64 تدوينة

يوميات

أفكار وخواطر حول أمور لفتت انتباهي وتمر علي في حياتي الشخصية والعملية. سلسلة تدوينات قصيرة لأجل التعود على الكتابة بشكل مستمر
فؤاد الفرحان

آخر يوم في العام، آخر يوم لي في رواق

حسناً، هذا اليوم صعب. هذا هو اليوم الأخير من هذا العام (2019)، وفي نفس الوقت هو اليوم الأخير من عملي كمدير تنفيذي في رواق - المنصة العربية للتعليم المفتوح، المشروع الحلم الذي تشرفت بتأسيسه مع الشركاء، وتفرّغت لإدارته منذ تأسيسه قبل 6 سنوات.

انطلقت الدراسة في رواق فعلياً بتاريخ 1/1/2014. في 6 أعوام من العمل الدؤوب تشرّفنا:

  • بخدمة 3.5 مليون مسجل (enrollments) عربي من حول العالم
  • انضموا للدراسة في 537 مادة/دورة/مساق متنوعة بين عشرات التخصصات انتجتها رواق
  • حوالي ربعهم (23%) أكملوا دراسة كافة محتويات الدورات التي انضموا لها، وهو ضعف المعدل العالمي في منصات التعليم المفتوحة MOOC Platfroms.
  • الأغلبية العظمى من انتاج رواق التعليمي كان بالتعاون المباشر مع الأكاديميين والمحاضرين الجامعيين بشكل مباشر عبر برنامج سفراء رواق والتواصل المباشر، والباقي كان بالشراكة مع 25 جهة تعليمية ورسمية.
  • مجموع مشاهدات رواق تجاوزت مليون ساعة تعليمية.
  • 40% من طلاب رواق هم من السعودية، والباقي من حول العالم.
  • خلال العامين الماضية فقط قام فريق رواق بالرد على 50 ألف رسالة وردتنا من طلاب رواق.
  • ساعدنا عدد من الباحثين في إجراء دراسات تحليلية واستقصائية حول تجارب التعليم الالكتروني، وتم نشر عدد من الأبحاث المحكّمة حول نتائج الدراسة في رواق وكانت إيجابية بشكل استثنائي.
  • أسسنا منصة أعناب (منصة التدريب الرقمي للمعلمين العرب) بالشراكة مع الشركاء في شركة إمكان

أيّ شرف هذا حصلت عليه؟ فخور جداً برواق ونجاحاتها، وفخور بأن الله سخرني وفريق رواق لخدمة الناس وأمّتنا العربية من خلال تسهيل نشر العلم والتعليم حول العالم. فخور بأن بين طلاب رواق فئة من المهجّرين وضحايا الحروب التي تجري في المنطقة، وجدوا في التعليم من خلال رواق عزاء وفائدة لهم ربما تعينهم يوماً في الأيام وتعطيهم الأمل الذي يحتاجوه.

فخور بأن رواق بدأت باستثمار شخصي من المؤسسين، واستمرت ونمت نمو داخلي من العائدات. فخور بأن رواق خلال الثلاث الأعوام الماضية كانت تجني أرباح وتتوسع.
خلال الربع الماضي قمنا بوضع استراتيجية رواق للأعوام الثلاث القادمة والتي تحمل رؤية واضحة لشكل رواق في المستقبل وما تقدمه من خدمات. مستقبل رواق يتطلّب وجود إدارة تنفيذية وقيادة جديدة بروح وحماس جديد، ومن هنا قررت قبل عدة شهور مغادرة منصبي نهاية هذا العام . أرى أن ٦ سنوات هي مدة كافية جداً لمرحلة البناء والتأسيس، وهي مرحلة تستنزف كل الجهد والمشاعر والمال والوقت لدى من يقودها.

الشكر لكل من آمن بنا ودعمنا وساندنا في رواق، الشكر للمحاضرين المبادرين الذين نثروا محتواهم التعليمي عبر رواق، الشكر للطلاب الذين لم يتوقفوا عن الاستفادة من ما نقدمه، ولم يتوقفوا عن المطالبة بالمزيد، الشكر للاجئين الذين كان أعظم من يلهمنا بتفاعلهم، الشكر لكل من دعمنا في الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام ونقل جديدنا وأخبر الناس عنّا. الشكر لسفراء رواق الذين قاموا بمساندتنا وتمثيلنا في الفعاليات وتعريف الجمهور والمحاضرين على رواق.

