كوكبٌ اسمه ذهبان (1) : قالوا لها أني ميت، قولوا لأمي أني حي..

وكأن وحشة الليل لم تكفي، وكأن صمت تلك الجدران البلهاء لم يكفي، وكأن الخوف من الغد لم يكفي.. لازال طيف ذلك الجار المزعج يزور منامي..

نسمعها من زنازننا الصغيرة عن بعد وهي تُفتح.. أصوات صرير أقفال أبواب العنبر الفولاذية المعهودة. كل عنبر يحتوي على عدد من الزنازين المتقابلة التي أعيد عدها كل مرة يذهب بي الحارس لجلسة تحقيق أو يعود بي منها. في الذهاب أستخلص أنها 20 زنزانة في العنبر موزعة على صفين متقابلين، وفي العودة أرجح أنها 24. لا يهم عددها كثيراً بقدر ما تهم حقيقة أن في كل واحدة منها قصة مؤلمة تروى.

كم هو مثير سماع صوت أقفال أبواب العنبر وهي تُفتح! تمر عليك الساعات والأيام والأسابيع والشهور وأنت في قبرك الدنيوي لا ترى وجه بشر، وفي كل مرة تسمع صوت أقفال أبواب العنبر تتحرك، يتحرك فيك الدم مجدداً فتستوي في جلستك إن كنت نائماً، وتقترب من الباب إن كنت قائماً، وتقول لنفسك ربما أتى الحارس هذه المرة ليأخذني أنا. لا يهم يأخذك إلى أين، كل الذي تتمناه هو أن تتوقف خطوات الحارس البطيئة أمام زنزانتك ليفتح بابها ويأخذك كالعادة مغمغم العينين، موثق اليدين، مكلبش القدمين يقودك وأنت كالطفل الأعمى بين يديه لتخرج مؤقتاً من هذا الصندوق الكئيب.

تمر بمخيلتك وأنت تسمع وقع أقدام الحارس تتهادى نحوك صورة والدك وهو يلاعبك وأنت طفل جالس أمامه، فتتذكره وهو يحرك أصبعين من أصابع يديه على الأرض ببطء متجهاً بها نحوك وأنت تنتظره يغرسها فجأة في إبطك أو صدرك ليثير قهقهاتك وضحكاتك البريئة. ماذا لو قرر والدك فجأة رفع أصابعه من الأرض ووضع كفه في جيبه ثم قام وغادر المكان بصمت! هي نفس الخيبة التي تشعر بها عندما تتوقف خطوات الحارس عن الاقتراب من زنزانتك فإذا بها تتوقف أمام أخرى قبلك أو بعدك ليفتح بابها ويأخذ ذلك السجين المحظوظ الذي تشعر بالحسد تجاهه فجأة بغض النظر عن مصيبته التي أوصلته هنا!

ليس حباً في المحقق، ولكنك تتمنى الخروج من ذلك المكعب السيء ورؤية ملامح وجه كائن حي والتحدث معه عن أي شيء في هذه الحياة أو الآخرة.. رغبةً في استشعار أشعة الشمس وهي تمر على جلدك الذي أصبح أكثر إبيضاضاً بعد أن تزايد سماره مع مرور الزمن لكثرة شربك للـ (بيبسي) كما تردد والدتك مقتنعة، تلك الشمس التي مرت عليك شهور لم ترها أو تحس بها وكأنها عشيقة لم تشعر بقيمتها يوماً إلا عندما اختفت من حياتك فجأة.. رغبة في الدردشة مع عسكري يعمل كسائق أجرة بعد الدوام وهو يقودك للتحقيق وينسى نفسه فيفاجئك بالشكوى لك من صاحب العمارة الذي رفع الإيجار عليه!.. رغبةً في شم رائحة جديدة ربما تكون رائحة قنينة عطر قيمتها عشر ريالات اشتراها الحارس من بنغالي عند إشارة المرور وهو في طريقه لذهبان ورشّه على بدلته البنيه المهترئة، أو حتى رائحة سيئة لا تزعجك ما دامت جديدة عليك، المهم أنها جديدة.. رغبةً في رؤية أي شيء جديد وأنت تسترق النظر من تحت عصابة عينيك ولو كان جزء من جدار ذي لون مختلف.. رغبةً في استشعار العودة للحياة عبر سماع أصوات وبكاء وضحكات وحديث هنا وهناك وأنت تسير في العنبر في طريقك لجلسة التحقيق.. هذا في زنزانته وحيداً يغني “بو صالح سرى ليله” فتستنتج فوراً أنه بائع سلاح تم القبض عليه وتعود بك الذاكرة إلى “خذني بقايا جروح” و “تقوى الهجر” و “صارحيني” فتتذكر حي الوشحاء بالطائف الكئيب حيث عشت طفولتك ومراهقتك.. وهذا في زنزانته ينشد “خندقي قبري و قبري خندقي” فتستنتج أنه شاب جهادي سئم الحياة سريعاً وهو لم يرى منها شيئاً بعد.. وهذا في زنزانته يتلو القرآن فتحاول التركيز في الآيات وإن كانت لها علاقة بحالك الراهن.. مجرد الخروج من تلك الزنزانة والمشي في خط مستقيم لمسافة أطول من طول زنزانتك متجهاً لأي مكان، أي مكان، ولو لدقائق هي أمنية.

