64 تدوينة

يوميات

أفكار وخواطر حول أمور لفتت انتباهي وتمر علي في حياتي الشخصية والعملية. سلسلة تدوينات قصيرة لأجل التعود على الكتابة بشكل مستمر
فؤاد الفرحان

عن هرم ماسلو والحاجة للاعتراف والتقدير، عن انتخابات الغرفة التجارية وحماس المتنافسين

من جدة وعبر السوشل ميديا، يبدو لي أن حديث الناس في الرياض هذه الأيام عن الحملات التسويقية الخاصة بالمرشحين للغرفة التجارية بالرياض. لا تحتاج أن تكون مهتم بنشاط الغرفة التجارية أو مجال الانتخابات حتى تعرف بالصراع الحامي بين المرشحين، حيث يظهر أنهم لم يبقوا على وسيلة تسويقية يمكن اللجوء لها لنشر صورهم ورسائلهم من خلالها إلّا واستخدموها. أهل تويتر كعادتهم بالطبع، لم يتوانوا عن نشر المحتوى الإبداعي على شكل صور ومقاطع تعبيرية وساخرة تدور حول شخصيات المترشحين وتنافسهم. هل كراسي مجلس إدارة الغرفة التجارية تستحق هذه الحملات التي يتم صرف ملايين الريالات عليها؟

لا أرى أن المبالغ والجهود المبذولة للحصول على كرسي في الغرفة التجارية تساوي المكاسب العامّة المرجوة، ولكن ربما تستحق المكاسب الشخصية للمرشحين. يصرّ المرشحين على أن هدفهم من الترشّح هو خدمة التجار وقطاع الأعمال عبر وجودهم في الغرف التجارية المختلفة لأجل إيصال مطالبهم وآمالهم والتأثير في السياسات لصالحهم. ولكن الحقيقة أن الحكومة ممثلة في وزارة التجارة وباقي القطاعات هي من يقود التغيير الجذري الإصلاحي في قطاع الأعمال، وهي من يصيغ السياسات التشريعية الجديدة بالتعاون أجهزة الدولة المختلفة ومجلس الشورى. لا أعتقد أن للغرف التجارية أي تأثير مهم على التحولّات والقرارات الاقتصادية الإصلاحية التي اعتمدت السنوات الماضية. دور الغرف التجارية في التأثير على المشهد والاقطاع الاقتصادي الوطني لا يذكر في هذه الفترة. فلماذا تصرف هذه الملايين على هذه الحملات التسويقية؟

أعتقد هناك ثلاث أنواع من المرشّحين:

  • كبار الأثرياء من رجال الأعمال (الطبقة الأرستقراطية أو المخملية في المجتمع)
  • الصف الثاني والثالث من الأثرياء ورجال الأعمال (أثرياء الطبقة البرجوازية)
  • رجال الأعمال الكادحين (لديهم نشاط وسجّلات تجارية ولديهم وقت، ليسوا بثراء الطبقتين السابقة ولكن مجتهدين)

جميع المرشحين يقولون أن أهدافهم من الترشح هي تمثيل قطاع ورجال الأعمال، ولكن لا أحد يتحدث عن الأهداف الشخصية التي يسعى لها كل مرشح. وأنا أرى أن المكاسب والأهداف الشخصية هي الأساس والسبب الأول خلف الترشح وصرف الأموال في الحملات التسويقية، وهو ليس بأمر معيب أو مخجل، فطبيعة رجل الأعمال هي السعي خلف البزنس والربح والعلاقات، وإذا كان ممكن تحقيق المزيد من ذلك عبر قنوات جديدة مثل الغرف التجارية فما المانع؟ ولكن السؤال ماذا يمكن أن تحققه الفئات الثلاث من سباق انتخابات كهذا؟

