يوميات

تدوينات: 33

هل كل شيء مجاني ليس ذو قيمة؟

وعود السياسيين -كما نعرف من التاريخ- هي أكذب من وعود الشيطان، وتزداد مبالغة وكذباً في مواسم الانتخابات. قبل أسابيع وعد المرشّح الديمقراطي جو بايدن أنه سيقضي على مرض السرطان لو تم انتخابه، وأكثر من مرشح يدعو لإسقاط ديون طلاب الجامعات الأمريكية، بل بعضهم يعد بالضغط لجعل التعليم الجامعي الأمريكي الحكومي مجاني. والوعد الأخير أطلقه أكثر من مرشح ديمقراطي، وحصل حوار عام وأكاديمي حوله. المعارضين لمجانية التعليم يعتمدون على أطروحة قديمة تقول أن “كل شيء مجاني، لن يكون له قيمة عند الناس”.

هل الأوكسجين الذي نتنفسه بالمجان وبدون تفكير ليس ذو قيمة؟ الصحة الجسدية والصفاء الذهني؟ الخلو من الهموم؟ ماذا عن دعاء الوالدة؟ ليس ذو قيمة لأننا لا ندفع لهنّ مقابل عليه؟ صداقة اكتسبناها بالمجان ونستفيد منها سواءً في العمل أو للفضفضة؟ وقت هادئ مع أنفسنا على الشاطئ أو البر، نخلو به مع ذواتنا؟ صلة رحم؟ اتصال محب يريد فقط السلام؟ المشي، مجرد المشي في مكان ما؟ الذهاب لمكتبة عامة (في مدن توفر ذلك) والقراءة بالمجان؟ المكتبة العامة ليست ذو قيمة؟ عمل تطوعي ننضم فيه مع آخرين؟

محاولات تسليع كل شيء في الحياة وجعله شيء له سعر ومواصفات محددة وأسلوب استخدام محدد هو أمر ليس جديد منذ انطلاقة الثورة الصناعية بالذات، ويتصاعد ويترسّخ بشكل سريع مع الثورة الرقمية وتعاظم تأثير دوائر الأعمال على الحياة العامة للبشرية.
العلاج المجّاني ذو قيمة خرافية عند المريض، ولكن ربما ليس عند الثري الذي يطلب معاملة تليق بأسلوب حياته كما يراه. نقل الخبرات والتعليم المجاني هي أمور ذو قيمة عالية لا يراها من تشكل نقل المعرفة لشرائح مختلفة من المجتمع بالمجان تهديد للشريحة والدوائر التي تضمه.

من لا يقدّر النّعم المجانية ولا يعرف كيف يستمتع بها، سيشعر دائماً أنه فقير ومحتاج لأن روحه لن تملأها كل سلع العالم، وسيحتاج دائماً للعمل أكثر وأكثر للحصول على المزيد مما لن يملأ روحه يوماً..

عن الرحلة الأسبوعية لمدينة تسعة أعشار الرزق

هنا الآن مجدداً، التاسعة مساءً في مقعد طائرة الرحلة الأسبوعية عائداً إلى جدة من الرياض. للتو تلقيت حصتي المعتادة من نظرات التوبيخ الحادة التي تمارسها المضيفة لأنني لم أقم بإغلاق اللابتوب ونحن على وشك الإقلاع. لازالت شركات الطيران تعاملنا نحن المسافرين كأطفال من باب الترفيه على طواقم الرحلات الذين يستمتعون بالتذاكي وفرد عضلاتهم وتوبيخنا عند أول فرصة.

كلما أرى كيف يتصرفن المضيفات مع ركّاب الطائرة، أشعر أنّهن مدرسات في روضة ونحن أطفال مهما كبرنا. هذه تطلب بحزم من راكب ربط الحزام، وتلك تطلب من آخر إغلاق الجوال مع نظرة استهجان، وثالثة تطلب من مسافر إعادة تقويم المقعد. يردن هؤلاء الساديات ومعهن سائق الباص الجوي ومساعده إقناعنا أن استخدام لابتوب أو جوال أو مقعد ظهر منحني فيه تهديد ميكانيكي وإلكتروني لوحش صناعي يزن الأطنان يخترق السحب والفضاء بسرعة فلكية. أما مسرحية تعليمات التصرف مع الأدوات المخبأة تحت المقعد في حال سقوط الطائرة فقد حان وقت إسدال الستار عليها. المدهش أنني أجد نفسي أركز في الممثلة (المضيفة) باهتمام كل مرة وهي تقدم العرض.

رحلتي الأسبوعية بين جدة والرياض والعودة في نفس اليوم تجعلني أنتمي لفئة فريدة ظهرت بين أصحاب الأعمال في جدة. قبل حوالي عقد من الزمن، ظهر جلياً أن الرياض بالإضافة لكونها عاصمة القرار العربي، ستصبح عاصمة قرار الاقتصاد المحلّي والعربي وفرص الأعمال الكبرى. مع الوقت والسنوات الماضية، ترسّخت هذه الحقيقة، وبالذات بعد إعلان رؤية 2030 حيث أصبح كل شيء تقريباً قراره في الرياض.

إذا كنت مدير شركة أو رجل أعمال، ولنشاطك علاقة بالجهات الحكومية و/أو كبريات الشركات فهذا يعني ضرورة أن يكون لك تواجد دائم في الرياض لأجل الاجتماعات وبناء العلاقات وتسريع العمل. لتوسيع النشاط وضمان عمليته ستجد نفسك أمام ضرورة اتخاذ قرار حول: نقل شركتك وفريق العمل إلى الرياض، أو فتح مكتب وانتقالك له مع فريق تطوير الأعمال على الأقل، أو البقاء في مدينتك ولكن تعويد نفسك وفريقك على السفر مرة أو مرتين كل أسبوع. في كل رحلة يغادر أفراد هذه الفئة منازلهم فجراً إلى المطار، ويعودون آخر الليل. تعب وإرهاق بالفعل، ضريبة عدم اتخاذهم قرار بالانتقال بشكل تام إلى الرياض.