الشكر لفريق رواق الملهم الذين تعلّمت منهم ومن إصرارهم وتفانيهم وعطائهم. فريق رواق الذي هو الأساس وسرّ كل هذه النجاحات هو فريق صغير العدد (23 فرد). شكراً (أبجدياً) أبرار الرفاعي، أفنان الغامدي، أكرم الصحفي، ابراهيم أبو قبع، حمد عماد ساليمي، خالد زيات، خلود الوشطان، دانية آشي، رؤيا بنعطية، سهام المبارك، عبد الرحمن أبو بكر، عبد الله شديدي، علي السلمان، عمر خرسه، فهد عدّي، محمد نجم، معاذ الناصري، منة الله أحمد، مينا لوقا، هاجر علي، هيا التريكي، ياسين بوركبة، ياسين بوصبع. الشكر لمن عمل معنا ونسينا اسمه، ولمن يعمل لأجل رواق بدون أن نعلم اسمه وهم كثر.

دروس رواق كمشروع ريادي ذو تأثير اجتماعي ويسعى للربح من ناحية التأسيس والاستمرارية كثيرة وعظيمة، وربما أتعرض لاحقاً في تدوينات أخرى لبعض منها. بداية رواق كانت صعبة، واستمرارها رغم كل الصعاب والتحديات التي واجهناها خلال 6 سنوات هو بفضل الله ثم بفضل العمل الدؤوب والإصرار على النجاح، أما مستقبل رواق فهو مبهر بإذن الله.

لا أحدَ وراءكَ، ولا أحدَ أمامكَ فقد انغلقَ الطريق الذي شقّه الأسلاف

وصلتني قبل حوالي أسبوعين هدية ثمينة، ديوان شعر بعنوان “خزانة الشعر السنسكريتي”، وهو عبارة عن مجلد لقصائد مختارة من الأدب السنسكريتي قبل 4000 عام، معظمها قصائد قصيرة. كل صباح أستمتع بقراءة بعض القصائد مع التأمّل فيها. القصائد التي راقت لي بينها كثيرة، هنا كمثال:

الطريق المهجور
لا أحدَ وراءكَ، ولا أحدَ أمامكَ
فقد انغلقَ الطريق الذي شقّه الأسلاف
والطريقُ الآخرُ، الطريقُ الذي يسلكه الجميع،
ذلك الطريُق الممهدُّ الشاسعُ لا يقودُ إلى أي مكانٍ
ها إنني وحدي وقد وجدتُ طريقي..

الرجل الصالح
ألا تشعرُ السلحفاةُ بعبءِ ما تحمله
بحيث لا تلقي بالإرض من فوق ظهرها؟
ألا يشعرُ مضيءُ النهار بالتعبِ
من حركتهِ الدائبةِ التي لا راحة فيها؟
بالأحرى، فإن الرجلَ الجديرَ بالثناء سيشعر بالعارِ
لتخليهِ بدناءةٍ عن المهمةِ الملقاةِ على عاتقهِ
إن أقدسَ العهودِ التي يلزمُ بها الرجلُ الصالحُ نفسه
هو وفاؤه بالوعدِ..

الشاعر المزهو
هل ثمةَ أحدٌ يسخرُ من شعري؟
ألا فليعلموا أنني لا أكتب لهم
ثمة شخصٌ ما في مكانٍ ما وفي زمنٍ ما سوف يفهمُ ما أكتبه
فما من نهايةٍ للزمنِ وشاسعٌ هو العالم..

قلوب عظيمة
من بوسعهِ أن يفهمَ
قلوبَ العظماءِ حقاً،
والتي هي أكثر صلادةً من الماس
وأرقُّ من الأزهار؟

الطريف أن هذه الهدية الكريمة وصلتني كاعتذار بعد سوء فهم كنت قد سجلت موقف تجاهه، وبعد اعتذار الطرف الآخر مباشرةً اعتبرت ما حصل كأنه لم يحصل لأنه كان بدون قصد.
والآن أنا ممتن للخطأ الذي وقع وأزعجني وقتها، فلولاه لما تكرّم صاحبه بالمبالغة بالاعتذار وإرسال هذا العمل البديع. شكراً لصاحب الهدية وشكراً للصدف والظروف حتى التي تبدو لنا لحظتها سيئة ومزعجة، فربما يكون خلفها أمر يسرّنا يوما ما..

تعاني من ذاكرة هزيلة مثلي لا تحتفظ بالأسماء؟ ربما تساعدك هذه الحيلة..