الطبقة الأرستقراطية أو المخملية في المجتمع: كبار الأثرياء من رجال الأعمال

المكسب الأكبر هو انتزاع الإعتراف بهم وبأهميتهم وقوتهم في: ١- أوساط قطاع الأعمال، ٢- تعرّف المجتمع ككل عليهم وعلى صورهم وأسمائهم. المجتمع يعرف لاعبي الكرة والفنانين والفاشنستا ومشاهير السوشل ميديا، ولكن لا يعرف صور وأسماء ٩٩،٩٪ من أفراد الطبقة الأرستقراطية وكبار الأثرياء. وجودهم في الغرفة التجارية لن يساهم في زيادة رصيد ثرواتهم ولا تقوية علاقاتهم، لأنهم كانوا قد وصلوا لمستوى عالي من الثروة والعلاقات مسبقاً. ولكن المال لوحده لا يكفي لإشباع احتياجات الإنسان. “الحاجة إلى التقدير” يقع في المرتبة الرابعة على هرم ماسلو. احترام وتقدير الأهل والأصدقاء والموظفين والعاملين في شركات المترشح هو احترام غير محايد. ولكن انتراع معرفة الجمهور بأسمائهم وصورهم، وانتزاع تمثيل قطاع الأعمال وترسيخ الإسم وسطهم يشبع بعض الغرور ويسد الحاجة النفسية. تخيّل نفسك وأنت ترى اسمك وصورتك في الصحف والشوارع وعلى جوانب السيارات والعمائر وفي الإذاعات والتلفزيون. أي شعور بالقوة يتملكك آنذاك؟ ما فائدة تكوين ثروة لا منتهية وفي نفس الوقت لا يعلم الناس أنني بذلك الثراء وبتلك القوة؟ انتزاع الوجاهة عند البعض يستحق دفع الملايين.

أثرياء الطبقة البرجوازية: الصف الثاني والثالث من الأثرياء ورجال الأعمال

يصرفون أموال أقل بكثير من الفئة السابقة في حملاتهم، ينتمون لأعلى شريحة من الفئة المتوسطة في المجتمع. مكسبهم الحقيقي هو احتكاكهم المباشر مع الفئة السابقة ومع أقرانهم، وإقامة علاقات تعارف وصداقة تؤدي إلى فرص تجارية مشتركة وعلاقات عمل. اكتساب معرفة الجمهور بهم وبالذات قطاع الأعمال هو مكسب كبير، ولكن شعور “الحاجة إلى التقدير” ليس هدفهم الحقيقي ولا يهمهم في المرحلة الحالية من حياتهم. تعظيم الثروة عبر بناء علاقات مباشرة مع الآخرين في الغرفة التجارية واستكشاف الفرص التجارية الواعدة هي الأهداف.

رجال الأعمال الكادحين: لديهم سجّلات ونشاطات تجارية ولديهم وقت

ميزانية حملة المرشح لا تتجاوز 900 ريال. لأن شروط الترشح تنطبق عليه، وباب الترشيحات مفتوح، ولأن أحد أصدقائه في جلسة البلوت اقترح عليه الترشح، فقد قرر بعد تناول ساندوتيش كبدة من كفتيريا القريّات صباح يوم ما أن يدخل السباق. ربما يكتسب علاقات وصداقات من خلال الغرفة التجارية تختصر عليه مشوار الكدح والمشاريع وتدخله في ليلة ما نادي الأثرياء!

هل جميع المرشحين أهدافهم شخصية؟

ليس بالضرورة، أنا فقط لا أرى هناك منطق ولا تبرير لصرف الملايين على حملات تسويقية لانتخابات غير مؤثرة كهذه إلا إذا كانت الأهداف بالأساس شخصية بحتة. هذه الأهداف المنطقية الشخصية التي تسعى لها كل فئة من دخول سباق انتخابات الغرف التجارية. هناك بكل تأكيد أرستقراطي وبرجوازي ورجل أعمال كادح ليس لديهم أي ذرة من الأهداف الشخصية غير خدمة الناس، في الغالب لم يصرفوا الكثير على حملاتهم، ولكن المشكلة أنه من الصعب معرفتهم وتحديدهم والحكم عليهم إلّا إذا أخذنا كلامهم ووعودهم كما هي وصدقناهم بدون أي تردد. وبالتالي، يكون جميع المرشحين كذلك وهذا غير منطقي.