يمر عليك في رحلات الفجر -سواءً في انتظار صالة المطار أو باص المغادرة أو الطائرة- وجوه تعودت على مشاهدتها أسبوعياً. أشخاص يعلو ملامحهم شيء من الحماس والاستعداد لاجتماعات يأملون بالخروج منها بقرارات وربما صفقات. في باص المطار يقف بالتشخيص واللباس الرسمي، كوب ستاربكس في اليمين، شنطة اللابتوب على الكتف الأيسر، وابتسامة تفاؤل على وجهه تقول: أنا قادم يا رياض!
أمّا في رحلة العودة آخر الليل بنفس اليوم، فتصادف نفس الوجوه ولكن يعلوها الإرهاق والتعب بسبب يوم اجتماعات وتنقلات طويل. حتى وإن كانت الاجتماعات جيدة وحقق فيها أحدنا المطلوب، يبقى هناك تعب واضح من أثر طول اليوم وأحداثه.
أما إذا جرت أحداث ولقاءات اليوم في اتجاه محبط، فلا تود حقيقة أن تنظر لهيئة وملامح أحدنا وهو في كرسي طائرة العودة أو في باص مطار جدة السعيد.

ينتقل الإنسان من مدينة لأخرى لأربعة أسباب: لأنه أُخرِج منها قهراً، أو لأنه وجد رزقه في مدينة أخرى، أو لأن نفسه ضاقت بدياره، أو مرافقةً لمن يحب.  
تنامي فرص الأعمال في الرياض يتزايد يوماً بعد يوم بشكل يجعل المقارنة مع جدة غير عادلة، ولكن لازلت أشعر أن رحلات تسعة أعشار الرزق هذه مع تعبها أفضل من قرار مغادرتي جدة.  
أحب الرياض، أحب مدن بلادي، وأحب جدة، ولكن أحب الأخيرة أكثر من باقي مدن العالم، وتعليل الحب يا رفاق هو تقزيم له..

ساوندكلاد.. أنا متأسف

لو سئلت عن ترتيبي الشخصي للشبكات الاجتماعية والتطبيقات من حيث الأهمية الشخصية، لما نزلت ساوندكلاود عن أحد المراتب الثلاث الأولى إذا لم تكن الأولى. في الوقت الذي تقوم فيه باقي الشبكات وتطبيقات السوشل ميديا بتعكير المزاج بما يجري فيها من صراع وجنون ونفاق وتوافه، يسعى مستخدمي ساوندكلاود على تعديل مزاجي بكل طريقة ممكنة عبر ما يرفعونه من أعمال بديعة.

في بعض الليالي أعيد تشغيل بعض الأعمال المدهشة أكثر من مرة، بل مرّات ومرّات بلا ملل لأنها وافقت مزاج معين أمرّ به، وتقول ما أود قوله. هذه الأيام هي أيام قصيدة سميح القاسم العظيمة “أنا متأسف”..

هل فعلاً كان لدى الأوغاد الناصحين مصاعد؟

وصلتني اليوم رسالتين من صديقين مختلفين فحواها عبارة منتشرة تقول:

“كل الأوغاد الذين قالوا لنا عليكم أن تصعدوا السلّم درجة درجة، كانت لديهم مصاعد”

يشتكي صاحب العبارة أياً كان من أنه تعرّض للخداع من أناس قدموا نصائح تساعده ليصل لأهداف معينة، واكتشف أنهم لم يطبقوها بل كان لديهم ميزات أخرى أوصلتهم للأهداف. هل كان لهؤلاء الناصحين مصاعد فعلاً أم أن الأمر ربما أوسع من ذلك؟ حسناً، فلنبدأ من مناقشة فكرة النصائح المعلّبة العابرة للقارات.

هناك مشكلة برأيي في طريقة تعاملنا كبشر مع استقبال النصائح ومعالجتها وتخزينها وتطبيقها. ليس هناك نقص في عدد الذين يوزعون النصائح يمنةً ويسرةً. وليس هناك نقص في عدد المستعدين لمنحهم انتباههم وتفكيرهم، وربما تطبيق ما يقولونه. أين المشكلة بالضبط؟

أنواع النصائح

يمكن ربما تقسيم أنواع النصائح إلى:

  • نصائح عامة حول الحياة اليومية: جمل وعبارات ومقولات تنتشر بين الناس ومع الوقت تصبح مثل قواعد في الحياة، مثلاً: ربط حزام الأمان ضروري لمنع الإصابة من الحوادث، وضع خطة مالية شخصية للمصاريف ضروري للتوفير والاستقرار المالي، إلخ.
  • نصائح حول التخصص والعمل: يقال للطلاب بأن الدراسة والمراجعة وحل الواجبات بشكل مستمر تساعدك في النجاح والحصول على معدّل ممتاز. ويقال لرواد الأعمال أن دراسة السوق بشكل معقول قبل تنفيذ فكرة مشروعك ستساعدك في رفع نسبة احتمالية نجاح المشروع. ويقال للفنّان بأن مثابرتك والاستمرار سيرفع من مهارتك في فنّّك مع الوقت وستحصل على الاعتراف والنتائج لاحقاً، وهكذا..
  • نصائح حول العلاقات الاجتماعية: اختيارك لنوع الأصدقاء سيؤثر على تفكيرك ومسيرتك الحياتية مع الوقت بشكل أبعد مما تتخيل، التعامل بثقة ولكن بحذر مع النّاس، وغيرها.
  • نصائح حول الذات والتوازن النفسي: لا حاجة لذكر أمثلة لها لأن هناك اقتصاد عالمي كامل مختص فيها ويدور حولها.