مررت صباح اليوم بقهوة مريم، كالعادة وأنا في طريقي للمكتب. قهوة مريم هي المقهى المفضل عندي مؤخراً. مقهى صغير، ديكور لطيف، صاحب المقهى وفريقه في غاية الدماثة والترحاب. تتعامل الشمس مع المقهى بأسلوب حميمي، حيث ترسم أشكال بديعة ومريحة جداً للنفس عند دخول أشعتها من الواجهة الزجاجية وسقوطها على ديكور المقهى الجميل. وشمس الشتاء الصباحية هي من الأشياء المقرّبة جداً لنفسي مؤخراً.

وأنا في المقهى، بادرني أحد الكرماء بالسلام. كان أسلوب تحيته وسلامه وكلامه من النوع الذي تستقبله من شخص يعرفك وقابلك من قبل، ويتوقع منك أن تتذكره وتعرفه بدون شك. المشكلة أنني شخص مبتلى بذاكرة ضعيفة جداً مع أسماء وأشكال الأشخاص الذين أسعد بمقابلتهم مرة أو مرتين على فترات متباعدة، لا تحتفظ ذاكرتي بأسمائهم ولا أشكالهم. وبالتالي أقع في حرج كبير، أقابل السلام والتحية والقبلات والترحيب بمثله وكأنني أعرف المبادر الكريم، وأنا في الحقيقة لا أعلم من يكون، وأحتاج مساعدة ما لتذكيري باسمه ومن يكون. مع الوقت ابتكرت طريقة فعّالة تساعدني في استذكار اسم المبادر بالسلام ومن يكون بعد الانتهاء من التحية والسلام.

طريقتي التي قررت مشاركتها مع الذين يعانون مثلي من ذاكرة ضعيفة الحفظ للأسماء والأشخاص هي كالتالي:

  • إذا بادر بالسلام والمصافحة اليدوية فقط، فهذا غالباً يعني أنه يعرفني ولكن يعلم أنني لا أعرفه بشكل جيد أو أنني لم أقابله من قبل. فبالتالي يجري الحوار بعد السلام نحو التعارف والحوار القصير حول شيء ما.
  • إذا بادر بالسلام السعودي المعتاد (توزيع القبلات الجانبية) ونبرة الصوت الحميمية، فهذا يعني أنه يتوقع أنني أعرفه وقابلته من قبل، وأنه يتوقع مني حوار بين شخصين يعرفان بعض. في هذه الحالة، إذا كنت تذكرت اسمه ومن يكون، فقد كفى الله المؤمنين شرّ القتال. ولكن في الغالب تخذلني ذاكرتي فأقوم باللجوء لتكتيكي المبتكر والمجرّب بنجاح.
  • بمجرد الانتهاء من السلام السعودي الحميمي، اسأله: "الله! (مع إضافة مدّة الدهشة في الوسط)، متى آخر مرّة تقابلنا يا رجل؟" هذا السؤال الخادع هدفه أن أجعله يساعدني بالتذكر بدون أن يعرف أنني ضائع ومفوّت. فيبادر بذكر آخر مرّة تقابلنا لأنه حتماً يتذكر، وإلا لم يبادرني بالسلام والتحية. غالباً يذكر الزمان والمكان، جوابه على نحو: “تقابلنا قبل حوالي ٦ شهور، في كذا وكذا،..”. إذا نجح جوابه في تذكيري بمن يكون، فقد تحقق الهدف وخرجت من المأزق.
  • إذا لم يكن جوابه كافي لتذكيري بمن يكون، أبادره بالسؤال الخادع الثاني: “معقول؟ لا يا رجل! أظن أبعد من ذلك!”. بالطبع يبادر فوراً بالتأكيد على كلامه، ويبدأ بتذكيري عن تفاصيل اللقاء والسبب وماذا فعلنا. جوابه على نحو “أكيد قبل 6 شهور، في مكتب فلان، كنت أنت قادم من كذا وكان الحديث عن موضوع كذا وكذا..”. في 90% من الحالات تكون هذه المعلومات كافية لي لكي أتذكر من يكون وربما اسمه، وبعدها أقول: “ايوه والله صحيح! والله الوقت يمرّ بسرعة إلخ..”، ثم ابدأ أسأله عن مواضيع تذكرتها من ذلك اللقاء للتأكيد على أنني عرفته وأن ذاكرتي جيدة!

في أغلب الأحيان تنفع هذه الحيلة لمساعدة ذاكرتي للخروج من المأزق، أطرح عليه سؤالين كأنها من شخص يعرفه ومن يكون ولكن يحاول يتذكر فقط آخر لقاء معه. وفي الحقيقة هي سؤالين من شخص محرج أن يقول لشخص يسلّم عليه بحميمية أنه ناسي اسمه ومن يكون، ولا يريد الاعتراف مباشرة بذلك حتى لا يفهم شيء سلبي غير مقصود.