لو يعلم المحقق كم أنت صادق وسعيد برؤيته! صحيح أنه سيلقي عليك من التهم في جلسة التحقيق لاحقاً ما يجعلك تشعر أنك ارتكبت جريمة ضد الإنسانية، ويجعلك تشعر أن شارون لم يفعل ما فعلت، وصحيح أنه سيتفنن في تهديدك إن لم تخبره بالحقيقة مما يجعل نومك تلك الليلة يهرب خائفاً ومتبرئاً منك وقائلاً لك: من أنت؟.. ولكن اللحظات الأولى للقاء المحقق بعد عزلة انفرادية طويلة تمتد لشهور في تلك الزنزانة تجعلك ترغب في عناقه وتقبيله، قبل أن تتملكك الرغبة في خنقه لاحقاً بمجرد أن يفتح فاه بالتهديد!

أما الوقت اللعين في تلك الزنزانة فهو يمضي ببطء ممل قاتل طاعن موغل وكافر.. يسير وقت سجين الانفرادي بسرعة سلحفاة أفريقية طاعنة في السن هائمة كئيبة يائسة بعد أن تراكمت عليها مصائب الكون بخذلانها في زوجها الذي خانها مع سلحفاة آسيوية أصغر منها سناً وخذلانها في أولادها الثلاثة الذين خلّدوا فضائح العائلة مدى التاريخ، فأما الأول منهم فهو ككاتب في الحياة أو الوطن أو الاقتصادية لا يملّ من الهجوم على شباب الحقوق والإصلاح معتقداً بأن هجومه هذا سيدخل في نفسه من الزهو والغرور ما يكفي ليجعل قضيبه ينتصب آخر الليل فيستطيع إرضاء زوجته التي بلغ يأسها منه مبلغه، ليته يلف شماغه على وجهه ويتجرأ أمام الصيدلي فيشتري فياغرا ويبتلعها فلربما شعر بتحسن كافي يغنيه عن ذلك العهر الذي يتقيأه على شكل مقال في أحد تلك الصحف! وأما الثاني فهو كمتمشيخ لم يكد يصدق أن يرى ذلك النكره الذي ولد وفي فمه شبك يهاجم المنيفي وهو في قبره، فإذا بنا نرى المتمشيخ يطلب مؤخرة سيده النكره ليقبلها أمام الناس، وأما ابنها الثالث فهو كابن ملكٍ سُلبت منه صلاحياته وخفت صيته فإذا به يدخل (تويتر) في مشهد كوميدي فاضح على ظهر فرسٍ خشبي راقصاً على أوتار نغمٍ ديني ومن حوله حفنة من كهنة صحوةٍ ماتت اقتاتوا بها على ظهر شعبٍ طيب. تخيل حجم كآبة تلك السلحفاة الأفريقية العجوز وخيبتها في زوجها وأولادها، ثم تخيل فوق ظهرها وهي تسير فرخ غراب سكيّر ينقر ظهرها وهي لا تستطيع طرده، ثم تخيل وجهها العجوز المتجهم وبطء خطواتها، تلك الخطوات أسرع من زمن نزيل الانفرادي في زنزانته.. تك، تك، تك، تك.. يا للبؤس..