بشكل عام، أؤمن أن الانتخابات شيء جيد وإيجابي ويجب أن يستمر سواءً في الغرف التجارية أو المجالس البلدية. ولكن ما يصرفه بعض المرشحين من أموال وما يطرحونه من تضخيم لأدوارهم وخططهم التي يقطعون بها لأجل إقناع الناس لانتخابهم هو أمر يستحق التوقف عنده والتفكير فيه.

مشروع صغير أم شركة ناشئة؟ صاحب مشروع أم رائد أعمال؟ إنّه فخ فخذ حذرك..

تعرّف منشئات أنواع مشاريع قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة كالتالي:

مشاريع متناهية الصغر
- موظفون بدوام كامل من ١ إلى ٥ أشخاص
- الإيرادات من صفر إلى ٣ مليون ريال سعودي

مشاريع صغيرة
- موظفون بدوام كامل من ٦ إلى ٤٩ أشخاص
- الإيرادات من ٣ إلى ٤٠ مليون ريال سعودي

مشاريع متوسطة
- موظفون بدوام كامل من ٥٠ إلى ٢٤٩ أشخاص
- الإيرادات من ٤٠ إلى ٢٠٠ مليون ريال سعودي

أي مشروع قام بتأسيسه شخص أو مجموعة صغيرة بتمويل بسيط يتم تصنيفه في العادة تحت أحد الأنواع السابقة ويعتبر بشكل عام Small Business. ويوصف المؤسس في العادة “صاحب/مالك/مؤسس مشروع”. إذا كان المشروع من النوع القابل للتوسع بشكل استثنائي وكبير، في وقت قياسي، وممكن يغيّر وجه القطاع الذي يعمل فيه فيعتبر شركة ناشئة Startup ويسمّى مؤسسه رائد أعمال Entrepreneur.

هناك فرق بين المشاريع التي تعتبر منشئات صغيرة Small Business والتي تعتبر شركات ناشئة Startup. فرق بين صاحب مشروع و ريادي أعمال. هناك الكثير يخلط بين الوصفين، فما هو الفرق؟ هناك أعداد لا تحصى من المقالات ومقاطع الفيديو التي تشرح الفروقات، وقعت اليوم على هذا المقال الجميل الذي يصف أهم الفروقات، وهي كالتالي (بتصرّف وإعادة صياغة):

الابتكارات Innovations

المشروع الصغير: في العادة يعمل بنموذج عمل مثبت نجاحه مسبقاً، هناك سوق واضح ومعروف، نوع العملاء معروفين، الخدمة واضحة. لا يزعم المشروع بأنه يبتكر شيء جديد أو يحمل همّ الابتكار. مثال: بقالة، مطعم، وكالة تصميم، متجر ملابس، إلخ..
الشركة الناشئة: الابتكار أساس قيامها، تقدّم خدمة فريدة وجديدة، بنموذج عمل مبتكر ليس من الضرورة تم تجريبه ونجاحه سابقاً. تقوم على التخمين والافتراضات غير المثبتة وغير الموثوقة والتي سيتم اختبارها والتأكد منها بعد التشغيل ثم الثبات عليها أو تغييرها. إذا لم تتميز بالابتكار والحداثة فستفشل أو تكون مشروع صغير إذا نجحت.