اليوم جرّبت الطريقة مجدداً في قهوة مريم، ونجحت كالعادة لتذكيري باسم الكريم المبادر بالسلام ومن يكون. بعدما غادر الشخص، أتاني ذلك الشعور المخجل الذي يأتيني كل مرة بعدما أجرّب هذه الطريقة; شعور أنني خدعت شخص لا يستحق الخداع. في الحقيقة لم أقصد خداعه، ولكن ماذا أفعل بذاكرة هزيلة مثل ذاكرتي!؟

وهل هناك هدية أجمل من كتاب جيّد مرفق بأنبل المشاعر والحب؟

هناك، حيث تتقزم الفضاءات الشاسعة ويتباطأ الزمن السريع، حيث تتفاجئ روحك عندما تجد أنها في مواجهة روحك، ليس هناك كثير مما تفعله غير التفكير بالأمور الجميلة التي تنوي عملها يوماً عندما تخرج فتبتسم، والأمور التي كنت تفعلها بشكل روتيني وتفتقدها الآن فتتكدر لأنك لم تكتشف جمالها إلا للتو، والأحداث التي كنت تنتظرها بشغف فتُغتَص لأنها ستحدث رغماً عنك في غيابك ولن تحضرها.

هناك، كنت أشعر بالغصّة على فوات حدثين كنت أنتظرهما بلهفة في ديسمبر; حفل تخرّج خطّاب، و معرض الكتاب. ولكن كتب الله أن تجري أقداره بلطفه وأحضر كلاهما، فسبحان من أخرج يونس من بطن الحوت.

ينتهي اليوم معرض الكتاب في جدة لهذا العام، زرته ثلاث مرّات وتزودت منه تزّود متلهف لا يضمن زيارته مجدداً. لا يوجد شيء مضمون عندما تفقد الشعور بالأمان، المضمون هو شرخ عظيم يتعمّق في داخلك يوماً بعد يوم. فإمّا تقضي أيامك محاولاً وقف تجذره وترميمه، أو تستسلم وتتعلّم أن تتعايش معه محاولاً أن تستمع بكل تجربة على أنها غير مضمونة التكرار، وكل علاقة على أنها مؤقتة، وكل لحظات سعيدة على أنها لن تتكرر.

90% من مقتنياتي كانت روايات وسير ذاتية. آخر 6 سنوات كان معظم كتبي عبارة عن روايات وسير ذاتية لأنني وجدتها خير معين يساعد المرء على التحليق بعيداً عن الواقع والحياة اليومية وضغوط الأعمال والأحداث المحيطة.
لم أعد مهتم بكتب البزنس لأنني وجدت مقالات البزنس المطولة تكفيني إذا ترافق معها ممارسة عملية راصدة وتحليلية.
لم أعد مهتم بالقراءة الجادّة في جوانب الفكر والسياسة والاجتماع لأنها ستقودني للمقارنة والتفكير والتحليل، وهذا سيجذبني بشكل آلي لمتابعة الأحداث، وبالتالي سأجلب لنفسي ما أجاهد في إبعاده عن روحي من تشاؤم وقلق.
نقرأ الروايات لأنها تساعدنا في التحليق بعيداً في عوالم تدهشنا وحياة تغرينا، أعمال أدبية تضفي لحياتنا اليومية شعور بالدهشة والمتعة فتجعلنا مقبلين بإيجابية على حياتنا العملية والاجتماعية.

الشيء المختلف بالنسبة لي في معرض الكتاب هذا العام كانت اللقاءات الجميلة العفوية مع بعض الناس الذين لا أعرفهم من قبل. مبادرين كرام استوقفوني وبادروني بالسلام، بعضهم بالعناق والأحضان، أحدهم بدمعة نزلت وحاول كبتها، جميعهم ب “الحمد لله على السلامة” و “خارج من الشرّ” و “طهور إن شاءالله”. الجميل أنه لم يحاول أحد معرفة لماذا ما حصل قد حصل؟ لم يبادر أحد بالسؤال عن أي تفاصيل، مجرد مشاركة مشاعر نبيلة وسلام.

