أهلاً نوفمبر، لديّ مشكلة صغيرة ومزعجة معك..

أهلاً نوفمبر، لديّ مشكلة صغيرة ومزعجة معك..

عندي مشكلة مع نوفمبر، حان الوقت لأعترف لنفسي بذلك لَعَلّ هذا الاعتراف يقودني بشكل ما لأجد طريقة مناسبة للتعامل معها. لست من المهتمين والمتابعين لعالم الأبراج والتوقعات، ولم أعلم أن برجي هو السرطان إلا قبل 4 سنوات عندما أصرّ صديق على معرفة يوم وشهر ميلادي لكي يفهمني أكثر كما يقول. لا أعتقد بوجود علاقة بين نوفمبر والسرطان، وإنّما هي حالة شخصية غريبة تشكّلت وترسّخت مع هذا الشهر.

مشكلتي ببساطة مع نوفمبر هي أن معظم الأحداث السيئة التي مرّت بي في حياتي حصلت في شهر نوفمبر، مع استثناءات قليلة. سرد الأحداث لا يهم هنا، فلا يوجد إنسان إلا ومر بأحداث سيئة وعواصف، والأحداث السيئة مثل الجيدة في نهاية المطاف، هي أمور متوقعة في الحياة. لا أعترف بالتطيّر والتشاؤم الساذج، ومتيقن أنه لا يمكن تحميل شهر معين ذنب حدوث أمور سيئة على المستوى الشخصي، ومع ذلك لدي وضع حسّاس من هذا الشهر. حالي مع نوفمبر مثل حال المدخّن الذي يحدثك بيقين أنه يعلم أن التدخين مضرّ للصحة، وهو يتناول سيجارة جديدة مواصلاً الحديث بتلك الثقة.

نوفمبر في العادة عندي هو شهر الإنجاز العملي الأكبر في السنة، تحضيراً للاستمتاع بديسمبر الذي أراه أجمل الشهور على الإطلاق. سبب الإنجاز الكثيف في هذا الشهر، هو انغماسي الزائد في العمل هرباً من الخلوة ومواجهة توجسي وقلقي النوفمبري المعتاد. أسعى لتحميل نفسي ما لا تحتمل من الالتزام العملي كهروب لا أكثر. وينتج عن ذلك ارتفاع ملحوظ في الانتاجية بشكل ملفت.

يُعرف عن الكتابة بأنها أحد أساليب العلاج الشخصي من القلق والتوتر (Writing Therapy). وهناك ممارسين وأخصائيين وتجارب ومدارس معروفة في هذا المجال. ولكن الكتابة الشخصية في عالمنا العربي بأشكالها المختلفة (التدوين، المقالات، التغريدات، إلخ) ليست وسائل مناسبة للبوح والتفكير، فالخطأ في التعبير يمكن أن يكون له انعكاسات مؤسفة على المستوى الشخصي والاجتماعي. كل كلمة تكتبها أو تقولها يتم النظر لها على أنها قناعة راسخة مبنية على مبادئ وتفكير عميق وأجندة وأهداف، والحقيقة أن معظم ما نكتبه ونقوله عبر الانترنت هي “سواليف” و “أحاديث” للتواصل مع الآخرين والدردشة معهم لا أكثر. هذه الحوارات تساعد المرء في التواصل مع مجتمعه وتشعره بأنه مع الناس، وليس وحيداً. شعور المرء بأنه متواصل مع مجتمعه بشكل هادئ شاعراً بالأمان هو شعور إيجابي يساعده على المضي قدماً في حياته اليومية البسيطة، ويكسبه صداقات جديدة مع الوقت. الكتابة عن مشكلتي الساذجة مع نوفمبر أعتبره من نوع التشافي بالكتابة، فلعلّها تثمر.

في هذا الشهر أجد نفسي في حالة تأهب وترقّب مستمرة، أقود سيارتي بأعلى درجات الحذر كأنني قائد مركبة في التسعين من العمر، كل رنين اتصال جوال من صديق أو رفيق في العمل يحملني لا إرادياً على التفكير فوراً أنّه سيحمل خبراً سيئاً، فأرحّب به بحذر وهدوء مستعداً لتلقّي خبر ما، وأشعر بارتياح إذا اكتشفت أن سبب الاتصال هو أمر بسيط وطبيعي حول العمل أو شيء آخر. أمّا إذا كان الرقم مجهولاً فمن شبه المؤكد أنني لن أرد عليه. في قراءاتي النوفمبرية أحاول اختيار كتب لا تثير الأعصاب بل ترسّخ البرود، وبالتالي يكون شهر قراءة بارد. شهيتي تجاه معظم الأمور يكتسيها برود عميق؛ الطعام، النادي، الحديث مع الآخرين، الأفلام . كل العادات التي استمتع بها طوال الشهور، تفقد طعمها في نوفمبر.

