالحياة وفضولي الذي لا يرتوي، وربما كان فضولي تجاه كل شيء وكل الناس هو الذي جعل مني الكاتب الذي أنا هو. لم يفارقني أبدا ذلك. حتى أسوأ المزعجين يمكنه أن يوقظ اهتمامي إن كنت في حالة مزاجية تتيح لي الإصغاء. إضافة إلى ذلك هناك خاصية أخرى أوثرها كثيرا، إنها الإحساس بالإعجاب، إذ مهما ضاق العالم عليّ لايمكنني أن أتصوره يتركني خاليا من الإعجاب بشيء.

لقد سخرت كثيرا وكثيرا من شروط الحياة التي نعيش، وكففت عن الاعتقاد بالقدرة على معالجتها. إنني لا أجد شخصا حتى من أعظم عظماء الأمس واليوم قد استطاع أو يستطيع تغيير الشرط البشري بحق. ما يخشاه الناس كثيرا وهم يفكرون بالشيخوخة هو عدم القدرة على تكوين أصدقاء جدد، ولكن من لديه هبة اجتذاب الأصدقاء لن يفقد ذلك أبدا مهما بلغ من العمر.

الصداقة في رأيي بعد الحب أثمن ثروة تقدمها الحياة... النقطة الوحيدة التي ألححت عليها تجاه الجميع دون تفريق بين الطبقات والمراكز كانت على الدوام المقدرة على التحدث بصراحة، فإن لم أستطع السماح لنفسي بالانفتاح بشكل صريح تجاه صديق أو لم يتقبل هو ذلك أسقطه من حسابي. إن المقدرة على أن تكون صديقا لامرأة وبخاصة تلك التي تحب، تشكل عندي الكمال المطلق، إذ إن الحب والصداقة قلما يتسايران. من السهل جدا أن يرتبط المرء بالصداقة مع رجل أكثر مما هي الحال عند المرأة وبخاصة إذا كانت جذابة. لم أعرف في حياتي سوى بضعة أزواج كانوا أصدقاء بقدر ما هم أحبة. قد تكون أعظم تسلية لشيخوخة ظريفة هي امتلاك القدرة المتزايدة على عدم الاهتمام بالأمور بجدية زائدة. إن أحد الفوارق الكبيرة بين الحكيم الحق والواعظ هو المرح، إن ضحك الحكيم ينبع من أعماقه أما الواعظ إن ضحك وهو لايضحك غالبا فهو يشيح بوجهه عند الضحك.

... أيها الشاب لقد كنت أقلق كثيرا من حالة هذا العالم، واليوم رغم أني أستمر في الحنق والغيظ يكفيني بكل طيب أن أرثي لحال الأمور... وهذا يعني أنني قد كسبت تواضعا يجعلني أعي حدودي وحدود إخوتي بني البشر. فأنا لا أحاول إقناع الآخرين بوجهة نظري أو إشفاءهم، وكذلك لا أرغب أن أستخلص شعورا بالتعالي وبأنهم ينقصهم الذكاء، إذ يمكنني أن أكافح الشر والحمق غير أنني غير مسلح... لقد قبلت بالواقع مهما قسا، واقع إن الكائن البشري ينحدر نحو نوع من السلوك تخجل منه الحيوانات. السخرية والمأساة أننا غالبا نسلك سلوكا غير مسئول تجاه أنبل الأسباب، إذ إن الحيوان لا يعتذر عن قتل فريسته، أما الحيوان البشري فهو قادر على إثارة التبريك الإلهي من أجل قتل الإخوة والأخوات، وينسى أن الله ليس معه ولكنه إلى جانبه.

... أن تكون قادرا على تبجيل الآخرين دون أن تتعثر بخطاك هو شيء أساسي في نظري، وأن يكون لك معلم أيضا هو شيء أكبر أهمية، وجملة القول هو معرفة أين وكيف تجد واحدا من هؤلاء... غالبا ما نجد كثيرا مما يجب تعلمه من طفل أكثر مما نجد عند معلم مرشد جذاب... إن ما ندعوه تربية ليس عندي سوى الإبهام المطلق والمعيق للتطور، ورغم كل الانقلابات الاجتماعية والسياسية التي اجتزناها، ظلت في نظري على الأقل طرق التربية المسموح بها في كل العالم المتمدن على ماهي عليه من حيث قدمها وتخريفها، فهي تسهم في تكريس الأمراض التي تجعل منا عجزة، لقد قال ويليام بلاك: نجد الحكمة عند نمور السباق أكثر مما نجدها عند بغال التعليم. لقد تعلمت من الأغبياء والنكرات أكثر مما تعلمت من المدرسين. فالمُثقِف هو الحياة وليس وزارة التربية، ومهما بدا ذلك غريبا فإنني أميل إلى الوفاق مع ذلك النموذج البائس للنازية الذي كان يصرخ: حين أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي.