بالإضافة لهذه الوقفات الكريمة، حصلت على بعض الكتب المجانية من بعض الزوار والمشاركين في المعرض، لفتات كريمة ولطيفة منهم. وهل هناك هدية أجمل من كتاب جيّد مرفق بأنبل المشاعر والحب؟

خطّاب إلى عنان السماء

يوم أمس كان يوم خاص في الوجدان، حفل تخرّج خطّاب من الثانوية العامة. صغيري الوديع كبُر ليصبح صديقي المفضّل الجديد. خطّاب ليس صديقي المفضّل الجديد فقط، ولكنه الصديق الجديد في حياتي الذي سيشاركني حمل المشوار معي. أنقل له كل خبراتي ودروسي متمنياً ومحذراً أن لا يقع في أخطائي. هذه الأيام أتلمّس وأبحث عن ما يسمّى بأيّام الله; تلك الأيّام الاستثنائية التي تشعر فيها بالانتصار والفرح الجامح على المكدّرات والهموم. ويوم أمس كان أحدها.

تقول الشائعات العائلية والمحيطة بنا عن خطّاب بأنّه متفوق دراسياً وخلوق ومؤدب وخفيف الدم. يميل للفن والرسم وموهبته الابداعية واضحة. لم يحسم مساره بخصوص الدراسة الجامعية بعد. ليس لديه أدنى اهتمام بالسياسة ولا بكرة القدم. المؤكد بحسب ذاكرتي، أنني منذ ولادته وحتى هذا اليوم لم أغضب منه مرًة، ولم تصلني شكوى واحدة تجاهه، لا من المدرسة أو الجيران أو الأقارب أو أي شخص كان. خطّاب لا يؤذي أحد بقول أو فعل، هو مثل أباه في ذلك. توطين السلام داخلياً والشعور بالنظافة، يتطلّب أن يكون الفرد مسالماً في علاقاته مع العالم خارج ذاته بقدر ما يستطيع. “إن شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شرّه”.

علاقتنا جيّدة، أعتقد أننا نفهم بعضنا البعض بشكل جيد، يعلم أنني أحبّه وأنني فخور به رغم أنني مثل كل الآباء لا نكرر ذلك على مسامع أبنائنا باستمرار، يفهم نكتي وأستوعب تعلقياته الساخرة. يتفوق عليّ بوضوح باستخدام الرياكشن والايموجيز وصور GIF في الرسائل. حاولت مجاراته في ذلك بدون نجاح، فبقي المنتصر الأخير دائماً.

نشرت بالأمس تغريدة عن خطّاب، وتلقّيت من التهاني والأمنيات ما يغسل القلب ويدخل السرور ويبعد الهموم. على الرغم أن تويتر رسمياً هو فضاء التوحش، ولكن أنا مدين لتويتر بالعرفان والشكر لتعريفي بكل هؤلاء الأصدقاء الذين يغرقوني بكرمهم ومشاعرهم التضامنية في السرّاء و الضرّاء. أخجل من أن أرد على أحد وأنسى أحد، ولذلك لا أجد إلا الصمت كسبيل مؤملاً تفمهم حجم امتناني تجاههم.

شعار دفعة خطّاب هذه السنة هو "طموحنا عنان السماء". مبروك يا خطّاب، إلى عنان السماء وأتمنى أن تكون الحياة أكثر رأفةً بكم..

تنفُّس

كل يوم منذ الأسبوع الماضي آتي هنا للواجهة البحرية بجدة لكي أتنفَّس. أمارس اليوغا ساعة، والتأمّل نصف ساعة. التنفُّس العميق ربما يكون من أفضل الهدايا التي يقدّمها المرء لنفسه.
وعلى ذكر التنفُّس، أتذكّر قصة قصيرة بديعة للأديب الروسي العظيم الكسندر سولجنتسين بنفس العنوان. حُكِم على سولجنتسين بالسجن لمدة ثماني سنوات في 1945 بتهمة “معاداة الدولة السوفياتية”، ثم بالمؤبد بعد ذلك. أعيد له الاعتبار في مطلع 1957 وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1970.