أنواع أصحاب النصائح

النصائح تصدر وينقلها عدة أنواع من الناس:

  • الفلاسفة والمفكرين: قضوا عمرهم في القراءة والبحث والكتابة ودراسة جوانب وتخصصات مختلفة في الحياة، ثم وثّقوا نتائجهم وانتقلت لنا بشكل ما مع الوقت.
  • الباحثين: أفراد ومجموعات يعملون في جهات أكاديمية وبحثية، متخصصين في مجالات محددة، وتكون نصائحهم نتيجة اطلاع واستقراء وأبحاث ويمكنهم الدفاع عنها بشكل علمي. لم يصلوا لدرجة عميقة من الجهد بحيث يتم الاتفاق على تصنيفهم كمفكرين وأساتذة مدارس فكرية مثل الشريحة السابقة.
  • ممارسين أصحاب تجارب حقيقية: قادتهم الأقدار ورغباتهم للدخول في تجارب عملية حقيقية في مجالاتهم، لم يدرسوا هذه التخصصات ولم يكونوا باحثين علميين فيها مثل الشرائح السابقة، ونتج عن تجاربهم هذه دروس وأفكار ونصائح متأثرة بتجاربهم سواءً كانت ناجحة أو فاشلة.
  • المشاهير والمهرّجين: مشاهير الإعلام والسوشل ميديا الذين اكتسبوا شهرة عامة عند شرائح معينة لأسباب مختلفة (فاشنيستا، كوميديا، ممثلين، مطربين،..). لا هم باحثين ولا أصحاب تجارب ولا حكمة ولا شيء، ولكن يوزعون نصائح على جماهيرهم حول الحياة والعلاقات والأعمال سمعوها و نسخوها و سرقوها من غيرهم.
  • العامة: الأقارب والأصدقاء وجماهير واتساب وتويتر. أغلبهم لا يدخلون تحت أي من التصنيفات السابقة، وكل ما يقومون به هو نسخ وإعادة توزيع لنصائح التقطوها عبر وسائل مختلفة. غالباً أعجبتهم هذه النصائح كما هي بدون تفكير عميق منهم فيها.

العوامل المؤثرة في صحّة النصائح

هناك كثير من الأمور تؤثر في صحة النصيحة ومناسبتها للمتلقي. ومنها:

  • المؤثر الجغرافي: بعض النصائح تناسب مناطق جغرافية وبلدان معينة ولا تناسب غيرها، الطبيعة تفرض نفسها ولا يمكن تغييرها.
  • المؤثر الإقتصادي: الوضع المالي للفرد واقتصاد مجتمع وبلد صاحب النصيحة عوامل ممكن تجعل نصيحته غير ذات جدوى وخاطئة ولا تناسب المتلقي في مكان ووضع اقتصادي آخر، ومن الخطأ تطبيقها.
  • المؤثر الثقافي: اختلاف الثقافات يؤثر في صحة النصيحة كذلك. تطبيق نصيحة تصدر من شخص من ثقافة ومجتمع معين ممكن تؤدي لمصيبة عند تطبيقها في مجتمع ذو ثقافة مختلفة.
  • المؤثر العائلي: بعض النصائح في العلاقات الأسرية لا تتناسب مع كثير من الناس الذين يعيشون في أوضاع عائلية مختلف عن صاحب النصيحة، وهناك عوامل أخرى مؤثرة يجب وضعها في الحسبان.
  • المؤثر الفردي: شريحة عمر متلقي النصيحة، وضعه النفسي، تاريخ تجاربه المتراكمة، قدراته الذهنية والمهارية، أولوياته الشخصية، كلها عوامل تؤثر في صحة النصيحة وجدوى تطبيقها.

كما نرى، هناك كثير من العوامل تؤثر في مدى دقة وجدوى النصيحة ويجب أخذها في الحسبان قبل التفكير في تبنيها وتنفيذها على المستوى الشخصي أو الجماعي. يجب التفكير في مدى حساسية النصيحة (عامة، أو في التخصص والعمل، أو في العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو حول النفس)، ثم معرفة شيء عن صاحبها (هل هي نتيجة بحث علمي أم تجربة حقيقية أم خاطرة حكيم، أم رؤية مفكر، أم ناقل مجهول، إلخ). ثم معرفة أي من العوامل ممكن تدعم أو تنفي فكرة تبنيها (هل تناسب في الصحراء أم في المناطق الباردة فقط؟، هل تناسب اقتصادنا أم اقتصاد الدول الصناعية فقط؟، هل ثقافة الشعب تؤيدها أم تقاومها؟ هل وضعي العائلي يجعلها مناسبة أم لا؟ إلخ..). كل النصائح الحياتية والعملية والاجتماعية والفردية تتأثر بعوامل مختلفة خارج سيطرة المتلقي.

