تخطى الى المحتوى

متى يغادر المرء مكان عمله؟ إنّه الربيع يا سادة!

فؤاد الفرحان
فؤاد الفرحان

هناك أسباب منطقية لاستمرار بقاء المرء في مكان عمله، إذا تلاشت ستصبح مغادرته هي القرار المنطقي. دور القيادي في شركته/منظمته هو توفير كل عناصر بيئة العمل الصحية التي تسمح باستمرار الأفراد وتركيزهم على أعمالهم بإخلاص يدفعهم للابداع والتفاني.

عناصر بيئة العمل الصحية

كثير من الأمور يمكن سردها كعناصر أساسية لبيئة العمل الصحية. من بينها:

  • الاستقرار المالي: الراتب، المكافآت، الحوافز، إلخ..
  • التواصل الفعّال: مناخ مناسب للحوار، شعور بالأمان يعزز التواصل الصريح والسريع بين الموظفين  بعضهم البعض ومع مدرائهم.
  • الشفافية: وضوح أدوار العمل والمسؤوليات، وضوح الرؤية المستقبلية للشركة، الوضوح عند حل الخلافات.
  • الاحترام والتقدير: حفظ كرامة الجميع وعدم القبول بالإهانات، تقدير المتميزين ومكافأتهم على تفانيهم.

أفضل بيئات العمل بدون شك هي التي توفر جميع العناصر المذكورة. الشركة الناشئة التي مازالت تتلمس طريقها ومواردها المالية والبشرية محدودة يمكنها -إذا أرادت قيادتها- توفير كل العناصر المذكورة بصورة مقنعة مثلها مثل الشركة الكبيرة التي لديها ما يكفي من الموارد البشرية والمالية والقيادية.

متى يغادر المرء مكان عمله؟

تختلف أسباب استمرار عمل المرء في مكان من شخص لآخر بحسب قناعاته وأولوياته والسياق والظروف التي يمر بها. يعتمد قرار الفرد في الغالب على أمرين:

1- حساب الخسائر والمكاسب الفورية والاستراتيجية

الفرد الذي تعتمد أسرته بالكامل على راتبه، وليس لديه احتياطي مالي أو وظيفة بديلة جاهزة، يختلف عن القادر على الحصول على بدائل سريعة في حال قرر المغادرة. الفرد الذي يرى أن مكاسبه المستقبلية عند البقاء (احتمالية الترقّي، احتمالية تغير الوضع للأحسن، إلخ) ربما تبرر استمراره، يختلف عن الذي لا يكترث بالمكاسب المستقبلية لأنها غير مضمونة.

2- وجود مبادئ ومرتكزات شخصية مسبقة تساعده في اتخاذ القرار

هناك من كوّن مع الوقت مرتكزات ومؤشرات واضحة يعتمد عليها لكي يحسم قراره سريعاً بالبقاء في مكان ما أو المغادرة. وهناك من لم يكونها ولم يفكر فيها من قبل، فيقضي وقتاً طويلاً في حيرة من أمره ولا يجرؤ على اتخاذ قرار حاسم. تحديد المرء لهذه الأسباب مسبقاً -بحسب رؤيته الخاصة المقنعة لذاته- تسّهل عليه عملية اتخاذ القرار أو المغادرة إذا احتاج يوماً ما.

تكامل عناصر بيئة العمل الصحية هو متطلب أساسي لبعض الأشخاص لكي يقدموا أفضل ما عندهم وينفذوا مهامهم بالشكل المطلوب، ولكنه ليس بالضرورة متطلب أساسي لأشخاص آخرين ذو طبائع مختلفة يستطيعون القيام بواجباتهم بعض النظر عن صحة أجواء بيئة عملهم. هناك من يستطيع العمل تحت أجواء الخوف والإرهاب والإهانة لحاجته المادية أو ضعف شخصيته أو انتهازيته، وهناك من يقدّم مبادئه الشخصية على أي أمور أخرى.

المؤكد أن مستقبل أي شركة غامض في حال كانت بيئة العمل غير صحية، لأن الاحتفاظ بالكفاءات سيكون صعب جداً مع الوقت. ربما تستمر الشركة في العمل والنمو، ولكن عند ظهور تحديات كبرى ستجد نفسها في وضع حرج جداً إذا لم تقم بتغيير جذري في بيئة العمل يعالج الأخطاء الجسيمة.

إنّه الربيع يا سادة!

ليس هناك شك بأن بيئة العمل في جامعة هارفارد العريقة هي بيئة صحية، وإلّا لما تسيّدت الجامعات العالمية منذ 385 عام. أحياناً يكون سبب مغادرة شخص مكان عمل متميز مثل جامعة هارفارد هو شعوره بأن ليس لديه جديداً يضيفه، وأن هناك شيئاً جميلاً وجديداً يجذبه لمكان آخر يستحق ربما قضاء وقته فيه. تجدد الفضول وجذوة الاستكشاف لدى نوع معين من الأشخاص يجعلهم يفضلون التنقّل بشكل مستمر.
غادر المفكر والشاعر والروائي الأسباني الأمريكي جورج سانتايانا منصبه كعضو تدريس في جامعة هارفارد المرموقة وهو في سن الثامنة والأربعين. كان الفصل ربيعاً وقد أطلّت الشمس بأشعتها الناعمة مغرية الطلاب بالخروج ونسيان أمر دروسهم قليلاً. جلس سانتايانا في مكتبه وانشغل بالقراءة لطلابه، فيما جلس طلّابه متراخين أو متكئين في وضعيات تنم عن عدم التركيز. غاب صوت سانتايانا شيئاً فشيئاً، ونقّل بصره على طلابه ثم ثبت نظره على شجرةٍ تبدو من النافذة، علقت عيناه على أوراقها الغضة والطرية بخضارها الطازج الفتّان، وفجأةً أغلق سانتايانا كتابه، وحلّ صمتٌ قصيرٌ، ثم نهض قائلاً: "يا سادة، إنّه الربيع!" ثم تناول قبّعته وخرج، ولم يعد أبداً.

يوميات

فؤاد الفرحان

مؤسس في رواق و رسال و GetMuv. مهتم بعالم الشركات الناشئة وعالم الكتب. تجدني في تويتر..