تنفُّس - الكسندر سولجنتسين

ينهمر المطر ليلاً، والآن تمر السحب في السماء سحابة وراء أخرى، يسّاقط المطر زخات قليلة على فترات متباعدة.
أقف تحت شجرة تفاح ذوت أوراقها وأتنفس، لا شجرة تفاح واحدة مثمرة. لكن الأعشاب تنضج بالماء بعد سقوط المطر، لا توجد كلمات تصف هذا العطر الخلاب الذي يفوح في الهواء. أستنشقه بكل رئتيّ، أشعر بأريجه في صدري، أتنفس، أتنفس، تارة وعيناي مفتوحتان، وتارة وهما مغمضتان - لا أدري على أي نحو يكون التنفس أفضل.
هي إذن، ربما، الحرية، تلك الحرية الوحيدة، لكنها الأغلى، التي تفقدنا إياها الزنازين; أن تتنفس على هذا النحو، أن تتنفس هنا. ليس هناك طعام على وجه الأرض، ولا خمر، بل ولا حتى قبلة امرأة أشهى عندي من هذا الهواء، هذا الهواء المشبع بروائح الزهور، بالندى والطزاجة.
لتكن، مجرد حديقة صغيرة تزدحم من حولها منازل متوحشة من خمسة طوابق كأنها أقفاص. سأتوقف عن سماع دويّ الدراجات النارية وطنين أجهزة المذياع، ضجيج مكبرات الصوت. وما دام المرء قادراً على التنفُّس واقفاً بعد المطر تحت شجرة، فبإمكانه أن يواصل الحياة!

الكسندر سولجنتسين

هل يجب أن نسعى للحصول على محبة الناس والقبول؟

بشكل غريب وساذج، يحصل ونحن في غمرة انشغالنا ومعاركتنا جوانب حياتنا وعملنا أن نسهو ونخلط بين الهدف والوسيلة والنتيجة. نتعلّق بالوسائل والنتائج ونتمسك بها وننسى أن ما يجب أن نتمسك به ونركز عليه هو الأهداف.

النتيجة تأتي بعد تحقيق هدف تصل له عبر وسيلة معينة. رغم أن الجملة تبدو بدهية وبسيطة ولكن في كثير من الأحيان يحصل خلط غريب لدينا في الترتيب. تركيزنا يجب أن يكون على تحقيق الهدف الصحيح، لأن النتيجة ستأتي بعد تحقيقه عبر الوسائل المناسبة.

تملّك جسد صحي وقوي هو نتيجة، الوصول للوزن المثالي هو هدف، الرياضة والأكل الصحي هي وسائل.
الشعور بالأمان المادي هو نتيجة، الوصول لمستوى دخل جيّد هو هدف، الإخلاص في الوظيفة واكتساب المهارات وربما عمل مشروع جانبي هي وسائل.
محبة الناس والقبول هي نتيجة، تحقيق أثر يلامس احتياج الناس هو هدف، عمل مشروع أو السعي في حاجة الناس هي وسائل.

الوسائل هي أدوات يجب أن نشعر بحرية التخلي عنها إذا وجدنا أنها لا تقودنا للأهداف. إذا وجدت أن رياضة معينة لا تساعدني في الوصول للوزن المثالي فلا بأس من التخلّي عنها وتجربة رياضة (وسيلة) جديدة. إذا وجدت أن وظيفتي أو مشروعي الحالي لا يساعداني في تحقيق أهدافي المادية، فربما يجب أن أفكر بجدية في التخلي عن الوظيفة/المشروع وتجربة شيء بديل. التعلّق بالوسائل لأننا استثمرنا فيها وقت وجهد ربما يجعلنا نراوح في مكاننا مدة طويلة قبل أن نستفيق على واقع خسائرنا!

النتائج كذلك هي شيء خارج عن تحكمنا، وهي تأتي بعد تحقيق الأهداف. التركيز الزائد على النتيجة ربما يجعل المرء ينسى الهدف الذي كان يرغب في الوصول له لتملّك تلك النتيجة. لا يصحو المرء من النوم ليقول لنفسه أريد تملّك جسد صحي وقوي بل هل أنا في طريقي لتحقيق الوزن المطلوب؟ ولا يقول أريد أن أشعر بالأمان المادي، بل هل خطتي المالية تسير على ما يرام؟ ولا يقول لنفسه أريد أن أشعر بالقبول ومحبة الناس، بل هل مشروعي ذو أثر وتأثير؟ النتائج هي المحصلّة.

التعلّق بالنتائج وتناسي الأهداف ربما يقود البعض لتصرّفات غريبة إن لم تكون جنونية. تصرّفات مشاهير السوشل ميديا والساعين للشهرة تشير مثلاً لهوسهم بالحصول على قبول الناس وإعجابهم ومحبتهم مما يجعلهم يستخدمون أي وسيلة للوصول لأي هدف لتحقيق تلك النتيجة. الهوس بالشعور بالأمان المادي ربما يقود البعض لاستخدام وسائل غير أخلاقية (فساد ورشوة وسرقة) للوصول لأهداف مالية معينة. الهوس بتملّك جسد صحي ربما يقود البعض لممارسات صحية وغذائية مضرّة تقوده لأي هدف يتوقع أنه سيشعره بالنتيجة.