أين المشكلة؟

انتشار السوشل الميديا القائم أساساً على الاختصار يعمّق من مشكلة النصائح المعلّبة وانتشارها. نصيحة ما لشخص في بلد معين ضمن ثقافة معينة ووضع اقتصادي معين ومكون أسري وفردي ونفسي معين، تصدر منه بصياغة رائعة على شكل تغريدة من حروف معدودة، أو مقطع سناب قصير، أو مشهد يوتيوب من دقائق، أو منشور فيسبوك، إلخ فتصل لشخص يقيم في أقصى الأرض يعيش تحت عوامل تأثير مختلفة جذرياً عن وضع الناصح. بسبب الكسل أو عدم الرغبة في التفكير والتعمّق فيها، ممكن يتجه المتلقي لتطبيق النصيحة بدون التوقف كثيراً عندها لأنه تبدو له منطقية وارتاح لها. بل يعيد نشرها وتصح كقاعدة عنده. الاختصار (جوّ السوشل ميديا) جيّد في مواضيع غير مؤثرة وحساسة، ولكن ممكن تكون مؤشر ضحالة تفكير عند مطلقها ومتبنيها عندما تكون في جوانب ومواضيع مختلفة.

التفكير الجاد هو عمل فردي متعب، وطبيعة الفرد أن يتّبع هواه وما يرتاح له بدون كثير من التفكير. فعندما يسمع نصيحة تبدو منطقية له، يشرع في تبنيها ونشرها وربما تطبيقها بدون كثير من التفكير. أحياناً تنجح معه، وفي كثير من الأحيان تفشل لأن هناك عوامل مؤثرة لم يفكر فيها قبل التنفيذ جعلت تنفيذ النصيحة خاطئ. فبالتالي، يستنتج أن النصيحة خاطئة وأن الناصح واهم ومزور. صاحب النصيحة ربما يكون على حق، ولكنه لم يتوسع في طرحه ليحدد مستلزمات وشروط نجاح تطبيق نصيحته، أو أنه بائع كلام بالفعل.

استقبال نصيحة شيف طبخ حول إضافة الخلّ كمكون في تجهيز وجبة تبدو لذيذة عبر مقطع يوتيوب وقرار تطبيق نصيحته، يجب أن يختلف جذرياً عن طريقة تلقّيك نصيحة رائد أعمال في سان فرانسيسكو يتحدث عن ضرورة التفرّغ بشكل تام لمشروعك والاستقالة من وظيفتك قبل البداية. النصيحة الأولى لا تحتاج كثير من التفكير فيها لأنه من الواضح أن العوامل المؤثرة في نجاحها أو فشلها ليست كثيرة، وليس هناك خسارة لو ظهر لك بأن طعم الخلّ لم يضيف مذاق رائع. ولكن النصيحة الثانية تستحق كثير من التمّهل و التفكير في العوامل التي ممكن تؤثر في مدى صحة نصيحته ومناسبتها لك. ونفس الشيء مع نصائح تطوير الذات والعلاقات الاجتماعية وغيرها.

الأوغاد الذين قالوا لنا بأن علينا صعود السلالم درجة درجة واتبعنا نصائحهم ولم نصل، ربما كانوا صادقين في نصائحهم ولم يواجهو من المؤثرات الخارجية التي تجعل نصائحهم غير قابلة للتطبيق معنا، فبالتالي ليس خطأهم وليسوا أوغاد.  
ومن المحتمل كذلك أن يكونوا أوغاد كان لديهم مصاعد لم يخبروا الناس عنها.

في النهاية، التفكير والتمعّن وتحليل النصائح قبل تطبيقها مسؤولية الفرد، وعليه لوم نفسه أولاً.

عندك بيتكوين سلف؟

يبدو أن البيتكوين عاد ليكون حديث الناس هذه الأيام حيث اخترق حاجز $10,000 لأول مرة منذ الانهيار الكبير في ديسمبر 2017. أنصار البيتكوين والعملات الرقمية يجددون إيمانهم وثقتهم في موجة التخريب الرقمي (Digital Disruption) للقطاع المالي المتمثلة في ثورة البلوكتشين والعملات الرقمية وسيدتها البيتكوين. في نفس الوقت، لازال بعض الاقتصاديين والخبراء الماليين يشككون في هذه التحولات، يحذرون منها، ويرفضون معظم أطروحات ثوّار العملات الرقمية الجدد. بل يجزمون بأنها فقاعة كبيرة ستختفي وسيكون لها ضحايا كثر.

لست خبير اقتصادي ولا مالي، ولكن الذي أعرفه أننا بلغنا مرحلة حساسة منذ انطلاقة البيتكوين قبل 10 أعوام. وكل جهود البنوك والسياسيين والحكومات فشلت حتى الآن في وأد حلم ثورة العملات الرقمية، ولو كانوا يقدرون على ذلك لما تأخروا لحظة لأنها تهديد حقيقي لنموذج عمل البنوك ومؤسسات النقد الحكومية ونماذج عمل أجزاء كثيرة من القطاع المالي. كل المحاولات حتى الآن لمواجهة هذه التحولات فشلت، ربما أبطأتها شيئاً ما ولكن لم تقتلها. وعودة ارتفاع وصعود البيتكوين يعيد الحوار بقوة على الطاولة.

ربما أكبر عيب ونقد يوجه لفكرة البيتكوين والعملات الرقمية هو ترديد البعض بأن ليس لها أصول أو قيمة ملموسة مثل الذهب والعملات التقليدية. والحقيقة أن نظرة بسيطة للبشرية عبر تاريخها تكفي للحكم بأن هذا النقطة لن تكون العامل الذي سيوقف جموحها القادم. فلطالما كان البشر إذا توافقوا واتفقوا على إعطاء شيء قيمة يصبح له قيمة لزمن يطول وينقص بحسب استمرار إيمانهم به. عندما اتفق عدد كبير من الناس أن الذهب (وهو معدن لا أكثر) هو شيء مهم وذو قيمة، أصبحت له قيمة استمرت منذ مدة طويلة، وقام على أساسه اقتصاد أمم وشعوب.