ظهيرة يوم فُتح باب العنبر، كان سجيناً جديداً يقوده الحارس نحو الزنزانة. سار الحارس به ببطء ممل حتى توقفوا أمام الزنازنة المواجهة لي والتي لم أعد أسمع أناشيد ساكنها الينبعاوي العذبة منذ أيام. كالعادة، يفتح الحارس الباب، ينزع وثاق القدمين واليدين، يدخل السجين ووجهه للداخل، يقوم الحارس بإقفال الباب، يقوم السجين بنزع غطاء العينين ويقدمه للحارس عبر الفتحة الصغيرة في الباب والتي تقدم عبرها أطباق الطعام الذي يملئونه بالكافور لتثبيط شبق السجناء الجنسي. كانت الزنزانة المقابلة قد أُخليت وتم تنظيفها وغسلها لتكون جاهزة للنزيل الجديد. من تحت باب زنزانتي هناك فرجة تكفي لاستراق النظر بربع عين واحدة لا تسمح برؤية أي شيء سوى الفرجات التي أسفل الأبواب الثلاثة المواجهة. كنت أسترق النظر بين الحين والآخر محاولاً رؤية وجه إنسان في أحدها ربما حدث أنه هو أيضاً في نفس اللحظة يحاول استراق النظر هرباً من الضجر مثلي. لا يقطع تلك المحاولات إلا صوت حارس العنبر موبخاً عبر السماعة المعلقة في أعلى حائط الزنزانة طالباً الابتعاد عن الباب وإلا… حرّاس العنبر يراقبون عبر شاشات المراقبة كل حركاتنا وسكناتنا في الزنازين وهم في غرفة التحكم وكأنهم روّاد مركبة فضاء كما يتخيلون ربما!

بدأت قصتي مع ذلك السجين الجديد بمجرد أن غادر الحارس العنبر، تلك القصة التي لازالت تطاردني حتى هذا اليوم.

بدأ ذلك السجين في الضرب بكل قوته على باب زنزانته والصراخ بشكل هستيري مرعب. كان وقع قوة طرقه على باب زنزانته يجعلني أشكك إن كانت عظامه مثلنا أم من فولاذ! يمكن للفرد أن يضرب باباً من حديد مرة ويشعر بوخز بسيط، ثم يتحول لألم أكبر إن كان واصل الطرق بيده المجردة على الباب الحديدي لدقائق، فمن ماذا تكون يد الإنسان مصنوعة إذا كان يواصل هذا الطرق الصارخ على باب من حديد لساعات طوال متصلة كل يوم! أحياناً في الليل وأحياناً في النهار! صوت ذلك الطرق الصارخ كان ينتقل فيزيائياً عبر الزنازين والجدران ليصل إلي ولكل سجين في زنزانته لنشعر وكأنه يطرق على صحن حديد ملتصق بإذن كل منا!

منذ طفولتي وحتى اليوم وأنا مصاب بالصداع النصفي الحاد. تعودت كلما نزل علي الصداع المعتاد أن أقوم بربط رأسي بشال بشكل موثق وكأنه سيطير، ثم أقوم بالاختباء في مكان مظلم حتى يحل علي النوم آملاً أن يكون الصداع غادرني عندما أستيقظ. منذ أول يوم وضعوا ذلك السجين في الزنزانة المقابلة بدأ يعود لي ذلك الصداع النصفي المؤلم مع قرعه اللعين. كانت أيام سيئة لشخص مصاب بصداع نصفي حاد ومزمن. وبالطبع، محاولة الحصول على لبن العصفور أهون من محاولة الحصول على بندول من الحرّاس.

لم يبقى أحد لم يصرخ ممن يقطن الزنازين المجاورة في الحرّاس أن أسكتوا ذلك المجنون ولكن بلا جدوى. عند أول جلسة تحقيق بعد ذلك اليوم، رجوت رئيس التحقيقات -والذي بدا لطيفاً وقتها- أن ينقل ذلك السجين لعنبر آخر أو ينقلني أنا لعنبر آخر، فابتسم وقال “بس كذا؟ من عيوني، ابشر!”. بعد عودتي لزنزانتي ذلك اليوم، وإذا بالحراس يأتون لينقلون ذلك السجين من الزنزانة المقابلة لي إلى الزنزانة المجاورة تماماً ليتضاعف وقع أثر صراخه وطرقه الباب أضعاف. كان مقلب قاسي من رئيس المحققين.