هناك قاعدة في عالم الأعمال تقول “تعلّق بالمشكلة وليس الحل”. الوسائل قابلة للتغيير، الأهداف هي الجوهر، والنتائج ستأتي لاحقاً. السؤال هو: بأي منها أنت متعلّق؟ ربما عليك التفكير ملياً..

لماذا؟

في العادة يكون ديسمبر -وهو شهري المفضل من كل عام- شهر الهدوء والتقاط الأنفاس، جرد الحساب، مراجعة مسيرة العام، تقييم إنجازات الشهور وإخفاقاتها. نوفمبر كان من المفروض أن يكون أكثر الشهور انتاجيةً تمهيداً لهدوء ديسمبر، ولكن حدث ما حدث ليصبح نوفمبر الذي لن يُنسى قريباً.

أحاول بهدوء شديد فهم ما جرى، ولماذا؟ أتمنى لو كان لدي إجابة حتى أستطيع تجاوز ما حصل سريعاً وكأنّه لم يحصل. ولكن بكل أسف لا أملك أي إجابة، ولا أي تفسير، وبالتالي لا أفهم ما جرى.

بهدوء، أحاول العودة للعمل والتركيز مجدداً ولكن تلمح المؤشرات الأولية أن التركيز سيكون أصعب من المعتاد. لا بأس، سأحمل سؤالي معي ولن أضغط على طرده سريعاً حتى لا يقاومني فيضغط أكثر. سأتركه يقرّعني متى شاء وسأشتري من الهدوء والسكينة ما يكفي حتى أجد إجابة مقنعة تجعله يختفي ولا يعود، آمل ذلك. أتمنى أن يبقى ديسمبر شهري المفضل ولا أن يكون نوفمبر قد أفلح في اغتياله..

ما يجب أن يكتبه موظف ستاربكس على كوبك بدلاً من اسمك

مارك مانسون من أبرز المدونين الذين تعرفت عليهم العام الماضي، أتابع عن كثب كل ما يكتبه وأجد المتعة دائماً في أفكاره. تدويناته المطولة في الغالب تحفة رائعة في فن التعبير والكتابة الخفيفة على النفس. تدور أطروحاته حول التعامل مع ضغوطات الحياة ككل وبالذات في هذا العصر الرقمي الذي نحاول جاهدين مقاومة سلبيات الشبكات الإجتماعية والسوشل ميديا.
كتابه الثمين “فن اللامبالاة” وضعه على المشهد العالمي، دخل قائمة الكتب الأكثر مبيعاً ومازال باستحقاق لأنه يطرح نظرة ملفتة تجاه الإيجابية تختلف بشكل جذري عن أطروحات المدارس الخادعة التي اكتسحت العالم العقدين الماضية، وأقصد مدرسة البرمجة اللغوية العصبية و مدرسة قانون الجذب وأخواتها.

التقطت هذا الأسبوع من مكتبة جرير، النسخة العربية من كتابه الجديد “خراب: كتاب عن الأمل”، وهو عنوان لطيف لترجمة العنوان الأصلي “Everything is F*cked: A Book About Hope”. في الفصل الأول يقول:

لو كنت أعمل لدى ستاربكس لما كتبت أسماء الناس على الأكواب التي يتناولون قهوتهم فيها، بل لكتبت ما يلي:
في يوم ما، ستكون قد متّ، أنت وكل من تحبّهم. وبعد ذلك، لن تكون هناك أي أهمية لأي شيء مما قلته أو فعلته في حياتك إلا لفترة قصيرة وضمن نطاق مجموعة صغيرة من الناس الذين يعرفونك!
هذه هي حقيقة الحياة التي لا نستطيع مواجهتها. ليس كل ما تفكر فيه، أو تفعله، إلا محاولة مضنية لتجنّب هذه الحقيقة. لسنا أكثر من غبار كوني لا أهمية له. لسنا أكثر من غبار يتحرّك ويدور على شذرة زرقاء ضئيلة سابحة في الكون. لكننا نتخيل أن لنا أهمية. ونخترع لأنفسنا غاية.. نحن لا شيء.
إذاً، استمتع بقهوتك اللعينة.

ربما يبدو لأول وهلة أن هذا طرح شخص عدمي، يائس من الحياة ويلعنها. ولكن الحقيقة أنه عكس ذلك تماماً في كتابه هذا وكتبه ومقالاته المطولة التي تدعو للاحتفاء بالحياة مع تقبل عميق لتحدياتها ومصاعبها كجزء من مشوارنا. أسلوبه الصادم في الكتابة يثير التفكير، ويعيد المرء للواقع ويخفف من غروره الذي تزرعه داخله الحياة المادية والرأسمالية التي تبشر بأطروحات تعظيم الإنسان وقوته وخلوده.