البشر كذلك يتفقون على إعطاء أمور كثيرة قيمة كبيرة، ويبنى عليها اقتصاد وحروب وتاريخ. فعندما اتفق الهندوس على إعطاء البقرة كل تلك القيمة، قام عليها دين ومذاهب واقتصاد وحروب. وعندما اتفق البشر على إعطاء بعض أنواع الفن قيمة عالية مثل اللوحات الفنية القديمة والآثار قام عليها كذلك مشاريع وقطاعات واقتصاد ومتخصصين ووظائف.

المسألة هي اتفاق عدد كبير من الناس أن لشيء ما قيمة حقيقية بغض النظر عن رأي شرائح أخرى، فيبدأون في تداولها والمتاجرة بها منطلقين بقناعة قيمتها، فينشأ عن ذلك أعمال ومشاريع واقتصاد. ثم مع الوقت تتسع الشريحة التي تؤمن في قيمة ذلك الشيء الذي آمن به من قبلهم، فتزداد قيمته ويصبح جزء من الحياة الاقتصادية وحياة المجتمعات بشكل عام.

أما مسألة التشريعات والقوانين فهي قابلة للتغيير إذا ضغط عدد كافي كبير من الناس لتغييرها. والتشريعات الاقتصادية والمالية هي في نهاية المطاف مثل غيرها من التشريعات الاجتماعية والسياسية تخضع لضغط أصحاب السلطة ومجموعات ضغط المجتمع ودوائر التأثير. قبل 100 عام ربما لم تكن هناك دول غربية تسمح بزواج المثليين أو تعترف به كزواج رسمي. ولكن مع الوقت وتغير المناخات السياسية وقوى الضغط والمجتمعات، تغيرت التشريعات لتعترف به، وقد كان شيء من ضرب الخيال لا يتخيله أحد. وغيرها الكثير من التشريعات التي تغيرت مع الوقت بناءً على عوامل تأثير مختلفة.

موجات التخريب الرقمي Digital Disruption ضربت قطاعات كثيرة منذ بداية الإنترنت قبل 25 عام (التجارة التقليدية، الإعلام، السفر والسياحة، إلخ)، وفكرة البلوكتشين والعملات الرقمية حتى الآن تبدو التطبيق التخريبي لنماذج عمل البنوك والقطاع المالي القديمة. لا أعتقد هناك عاصم أمام تحولات وآثار تمدد التكنولوجيا في حياة المجتمعات. هل البيتكوين بالذات هي الابتكار الذي سيتسيد موجة التغيير هذه؟ حتى الآن يبدو ذلك، ولكن الزمن سيحكم.

عن قداسة ظهيرة السبت

فترة ظهيرة السبت تبدو دائماً حالة ملفتة بين فترات وأيام الأسبوع. فتور لذيذ، فجأة أشعر أن الحياة توقفت; لا اتصالات ولا مواعيد ولا مهام، لا أنتظر أحد ولا أحد ينتظر مني شيء.

شعور بالخمول الذهني والبدني، العقل يمر بحالة إعادة شحن بعد استهلاكه طوال الأسبوع، بالكاد أفتح عينيّ أو أركز تفكيري في شيء محدد. جسدي يتجهز لتخزين طاقة أبدأ في استنزافها بشكل خفيف باقي اليوم، ثم أحرقها باقي أسبوع العمل.

من يحاول اختراق جوّي في هذه اللحظات في الغالب أنه لم يجرّب هذا الهدوء، وبالتالي لا يقدّر قداسة ظهيرة السبت.

هناك متعة في أن لا أفعل شيء، أن لا أفكر في شيء، أن أحاول أن لا أتحرك كثيراً بل أستمتع بالتقلّب يمنياً ويساراً حتى ينتهي هذا الوقت.

كل شيء ملحوق عليه، كل شيء عليه أن ينتظر. طوال الأسبوع بين مطاردة ومتابعة أو انتظار قرارات الحياة. فعلى الحياة أن تنتظر قليلاً..

مجدداً مع اعترافات تولستوي

حدثتني نفسي هذا اليوم أن أعود لقراءة اعترافات تولستوي. هذا الأديب العالمي العظيم الذي يعتبر مكسب كبير للإنسانية جمعاء وللأدب العالمي، وثّق اعترافات صراعه مع أسئلة الحياة الكبرى في كتاب صغير من أعظم ما قرأت.

عندما بلغ تولستوي الخمسين من العمر، كان في قمة المجد والشهرة بفضل غزارة إنتاجه الأدبي، جمع ثروة مالية وأراضي وممتلكات، وكان لديه عائلة كبيرة، وصحته في أفضل حال. ولكن عادت له أسئلة الحياة التي كان يهرب منها في شبابه. فقد كتب يوماً في شبابه:

“هناك مسائل مجهولة ينبغي لي أن أجيب عنها، وتلك هي: لماذا أعيش؟ وما السبب في وجودي؟ وما الغرض منه وما معنى هذه التفرقة بين الخير والشر التي أحس بها في دخيلة نفسي؟ وكيف ينبغي أن أعيش؟ وما الموت؟ وأين سبيل الخلاص؟”.