القابلية للتوسع Scalability

المشروع الصغير: قابليته للتوسع محدودة، إذا نجح المشروع فسيتوسع في عدد الفروع بشكل معقول (إذا كان مشروع متجر أو شيء مثله)، ويتوسع في الخدمات وعدد العملاء. محل للورود والهدايا، مقاهي مختصة صغيرة أو مطاعم البرجر الصغيرة ممكن تنجح ولكن فرصة توسعها في النهاية محدودة مقارنة بالشركات الناشئة.
الشركة الناشئة: القابلية للتوسّع الكبير في زمن قياسي هي من أبرز صفاتها. شركة ناشئة أساسها تطبيق ناجح يستخدمه عدة ملايين بعد ثلاث سنوات من بدايتها. في رسال نقدم خدمات توصيل الهدايا في 40 مدينة سعودية خلال 24 ساعة بعد مرور سنتين من البداية.

سرعة النمو Growth Rates

المشروع الصغير: نمو المبيعات منطقي إذا نجح المشروع. الرسم البياني للعائدات والأرباح تصاعدي بشكل عقلاني ومتوقع. نمو العملاء كذلك مقبول ومنطقي، ونفس الشيء بخصوص عدد فريق العمل.
الشركة الناشئة: بعد تجاوز وادي الموت، من المتوقع أن يكون سرعة نمو المبيعات والمستخدمين والاستخدام متصاعدة بشكل ملفت. أنجح الشركات الناشئة يكون الرسم البياني لعوائدها من نوع عصا الهوكي Hockey stick graph. سرعة النمو مؤشر مهم حول مستقبل الشركة الناشئة، وليس مثل المشروع الصغير الذي لا يقع تحت هذا الضغط من التوقعات.

التمويل Financing

المشروع الصغير: في العادة يكون تمويل شخصي أو عائلي أو من أصدقاء أو اقتراض من البنك أو تمويل من بنك التنمية الاجتماعية أو جهات رسمية شبيهة. ويتم تسديد القروض من العوائد مع الأرباح. إذا نجح المشروع واحتاج للتوسع الكبير فيلجأ لجهات تمويلية أو استثمارية في قطاع الأعمال التقليدي والناجح. يقوم صاحب المطعم باستخلاص الأرباح نهاية كل عام ووضعها على جنب بعد اقتطاع ما يحتاج منها لإستثماره مجدداً في تجديد وتوسيع مطعمه.
الشركة الناشئة: تبدأ مثل المشروع الصغير، ولكن تحتاج لجولات استثمار جرئ بشكل دوري إذا ثبت قابليتها للتوسع والنمو السريع لأنها في الغالب لن تشمّ رائحة الربحية خلال السنوات الأولى، هذا إذا استطاعت الوصول له يوماً. هناك من يرى بأن شركات مثل أوبر وغيرها لن تصل لمرحلة الربحية يوماً، ومع ذلك حصدت مليارات الاستثمارات. بدون التمويل الاستثماري الجريء وصناديقه ستموت الشركة الناشئة في الغالب بعكس المشروع الصغير.

التكنولوجيا Technology

المشروع الصغير: يعتمد على حلول وأنظمة تقنية جاهزة في العادة (نظام المحاسبة، نظام إدارة الموظفين، إلخ..). التقنية تعتبر مساعد للمشروع وليست لبّ وأساس المشروع.
الشركة الناشئة: التكنولوجيا والابتكار فيها يعتبر لبّ وأمر أساسي لكي تستطيع التوسع والنمو بشكل سريع. في الغالب تعتبر التكنولوجيا التي طورتها الشركة الناشئة من أصول الشركة وأمر أساسي في تقييمها. ولذلك نجد معظم الشركات الناشئة هي شركات تقنية لأنها السبيل الوحيد الذي يساهم في نموها المجنون.

دورة الحياة Lifecycle

المشروع الصغير: تقول بعض الإحصائيات أن 30% من المشاريع الصغيرة تموت خلال السنوات الثلاث الأولى.
الشركة الناشئة: مخاطرتها أعظم، بعض الإحصائيات تقول أن 90% من الشركات الناشئة تموت خلال السنوات الثلاث الأولى.