كان جاري إذا توقف من تعب الطرق الحاد كل فترة، قام ليغني بصوت حزين وعالي ومتواصل: “قالوا لها أني ميت، قولوا لأمي أني حي”. بقي بجواري حتى غادرت ذهبان، حاولت الحوار معه كلما استشعرت غفلة الحرّاس لمعرفة قصته. كان في غاية البؤس، والإنهيار، والحزن، والإزعاج ولا يتجاذب الحديث. كل الذي استطعت معرفته منه أنه لم يكن سجيناً جديداً بل منقول من سجن آخر، وأنه تم القبض عليه إما في العراق أو على حدودها حيث كان ذاهباً للقتال، فأعادوه وأودعوه سجناً بعد آخر منذ سنين. طوال سنين سجنه لم يزره إنسان -بحسب كلامه- لأن أهله يعتقدون أنه ميت كما ذكر له المحقق. حالته النفسية كانت بالغة الانهيار ويصرخ بشكل هستيري دائم وبلا كلل: “قالوا لها أني ميت، قولوا لأمي أني حي”. تفهمت مأساته وحالته آنذاك على الرغم من صداعي النصفي اليومي الذي كان يتسبب فيه. تخيل أن يقيم أهلك العزاء وتعيش أمك باقي عمرها وهي في غاية الحزن بعدما قيل لها أنك مت في بلد آخر، وأنت تعرف بكل ذلك ولكنك لا تستطيع فعل شيء لأنك مسجون في زنزانة انفرادية ولا يعلم أحد عنك شيء!

رفض جاري أن يذكر لي إسمه رغم أني قلت له بأنني أتوقع أن أخرج يوماً ما وسأحاول الوصول لأهله وإعلامهم. أخبرني أنه (غامدي) مثلي ولم يخبرني أكثر من ذلك.

لا أعلم ماذا فعل ذلك الجار بالضبط ليستحق ما حصل له من نسيان إن كان صادقاً فيما ذكره!؟ ربما كان سيقتل عراقي يسير في أحد شوارع بغداد عن قصد أو بدون قصد، ربما كان سيتسبب في وفاة أطفال في باص مدرسة لأنه فجر نفسه متسهدفاً ناقلة جند أمريكية، ربما كان تكفيري مؤمناً بالقاعدة وليس عنده مشكلة في قتل أحد جنود الشرطة الواقفين عند نقطة تفتيش في جدة، ربما استفزه مقطع منظر فتاة عراقية اغتصبها الأمريكان أو جنود الصدر وفقدت والديها، ربما كان يائساً من الحياة وخائفاً من المستقبل وفضل أن يموت “شهيداً” بدلاً من الكد والتعب لعقود في هذه الحياة مع احتمالية الوقوع في حبائل إغرائها، ربما كان هارباً من ماضٍ يطارده وضمير حاضر يقرّعه، ربما كان ضحية لحظة هوجاء أو ربما كان أفضل منا جميعاً، ربما ربما ربما.. لست قاض لأحكم عليه ولكني مؤمن أن أعتى المجرمين في تاريخ البشرية يستحقون أن يعرف أهاليهم بمصيرهم.

لا أتذكر عدد المرات التي مر بي طيف ذلك الجار في منامي منذ أن خرجت ولكنها كثيرة، في كل مرة أسمعه يكرر أرجوزته الحزينة “قالوا لها أني ميت، قولوا لأمي أني حي”. لا أعلم إن كانت قصته حقيقية أم اختلقها، لا يوجد شيء مستبعد! وكذلك لا أفهم لماذا يتكرر علي في المنام بين الحين والآخر؟ لا أؤمن بالتخاطر في الأحلام، حتى والدي الذي توفي قبل 22 عام أراه في المنام بين الحين والآخر ولكني لا أحمل الموضوع أكثر من أنه حلم لا أكثر.. أكتب هنا عن ذلك الجار لأني أرغب في التخلص من تأنيب ضمير أشعر به لأني لم أحاول الضغط عليه أكثر لمعرفة اسمه الكامل أو طريقة الوصول لأهله. آخر مرة حاولت التحدث معه فيها انتهت بفتح الحارس لباب الزنزانة فجأة والتهديد بأن يصادر فراش النوم الذي لم يكن في زنزانتي سواه إن تحدثت مع جاري مرة أخرى. لم أكن مستعداً أن أنام على البلاط ولذلك انصعت ولم أحاول التحدث معه بعد ذلك اليوم. يا للأنانية..

رأيته ثلاثة مرات في الأسبوعين الماضية وفي كل مرة أصحو من النوم مكتئباً متمنياً عدم رؤيته مرة أخرى.. قالوا لها أنه ميت، قولوا لأمه أنه حي.. يا للكآبة..

استعرض التعليقات