ولأجل البحث عن إجابات، تحول من مجال الأدب إلى عالم الفلسفة الذي قرأ فيه ثلاثين عام، ولكن الفلسفة والعلم كليهما لم ينتهيا به إلى غاية، وقد أسف تولستوي أشد الأسف إذ تبيَّن أن آراء هؤلاء الحكماء — كما يقول:

“واضحة جلية دقيقة حينما تبتعد عن مشاكل الحياة المباشرة، ولكنها لا تهدي الحائر إلى سبيل، ولا تبعث الطمأنينة إلى القلوب الضالة القلقة، وكلها يقصر دون سؤالي الذي طالما حِرت فيه، وذلك هو: لماذا نحيا؟”

وبعد أن ترك الأدب ثم الفلسفة توجه إلى الدين، وهي المرحلة الثالثة من حياته. فأعاد النظر في مفاهيم المسيحية وعقائدها ووجد الفساد ينخرها. في كتابه “اعترافاتي”، يوثّق تولستوي مسيرته الفكرية ومحاولاته للوصول لإجابات عن الحياة. الكنيسة بالطبع لم تكن سعيدة بكتابه واكتفت بمصادرته في البداية، ثم باعتباره زنديقاً وحرمانه من رحمتها. تم وصف تولستوي بالثوري الفوضوي رغم أنه كان يؤمن بأن الثورات فوضى وكتب حول ذلك. ويقال أنه لم يمهّد لثورات لينين وتروتسكي والشيوعية أحد مثلما مهدت لها اعترافات تولستوي وكتاباته اللاحقة في الشأن العام، رغم أن مبادئه وأفكاره في مرحلته الثالثة تتعارض بشكل جذري مع الشيوعية التي تأثرت به.

يقول تولستوي في بداية اعترافاته:

منذ خمس سنوات حدث لي أمر عجيب جدًّا، كانت تمر بي في مبدأ الأمر لحظات من الحيرة والارتباك في الحياة، كأني لم أعرف كيف أعيش أو ماذا أعمل، وأصابني الخور والاكتئاب، ثم انقشعت هذه السحابة المظلمة، وواصلت العيش كما كنت أفعل من قبل، ثم عاودتني لحظات الحيرة أكثر من ذي قبل، وكانت تتخذ دائمًا صورة واحدة، وأرَّق جنبيَّ هذا السؤال: لماذا كل هذا؟ وإلامَ يؤدي بنا؟

وبدا لي أول الأمر أن هذا السؤال وما يشبهه نابٍ لا يؤدي إلى غرض، وظننت الأمر جليًّا واضحًا، وأني إن أردت أن أجد للمشكلة حلًّا فإن ذلك لا يكلفني جهدًا كبيرًا، إلا أن الوقت لم يتوفر لي في تلك اللحظة الراهنة، وليس أيسر لي من أن أجد لسؤالي جوابًا إن أنا أردت ذلك، وأخذت هذه الأسئلة تخطر لي في فترات متقاربة، وألحت عليَّ إلحاحًا بحيث لم يعد لي مندوحة عن الإجابة عنها، وأضحت كقطرات المداد تسقط في مكانٍ واحدٍ فتتجمع حتى تصبح بقعة واحدة سوداء.

وحدث لي ما حدث لكل من يقض مضجعه مرض باطني قاتل، تبدو على المريض أولًا أعراض طفيفة من التوعك لا يعيرها التفاتًا، ثم يتكرر ظهور هذه الأعراض حتى تصبح فترة واحدة متصلة من العناء والألم، ويشتد الألم، وقبل أن يستطيع العليل أن يلتفت حواليه يجد أن ما كان يحسبه توعكًا طفيفًا قد بات لديه أهم شيء في الحياة، إنه الموت!

ذلك ما حدث لي، وأدركت أنه لم يكن توعكًا طارئًا، وإنما هو أمر جلل، كما أدركت أنه لا مناص من الإجابة عن الأسئلة التي ترد على خاطري ما دامت لا تني عن الإلحاح، وحاولت بالفعل أن أجيب عنها، وبدت لي سخيفة ساذجة صبيانية، وما كدت ألمسها وأحاول الإجابة عنها حتى اقتنعت في الحال «أولًا» بأنها ليست صبيانية سخيفة، إنما هي أهم مسائل الحياة وأبعدها غورًا و«ثانيًا» بأني مهما حاولت لن أجد لها حلًّا، وقبل أن أشغل نفسي بضيعة «سمارا» أو بتربية ابني أو بتأليف كتاب، كان لا بُدَّ لي أن أعرف لماذا أفعل ذلك، وما دمت لا أدرك السبب لم أستطع أن أفعل شيئًا، بل ولم أستطع أن أعيش، فإني انصرفت إلى إدارة ضيعتي — الأمر الذي شغلني كثيرًا في ذلك الحين — قفز إلى ذهني في الحال هذا السؤال: «نعم سيكون لي ستة آلاف دزياتنا من الأرض في حكومة «سمارا»، وثلاثة آلاف جواد، ولكن ماذا بعد هذا؟» … وتبلبلت خواطري، ولم أدر فيم أفكر، وإن فكرت في الخطة التي أسير عليها في تربية أبنائي قلت لنفسي: «ولكن لماذا؟» وإن فكرت في طريقة للترفيه عن الفلاحين، سألت نفسي في الحال: «وماذا يهمني من ذلك؟» وإن فكرت في الشهرة التي تجلبها لي مؤلفاتي حدَّثت نفسي قائلًا: «حسنًا، إنك ستصبح أبعد صيتًا من «جوجول» أو «بوشكن» أو «شكسبير» أو «موليير» أو أرفع ذكرًا من كتَّاب العالم طرًّا — ولكن أي طائل لك من وراء ذلك؟» ولم أستطع البتة أن أجد لذلك جوابًا، ولم تمهلني الأسئلة، وكان لا بُدَّ لي من الإجابة عنها توًّا، وإن لم أجب عنها استحالت عليَّ الحياة، ولكني لم أجد جوابًا. وأحسست أن ما كنت أستند إليه قد انهار، وأني لم أعد أجد لي عمادًا، إن ما عشت من أجله لم يَعُد له وجود، ولم يبق لي في الحياة غرض.