فريق العمل والقيادة Team and Team Leaders

المشروع الصغير: صاحب المشروع لا يحتاج صفات قيادية استثنائية، فقط يكون عقلاني وصاحب مقدرة إدارية مقبولة. عدد الموظفين متوقع ومعروف لتشغيل المشروع.
الشركة الناشئة: نجاح الشركة الناشئة بعد ثبوت قابليتها للتوسع والنمو السريع يتطلّب توسع فريق العمل بأعداد مضاعفة. لكي تدير هذا التوسع والنمو السريع وأعداد الموظفين المتزايدة، تحتاج لمهارات قيادية وإدارية وخبرة حقيقية. لذلك يتنازل كثير من رواد الأعمال عن دور القيادة بعد نجاح شركاتهم الناشئة ودخول الاستثمار، ويضعون بدلاً منهم أصحاب خبرات وقدرات إدارية أكبر.

نمط الحياة Lifestyle

المشروع الصغير: صاحب المشروع يعيش حياة طبيعية. مشروعه الصغير يأخذ وقت جانبي منه أو دوامه الكامل إذا كان متفرغ له، ولكن يعود بعد عمله في مشروعه لحياته العائلية والاجتماعية. يعيش صاحب المشروع حياة طبيعية ومستقرة، وتساعده أرباح مشروعه في حياته.
الشركة الناشئة: يعتقد المؤسس أنها ستكون رحلة ممتعة وحماس، ولكن سيكتشف أن عليه توديع حياته العائلية والاجتماعية بسبب الانشغال والضغوط بالنمو وتجاوز وادي الموت. هناك دراسة تشير إلى احتمالية إصابة رائد الأعمال بالتالي مقارنة بغيره: الاكتئاب محتمل ضعفي غيره، قصور الانتباه وفرط الحركة محتمل ٦ أضعاف غيره، تعاطي المخدرات محتمل ٣ أضعاف غيره، ثنائي القطب محتمل ١٠ أضعاف غيره، التنويم للعلاج النفسي محتمل ضعفي غيره، تردد أفكار انتحارية محتمل ضعفي غيره.

الاستراتيجية Strategy

المشروع الصغير: ليس هناك استراتيجية معينة، ما دام المشروع مربح فسيتمسك به صاحبه ويتوسع فيه بعقلانية مع الوقت. وبعد وفاته سيتركه لأبنائه لكي يديرونه ويواصلون المسيرة.
الشركة الناشئة: المؤسسين يسعون لجني أرباح ضخمة خلال فترة سنوات قليلة عبر تقدم جهة كبرى بعرض الاستحواذ على شركتهم الناشئة، أو تخارجهم وبيع حصصهم لمستثمرين كبار، أو نزول شركتهم في سوق الأسهم للتدوال بعد سنوات (حالات نادرة). النجاح في الشركة الناشئة يعني أنك ستصبح مليونير حقيقي، في المشروع الصغير ربما تصل لذلك كذلك ولكن مع وقت وسنوات أطول في الغالب.

كما هو واضح بالأعلى، هناك اختلافات واضحة بين المشروع الصغير Small Business و الشركة الناشئة Startup. وبالتالي فرق بين أن يوصف المؤسس كصاحب مشروع أو رائد أعمال.
المشاريع الصغيرة والمتوسطة أقل مخاطرة بكثير من الشركات الناشئة، ومعظم ما يدور حولها منطقي ومتوقع، ولا تتطلب قدرات وتضحيات استثنائية. بركتها أعظم ودعمها للاقتصاد الوطني أكبر بمراحل من الشركات الناشئة.
الشركات الناشئة عالم من الجنون والمخاطرة مقارنةً بها، وانعكاسات فشلها على المؤسس أخطر بكثير من النوع الأول. لا يوجد عيب في المشروع الصغير ولا نقص في صاحبه، وليس من الجيد أن يتخذ المرء وصف لا ينطبق عليه لأنه يجعل التوقعات منه مختلفة، وتظهر صورته بشكل سلبي إذا لم يحققها.

وصف رائد أعمال ليس فخر ولا شهادة إذا كان مشروعك لا يبدو أنه سيشمّ الربحية، ونموذج عملك مضروب، والنمو سلحفائي، ولازلت تقبع في وادي الموت تغنّي ظلموه.