... لنعد إلى الإنسانية، إلى الإنسانية العادية، ولتذهب إلى الشيطان نظاراتكم ومجاهركم وتلسكوباتكم وتفاوتاتكم القومية والدينية وتعطشاتكم للسلطة ومطامحكم المبهمة... ضعوا كل الأمور في حسبانكم ولكن دون أن تفقدوا أبدا حس الفكاهة. فالحياة ليس فيها أمر أبدي الجدية. وفيها كل الفكاهة والمأساة معا. فأنت الممثل والقطعة التمثيلية معا. وأنت كل ماهو موجود لاأكثر ولا أقل... إذا استهدفنا تغيير العالم أو جعله متحركا فأيّ طريقة أفضل من التلويح بالمرآة لنشاهد فيها ذواتنا على حقيقتها بحيث نستطيع الضحك من ذواتنا ومن قضايانا. إن الفكاهة التي تضع النقاط على الحروف هي أجدى من سيف الساموراي، ولو قيض لهتلر رجل يضحكه ربما أنقذ الملايين من الحيوات.

... يتعلم المرء لعب اللعبة ليس بالمحافظة على القواعد ولكن بالإحاطة بها إذ لاتوجد مدرسة يتعلم بها المرء الفن سوى الحياة ذاتها. يمكن للمرء أن يأمل بالحياة، هذا كل مافي الأمر، ولكن لذلك لا يوجد معلم، فلكل فرد أن يكتشف بنفسه، ويجد الطريق ويلتحم بها، إن النقد الساخر يرغب أن تكون الغلطات التي يقع فيها الإنسان مهمة بل أكثر أهمية من المكتشفات الصالحة، وتتلاحق المحن والغلطات حتى يعدل المرء عن المحاولة، وهو ما يجعله عن طيب خاطر يقول إنه سيعدل عن تحطيم جبهته بالاستمرار في ضربها في الحائط. إن الجندي منذ دخوله إلى المعركة لا يحلم وبعناد إلا بالسلام. وقد يحلم القادة بالنصر لكنهم ليسوا هم الرجال المقاتلين بحق.

يسألني الناس في الغالب لو وجب عليك أن تعود لبدء حياتك بتمامها من جديد، هل ستكرر نفس الأخطاء؟ فيما يخص الحب أنا غير قادر على الإجابة، أما فيما يخص رسم اللوحات المائية نعم. أحد الأشياء المهمة التي تعلمتها وأنا أرسم هو أن لا أهتم كثيرا، وأعتقد أن بيكاسو قد قال: كل لوحة ليست بالطبع رائعة، وهذا صحيح، الرسم هو الأساس، الرسم كل يوم، وليس صناعة الروائع.

... إننا نستطيع أن نجد في أبسط الأغراض كل ما نبحث عنه سواء الجمال، الحقيقة، الواقع أو الألوهية، إن الفنان لايخلق هذه الصفات وإنما يكتشفها أو يزيح الستار عنها بمقدار فعله، فعندما يشعر بالطبيعة الحقة لدوره يمكنه أن يتابع الرسم دون خوف من أن يخطئ لأنه يعرف أن الرسم أو عدم الرسم يعود إلى الذات فحسب. نحن لا نغني لأننا نأمل بالظهور ذات يوم في دار أوبرا، بل نغني لأننا نملك رئتين مليئتين بالفرح. إنه أمر رائع أن نحضر مشهدا جميلا، لكن الأكثر روعة هو أن تلتقي في الشارع بمشرد مسرور لا يستطيع أبدا التوقف عن الغناء كما لا يستطيع التوقف عن التنفس ولا ينتظر أيضا أقل مكافأة على جهوده. جهود! إنها كلمة ليس لها معنى عنده... هكذا إذا يسقط العالم ذات يوم قطعا أولا وتصبح في معسكر الملائكة أو تصبح الشيطان ذاته، في الحالين خذ الحياة كما هي، وادفع نفسك فيها، وانشر البهجة والفوضى.

مصدر نص هنري ميلر من كتاب بلال فضل الرائع في أحضان الكتب