آلت حياتي إذن إلى الركون، فكنت أتنفس وآكل وأشرب وأنام، ولم يكن لي بدٌّ من ذلك، ولكن لم يكن للحياة عندي وجود؛ لأني لم تكن لديَّ رغبات أستطيع أن أعتبر تحقيقها أمرًا معقولًا، إن رغبت في شيء، أدركت سلفًا أني سواء أشبعت رغبتي أم لم أشبعها لن أظفر من ورائها بطائل، ولو أن جنية هبطت إليَّ وتطوَّعت بتحقيق رغباتي لما عرفت ماذا أطلب، وإن كنت في لحظات النشوة أحس بشيءٍ إن لم يكن رغبة فهو عادة خلَّفتها الرغبات السابقة، فإني في لحظات الصحو أدرك أن هذه الرغبة وهم باطل وأن ليس لي في الواقع ما أشتهيه، بل إني لم أرغب حتى في معرفة الحقيقة لأني أدركت ما تنطوي عليه، وكنت أشبه شيء برجل أمعن في مسيره حتى بلغ حافة جبل شديد الانحدار فرأى بجلاء أنه لم يَعُد أمامه غير الهلاك، وكان يستحيل عليَّ أن أقف، ويستحيل عليَّ أن أتقهقر، ويستحيل عليَّ أن أغمض عيني، أو أن أغض الطرف عن هذه الحقيقة: وهي أنه لم يبق أمامي سوى الألم والموت المحقق — وذلك هو الهلاك المطلق.

كنت إذن رجلًا سليم الجسم موفور الثراء، ومع ذلك أحسست أني لا أستطيع مواصلة العيش، ودفعتني قوة لا تقاوم إلى أن أخلص نفسي من الحياة بطريقة ما، ولا أستطيع أن أقول إني «رغبت» في الانتحار، ولكن القوة التي كانت تجذبني بعيدًا عن الحياة كانت أقوى وأعظم وأبعد مدى من أية رغبة أخرى، وهي شبيهة بقوة الجهاد السابق في سبيل الحياة، غير أنها تسير في اتجاه مضاد، جذبتني كل قوتي بعيدًا عن الحياة، وتواردت على ذهني خواطر الموت بصورة طبيعية كما تواردت على خاطري من قبل الأفكار المختلفة عن كيفية إصلاح حياتي، وكانت هذه الخواطر الجديدة شديدة الإغراء حتى كان لزامًا عليَّ أن أكون لبقًا مع نفسي خشية أن أتسرع في إخراجها إلى حيز التنفيذ، ولم أشأ أن أتعجل؛ لأني أردت أن أستخدم كل جهد لحل المشكلة، وقلت لنفسي «إن لم أستطع توضيح الأمور فسوف يكون لديَّ دائمًا متسع من الوقت» وفي ذلك الحين — وأنا رجل حباني الحظ السعيد — أخفيت عن نفسي حبلًا خشية أن أشنق نفسي به على حامل وسط غرفتي كنت أخلع عليه ملابسي وحيدًا كل مساء. وامتنعت عن الخروج للصيد بالبندقية خشية هذه الطريقة اليسيرة للقضاء على حياتي، ولم أعرف أنا نفسي ماذا أريد، كنت أخشى الحياة، وأرغب في الفرار منها، ومع ذلك كنت أرجو من ورائها شيئًا ما.

أستطيع — دون أن أخدع نفسي كثيرًا — أن أعتبر اسمي ذائع الصيت، ولم أكن البتة مجنونًا أو مريض العقل، بل على العكس من ذلك كنت أتمتع بقوة ذهنية وبدنية قلَّما صادفتها بين أضرابي من الرجال، فكنت أستطيع من الناحية البدنية أن أجاري الفلاحين وهم يحصدون الزرع، وكنت أستطيع من الناحية العقلية أن أعمل ثماني أو عشر ساعات متواصلات دون أن أشكو وخيم العواقب من هذا الإجهاد، وانتهيت وأنا في هذا الموقف إلى أني لا أستطيع العيش، ولما كنت أخشى الموت كان لا بُدَّ لي أن أمكر مع نفسي كي أتجنب الانتحار.

باقي اعترافات تولستوي في كتابه الذي يمكن الحصول عليه بالمجان هنا.

لا يمكنك التعلّم وأنت تتحدث طوال الوقت

كنت أراجع اليوم يوميات وملاحظات شخصية قديمة غير منشورة كتبتها قبل 10 أعوام. يمكنني القول أن حجم ما اكتشفته وتعلّمته حول النفس البشرية خلال السنوات الخمس الماضية في كفة، وكل ما قرأته واطلعت عليه باقي حياتي قبلها في كفة أخرى. بل بدون مبالغة، أستطيع القول أن كثير مما كنت أعتقده من حقائق وقواعد حول العلاقات مع الناس والتواصل الإنساني إما خاطئ، أو ساذج يحتمل نسبة بسيطة من الصحة. السنوات الماضية كان معظم تركيزي في القراءة والاطلاع على جوانب النفس البشرية المختلفة سواءً عبر الأعمال الأدبية كالروايات أو الأفلام أو المحاضرات.

لا يمكنك التعلّم وأنت تتحدث طوال الوقت. عندما تكون في مرحلة جامحة من حياتك تهتم بالكثير من الأمور بنفس الدرجة وفي نفس الوقت، تنافح عن آراء وكأنها عقائد، تدخل في نقاشات حادة وجدلية، تتصادم بشكل مقصود أو غير مقصود، في الغالب ليس هناك وقت لديك للتفكير والتركيز والتأمل والتعلّم. تحتاج كثير من الهدوء والعزلة والصمت حتى تسمح لنفسك بالاطلاع والقراءة، ولعقلك بالتفكّر والتأمل.