بالنسبة لي، أفضّل أن يتعامل معي خطاب صريح صادم لا يجامل، يناقش الحياة والواقع كما هو بدون زيف ولا مبالغات، ثم يطرح حلول منطقية يمكن تبنيها بشكل شخصي بدون أن نضع فوق أكتافنا أثقال تعطّل حركتنا أو أوهام تجعلنا نعيش في دوامات من الكذب على الذات.

مع اليوغا وفي السعي وراء الصمت

أحد الأمور التي وجدت نفسي مهتماً بها مؤخراً هي ما يدور حول فن التعامل مع العقل وإجباره على التوقف عن معضلة التفكير المستمر. تعودت للأسف منذ عرفت نفسي على أن يكون عقلي منشغلاً بالتفكير بشكل مستمر حول ربما كل شيء وأي شيء. حتى وأنا صامت ولا أتحدث، يكون عقلي في حالة تفكير مستمر. وهذا التفكير المستمر يتراوح بين التفكير في أمور في الشأن العام أو في العالم، وبين أمور العمل والحياة الشخصية. التفكير المستمر يعني إرهاق مستمر، واستحضار للقلق بدون قصد.

نجحت السنوات الماضية نوعاً ما بحصر الأمور التي أسمح لعقلي أن يفكر بها لتكون حول العمل وأمور ذات علاقة مباشرة بحياتي، ولكن هذا نصف مشوار النجاح. فالتفكير المستمر في العمل لوحده ثقل شديد. النجاح الحقيقي هو أن تسيطر على عقلك بحيث لا تسمح له أن يفكر إلا بما ترغب فعلاً في أن يفكر فيه، في اللحظة التي تختارها، وليس ما يخطر على بالك فوراً. أعرف أن هذا يبدو صعب وربما شبه مستحيل عند البعض، ولكن هو شيء ممكن بالفعل، على الأقل كما تقول مدارس التأمل.

هذا التوجه الشخصي الجديد في التعامل مع العقل والتفكير المستمر هو نتيجة التحاقي بعالم اليوغا الشهرين الماضية. عبر تطبيق GetMuv اشتركت مع أحد المدربين الرائعين وأحضر ثلاث جلسات أسبوعية. التمارين تتطلب أن تكون لياقتك البدنية في وضع جيد حتى تستطيع تأديتها بالشكل المأمول. اليوغا بشكل عام تقوم على إتقانك مهارة التنفس العميق وأنت تؤدي التمارين الجسدية في الحصة، وهي تمارين ليست سهلة على المستجد. التنفس العميق والتركيز في التمرين يجعلك تركز فقط في أدائك وبالتالي يتوقف عقلك عن التفكير بأي شيء آخر خارج الحصة. مع الوقت، تستشعر هدوء داخلي عميق وأنك نوعاً ما بالفعل تستطيع إيقاف عقلك عن التفكير المستمر، وكلما اقتربت فكرة أو ذكرى فإنك تطردها بشكل فوري وتعود لحالة عدم التفكير والسكينة. هذا فتح عظيم بالنسبة لي، وحالة صفاء ذهني لا أذكر مررت بها من قبل في حياتي.

قادتني تجربتي الرائعة مع اليوغا حتى الآن للاطلاع والبحث أكثر في هذه الأمور، ومحاولة معرفة كيف يمكنني الوصول لحالة استدامة في هذه الأجواء من الصفاء الذهني وإيقاف التفكير المستمر. أشعر أنني بدأت مرحلة علاقة شخصية خاصة وطويلة المدى مع اليوغا. باقي الرياضات ستكون شيء إضافي وجانبي لإبعاد الملل، ولكن أظن اليوغا ستكون تركيزي وأسلوب حياة شخصية.

وبالحديث عن الهدوء والسكينة، شاهدت بالأمس فيلم In Pursuit of Silence وهو وثائقي بديع عن الصمت. الفيلم محاولة استكشاف تأملية حول علاقتنا البشرية بالصمت والأصوات و تأثير الضوضاء على حياتنا. في ظل حياتنا المشحونة بالأحداث والتقاطعات، نحن في حاجة للدخول في حالات صمت دورية أكثر مما نتخيل، هي سلاح نقاوم به كثير من الأمور. فيلم ممتع أنصح به.