كيف يطلع شكلك حلو وأسلوبك يفتح النفس واحترافي بأقل مجهود يذكر قبل أول اتصال..

تلقيت الليلة اتصال متأخر من شخص لا أعرفه حوالي الساعة 11 مساءً، يرغب في مناقشة فرصة عمل تعاون مشترك معه. فضلاً عن الوقت الغريب، لم يبادر الشخص بالتعريف بنفسه ولا كيف حصل على رقمي. هذا التصرف من المتّصل يترك انطباع سلبي يمنع المرء من أخذه بشكل جدي، ويجعل الواحد يميل لتصريفه بسرعة. هذه طريقتي الشخصية التي استخدمها عند التواصل مع شخص لأول مرة بخصوص شيء في عالم الأعمال:

١- أول تواصل يكون عبر رسالة جوال وليس رسالة واتساب أو اتصال

لا يوجد بيني وبين الطرف الثاني علاقة خاصة تسمح لي بالاتصال به أي وقت وفجأة. ربما يكون مشغول في عمل، أو في عزاء، أو في مناسبة خاصة، أو وقت روقان. لذلك من الأفضل البداية برسالة جوال تقليلاً لمخاطرة أن اتصل به في وقت لا يكون مناسب بالنسبة له. لماذا رسالة SMS في أول مرة وليست رسالة واتساب؟ لأن واتساب أكثر خصوصية، ومراسلته عبر واتساب أول مرة ربما يترك عنده انطباع سلبي بأنني أرغب في التأكد متى شاهد رسالتي وأنني أنتظر تفاعله وكذا. رسالة جوال أول مرة، وإذا بنيت علاقة تعارف فربما ننتقل إلى واتساب وتليجرام ورسائل داريكت تويتر وسنابشات حتى..

٢- كتابة رسالة قصيرة مفيدة تترك انطباع إيجابي وتشجعه على التفاعل والرد

الرسالة تحتوي على ثلاثة أمور: مقدمة ومتن ونهاية، وتهدف للتمهيد للاتصال (وليس شرح سبب التواصل بالكامل)، لذلك الاختصار المفيد مهم. يجب أن تجيب رسالتي على أمور مثل:

  • من؟ لا أريد أن أتكلم مع مجهول أو شخص أبحث عن اسمه في تطبيقات مثل نمبربوك وغيرها. من أنت؟
  • كيف؟ من أين حصلت على رقمي؟  هناك فضول يتملكني لأن رقم جوالي من الأمور الخاصة بي وليس معلن عنه في كل مكان. فمن الأفضل أن تعطيني خبر مقدماً من أعطاك رقمي، وإذا كان شخص أعرفه وأتذكر وأحترمه وربما صديق، فذلك شيء إيجابي لأني سيشجعني أكثر على الرد عليك.
  • لماذا؟ ماذا تريد؟ من الجيد أن أعرف مقدمة عن الموضوع. السبب في الغالب لا يخرج عن:
    1- رغبتك في مناقشة فرصة تعاون مشتركة معنا، يربح منها الطرفين.
    2- رغبتك في بيع شيء أو تقديم خدمة.
    3- طلب مشورة خاصة والإجابة على استفسار لديك.

مثال #1
صباح الخير أ. محمد،
معك خالد عبدالله، حصلت على رقم شخصكم الكريم من د. سالم علي في جامعة الملك سعود. أعمل في شركة الخدمات المتميزة كمطور أعمال، أحببت التواصل بخصوص مشروع نعمل عليه ونعتقد أن هناك فرصة تعاون مشتركة جيدة معكم تستحق النقاش.
سأكون سعيد بمعرفة متى يسمح وقتكم الكريم لإجراء مكالمة مختصرة بكم للتشرف بالتعارف وشرح الموضوع.
خالد عبدالله