اكتشافاتك الجديدة ستصيبك ربما بشيء من الصدمة، شيء من اهتزاز الثقة، وكثير من التردد. الصدمة من قصر فهمك وحجم ثقتك المفرطة في منطلقاتك السابقة، والتردد من خوض تجارب وعلاقات جديدة خوفاً من اهتزاز وسقوط قناعاتك الجديدة مثلما سقطت السابقة.

حجم عمق استثماراتك السابقة في بناء العلاقات سيكون عامل مؤثر يصيغ علاقاتك المستقبلية بعد مرحلة الانكشاف هذه. إذا كانت علاقاتك سطحية، لم تعطي من قلبك، ولم يكن الصدق والإخلاص عنوانها، فلن تشعر بكثير من الأسى لأن خسائرك ليست عميقة، فقد كنت حذراً طوال الوقت وستواصل كما أنت. أمّا إذا كنت تعطي من قلب، تحب من قلب وتصادق من قلب، توفي بالوعد والعهد، تقف وتواصل حتى وإن غادر الآخرين، ففي الغالب ستسعى مستقبلاً للتقليل بقدر ما تستطيع من بناء أي علاقات جديدة تتجاوز مصالح قصيرة المدى، مباشرة وواضحة الحدود خوفاً من تكرار تجارب الماضي، ولا بأس في ذلك..

بورغيد تريد أن تبصر

بقي على نهاية الربع الثاني من هذا العام 10 أيام. هذا اليوم مضى في مراجعة ما عملنا عليه منذ بداية السنة. كثير من الأمور معلّقة بعوامل خارج تحكمنا؛ أصحاب قرار في إجازة الصيف، أو عملاء/شركاء محتملين يحتاجون مزيداً من الوقت. النمو في رواق و رسال خلال النصف الأول من هذا العام رائع، ولو بيدنا لعجّلنا وسرّعنا في العمل أكثر، ولكن في النهاية أي كيان محكوم بموارد بشرية ومادية وعوامل خارجية يجب وضعها في الحسبان عند التخطيط والتنفيذ بشكل متوازن يساعد في الاستقرار والنمو بشكل معقول.

أجّلت كتاب مارك مانسون الجديد لوقت لاحق، وبدأت الأمس واليوم في قراءة كتابين ممتعين في نفس الوقت. كتاب العظيم سارامغو “سنة 1993”، وكتاب بورغيلد دال ”أردت أن أبصر".

سنة 1993 عبارة عن نصوص وقصائد عميقة معظمها تحتاج جهد كبير في التفسير والتفكير وإعادة القراءة أكثر مرة لمحاولة فهمها، كتبها جوزيه ساراماغو في السبعينات الميلادية في مرحلة دقيقة من أيام حكم الدكتاتور سالالزار للبرتغال. نصوص تخيلية عن عام ١٩٩٣ يمكن تصنيفها من نوع الديستوبيا.

كتاب “أردت أن أبصر” سيرة ذاتية لمعلّمة كانت تعاني من شبه عمى، وأبصرت عندما أصبح عمرها 52. تقول بورغيد: “كان في ذهني دائماً شعور كامن بالخوف من العمى التام؛ وللتغلب على هذا كنت أعيش دائماً حياةً مرحةً صافيةً مبتهجةً في كل لحظة”. كانت تخاف من المستقبل فاختارت أن تستمع بالحاضر بأقصى ما يمكنها، هذه فكرة حسنة.

لماذا قراءة كتابين في نفس الوقت أحدهما متشائم وعدمي، والآخر ملهم ويحتفل بالحياة؟ لا أعلم، ربما لأنني أجد في هذه النوعين من الأدب متعة من نوع فريد في كل نوع. والإنسان يتأرجح في أيامه بين التشاؤم والتفاؤل.

حياة فاشل، والحقيبة المثالية

توقفت اليوم عند مبنى مكتبة جرير الجديد في أبحر الجنوبية في الطريق للمنزل. لم أكن أنوي شراء شيء محدد، بل مجرد فضول لرؤية مساحة قسم الكتب، ومعرفة حجم التنوع وهل بقي للكتب متنفس أم تغوّلت عليها الأجهزة والمعدات وقلّّصت من مساحتها.

الحقيقة أن مساحة قسم الكتب كانت مفاجئة، حيث احتلت حوالي ربع مساحة المكتبة المكونة من دورين ككل (نصف الدور الثاني خاص بالكتب)، أفضل مما توقعت. كما أن تنوع الكتب كان مقبول بالذات في قسم الروايات والأدب، حيث تواجدت أعمال دور النشر الجادة بشكل بارز.

من بين كل رفوف الكتب وأغلفتها، استوقفني كتاب يحمل عنوان “حياة فاشل”، وهو سيرة ذاتية للأستاذ حامد عباس، نائب رئيس تحرير صحيفة عكاظ سابقاً، ولاعب كرة قديم لم يوفق. في ظل عالم يموج بالكذب والنفاق وقصص النجاح المفبركة والتزوير من الصفر، لفت انتباهي عنوان السيرة الذاتية فضلاً عن الصورة الوسيمة للمؤلف. شعرت أن هذا شخص رايق أو قفلت معاه، وأنا أحترم اللي يوثقون مشاعرهم بالذات وقت ما تقفل معهم. اشتريت الكتاب فقط لأجل العنوان وصورة المؤلف، بغض النظر عن المحتوى كيف سيكون.

في طريقي للخروج توقفت عند قسم الحقائب، ووجدت ما يمكنني وصفه بالحقيبة المثالية من ناحية التصميم والحجم والوزن، وستغني عن حقيبة الليتواني.