هذا التوجّس والقلق مرهق، ولكن في نفس الوقت لا يتسبب في خروجي عن طوري الذي جُبلت عليه. الهدوء والاحترام يتلقاه منّي كل من يتعامل معي على المستوى الشخصي، سواءً كان فرد من العائلة أو صديق أو غريب، في الواقع أو عبر الانترنت. يلاحظ الأقارب والأصدقاء ربما تزايد انعزالي، واكتفائي بالحد الأدنى من الحديث والتفاعل، ملامح انسحابية، ويشعرون بأن هناك شيء ما يقلقني، وهو ما أسعى فوراً لتفنيده هرباً من الاعتراف بمشكلتي النوفمبرية، ولكن لن يجد مني أحد سوءاً في التعبير أو انفعالية أو جفاء، ولله الحمد.

بالأمس زرت والدتي التسعينية أطال الله في عمرها استعداداً لتجهيز نفسيتي مع نوفمبر الكئيب، وسألتها سؤالي المعتاد الذي لا أكلّ من طرحه ولا تكلّ هي من إجابتي عليه بنفس الإجابة في كل زيارة: “أمّي، هل أنتِ راضية عنّي؟” فتجيبني كالعادة: “أنا راضية عليك ربي يرضى عليك، أنا راضية عليك ما دمت لا تترك الصلاة”. كلّما تأخّرت عن أداء الصلاة في وقتها، تذكرت شرط والدتي المعتاد هذا فأستجيب مسرعاً. ورغم أنني أؤمن بأن المرء يصلّي لأجل التقرّب وطلب القرب من خالقه، إلاّ أنني لا أستطيع منع نفسي من التفكير بوالدتي عند كل صلاة، حتى أخشى بعض الأحيان أن أكون لامست “الشرك الخفي” كما تعلمناه صغاراً. وبعد سعادتي بسماع جواب أمّي المعتاد، سألت أخي الأصغر طارق (متلازمة داون) إن كان يحبّني؟ وما هو ترتيبي في الحب عنده بين باقي أخواني وأخواتي وأبنائهم؟ فأجابني بأنني في المقدّمة. أحياناً أكون الأول، ومرات يتراجع ترتيبي، يخضع ذلك بحسب ما يصله من مشاعر الود والهدايا والتواصل الذي يلقاه خلال الأسبوع من باقي أفراد العائلة المتنافسين على كسب حبه. أن يستمر رضا أمّي وطارق عليّ هو بنظري أعظم ما أملك في حياتي هذه. وليس عندي ذرة شك بأنهما سرّ حبي للحياة وسبب تمسكي وتماسكي وإقدامي عليها بروح متقّدة، بالطبع ما عدا في نوفمبر.

حسناً، ماذا يمكنني عمله هذا العام مع نوفمبر ومشكلتي المضحكة هذه؟ لا أعتقد هناك شيء يمكنني عمله غير انتظار انتهائه بأسرع وقت وعلى أحرّ من الجمر. خطرت لي اليوم فكرة أخذ إجازة كامل الشهر، والانتقال لقريتنا في الباحة أو مكان هادئ وبعيد في الجنوب أو الشمال حتى ينتهي. الانقطاع عن كل شيء ما عدا القراءة، وربما العودة إلى اليوغا بعد انقطاع شهور عنها. ولكنها تبدو فكرة غبية، فالموضوع هو موضوع نفسي وذهني في المقام الأول ويجب معالجته على هذا المستوى، وتغيير المكان لا أظن يؤثر في شيء. للأسف لا طاقة لدي لمعالجة مشكلة نوفمبر وأنا في نوفمبر، فالطاقة المتواجدة لدي في هذا الشهر أوجهها للقيام بالمهام العملية، وتنهار إلى الصفر عند محاولة توجيهها لهذا الموضوع. أعرف ذلك لأنني جربت من قبل عمل شيء وفشلت كل سنة. الحل الوحيد هو شراء الوقت حتى ينتهي نوفمبر مؤملاً بأن ينتهي على خير.

يبدو أنني تحدثت وكتبت كثيراً، كنت أشتري وقتاً لا أكثر حتى ينقضي هذا الشهر، ولكن لم يمض منه حتى الآن إلا يوماً واحداً مرّ بسلام. يا للمهزلة..

إظهار التعليقات