مثال #2
مساء الخير أ. سعيد،
معك خالد عبدالله، حصلت على رقم شخصكم الكريم من سلطان محمد (أبو نايف). أعمل مع أصدقاء منذ شهور على مشروع جديد، أحببت التواصل بخصوص استشارتكم في جوانب معينة نعتقد أن رؤيتكم تضيف وتختصر لنا الكثير حولها.
سأكون سعيد بمعرفة متى يسمح وقتكم الكريم لإجراء مكالمة مختصرة بكم للتشرف بالتعارف والاستفادة من خبرتكم.
خالد عبدالله

مثال #3
السلام عليكم أ. حاتم،
معك خالد عبدالله، حصلت على رقم شخصكم الكريم من بروفايلك في لنكدإن. أحببت التواصل بخصوص عرض خدمة جديدة لدينا في شركة الأفضل العالمية نؤمن أنها ستساهم في تسهيل عملكم بشكل جذري في إدارتك الخاصة.
سأكون سعيد بمعرفة متى يسمح وقتكم الكريم لإجراء مكالمة مختصرة بكم لعرض الموضوع والتشرف بالتعرف عليكم.
خالد عبدالله

٣- الانتظار 24 ساعة قبل الاتصال

في أغلب الظن سيقوم الطرف الثاني بالرد على رسالتك وتحديد وقت مناسب للاتصال. هذا الرد يجعلك في موضع جيد، لأنك تعلم مسبقاً أنه يعلم مسبقاً لماذا ستتصل به، فبالتالي ربما يعطيك عند الاتصال وقت أطول من المطلوب في الأصل بالإضافة إلى أنه سيكون جاهز ومرتاح. إذا لم يرد الطرف الثاني على رسالتك، فمن الجيد أن تتصل به بعد مرور 24 ساعة إلا إذا كان الموضوع عاجل جداً ولا يحتمل التأجيل. أحياناً يقرأ الطرف الثاني الرسالة وينسى يرد لأنه كان مشغول. فعندما تتصل به بعد يوم سيشعر بالندم لأنه نسي الرد عليك، وغالباً سيعطيك مساحة وقت جيدة كتعويض.

الطرف الثاني في الغالب هو صاحب الفضل بقبوله استقبال اتصالي والحديث معي ومنحي بعض وقته وتركيزه بغض النظر عن سبب التواصل. لذلك ومن باب التقدير والاحترام، وكذلك للحصول على أفضل نتيجة من المكالمة، يجب أن أترك له حرية اختيار الوقت المناسب لكي اتصل به.
المبادرة بالاتصال بدون منحه هذا الحق هو مثل فرض نفسي عليه. هناك من يجامل ويستمع ويحاور حتى يخلص من المكالمة، وهناك من يعتذر بأن الوقت غير مناسب ويقول بأنه سيعود للاتصال، وربما ينسى أو يتناسى ولا يتصل لأنه سيكون قد شكّل شعور سلبي.

السعادة كوسيلة انتقام على طريقة جان جاك روسو

أعدت قبل أسبوع قراءة “أحلام يقظة جوال منفرد”، آخر كتب جان جاك روسو، حيث أنه توفي بعد كتابته بثلاثة شهور. كتاب صغير يعتبر آخر ما سجل من خواطر وخلجات بدأ توثيقها في سلسلته الشهيرة بدايةً من الاعترافات وما بعدها. بحسب وصف المترجم، يكشف كتابه الأخير هذا عن نواحى نفسية الكاتب الكبير بما فيها من قوة و ضعف، من بساطة و تناقض، وهى خلاصة خمسة و ستين عاماً قضاها بين مد وجزر يتأرجح بين السعادة و الشقاء، يتذوق حلاوة الإستقرار حيناً و يتشرد ضارباً فى الأرض أحياناً كثيرة، تسلط عليه أضواء الشهرة و المجد مرة وسياط الإضطهاد والإذلال مرات.

في مقطع بديع من الكتاب، يشرح روسو لماذا اختار آخر عمره الانغماس في هواية دراسة الأعشاب والنباتات ومراقبة الطبيعة، مبتعداً عن الناس وكل الخذلان والمصائب التي مر بها:

لست أحاول أن أبرر اختياري لمتابعة تلك الهواية. إنني أجدها معقولة جداً، وأنا موقن، في وضعي الراهن، أن استسلامي للمتع التي ترضيني هو حكمة كبيرة بل هو فضيلة كبيرة كذلك. إن هذه الوسيلة لا تدع أية جرثومة للانتقام أو الكراهية تتوالد في قلبي، ولكي أجد في حياتي طعماً لتسلية ما، يتعين علي من غير شك أن يكون هناك طبع مصفى تماماً من كل انفعالات الحنق. إن هذا لهو بمثابة انتقام من مضطهدي على طريقتي. ولم أك لأستطيع أن أنزل بهم من العقاب ما هو أقسى من أن أكون سعيداً بالرغم منهم.
إني أتسلق الصخور والجبال وأتوغل في بطون الوديان، وفي الغابات لأتوارى بقدر الإمكان عن تفكير الناس وعن أذى الأشرار. وإنه ليخيل إلي وأنا في ظلال الغابة أنني منسي، حرّ، هادئ، كما لو لم يعد لي من أعداء أو كأنما عملت أوراق أشجار الغابة على حمايتي من أذاهم كما تبعدهم عن ذاكرتي.
وإنني لأتخيل - في جهالتي أنني حين أقصيهم عن تفكيري سوف لا يفكرون هم في أيضاً. أنني لأجد لذة كبرى في هذا الوهم حتى لأكاد أستسلم له كلية لو أن مركزي وضعفي واحتياجاتي كانت تسمح لي بذلك. وكلما أوغلت العزلة التي أحيا فيها في عمقها، كلما كان من الضروري أن يملأ فراغها شيء ما، فكل من يأباه خيالي أو تطرده ذاكرتي تشغل مكانه النباتات التلقائية التي تعرضها لعيني في كل ناحية الأرض التي لم يسخرها الإنسان. إن اللذة في الخروج إلى الصحراء للبحث عن نباتات جديدة تطغى على لذة الهروب من مضطهدي، وما أن أصل إلى مواطن لا أرى فيها أي أثر للناس حتى أتسنّم الهواء في حرية أكثر مما لو كنت في ملجأ لا تلاحقني في بغضاؤهم.

أعتقد أن الحيرة التي تصيبنا بعد خوض تجارب قاسية، تستحق منا العمل على معالجتها بطرق إبداعية مختلفة. أحد الطرق ممكن تكون عبر اكتشاف اهتمامات جديدة لم يكن المرء يفكر فيها يوماً، ربما ينتج عنها ملامسة لمشاعر الدهشة والسعادة مثلما حصل مع روسو عندما اكتشف عالم الأعشاب والنباتات آخر عمره. هذه المشاعر تمنع توالد الكراهية والإحباط داخل المرء.
خلو المرء من مشاعر الحنق والكراهية هو مكسب عظيم لوحده، وأن يكون المرء سعيداً فذلك فيه شيء من العقوبة لخصومه..

هل الحياة غير عادلة؟ قارورة عطر لها بكل الأحوال

في اللحظة التي تصحو فيها على حقيقة أن الحياة بالفعل غير عادلة، يتعمّق هذا الاكتشاف في الغالب لديك ويتحوّل إلى يقين راسخ يغيّر نظرتك تجاه أمور كثيرة في الحياة. هناك فرق بين سماع شخص يردد أن “الحياة غير عادلة” وهي عبارة قرأناها وسمعناها منذ الصغر، وبين أن يمر بنا موقف ما يصيبنا بدهشة تلجمنا بالسكوت، فتقول لنفسك: “يا إلهي! بالفعل الحياة غير عادلة”. الحياة ببساطة عادلة مع البعض وغير عادلة مع البعض، هي ليست عادلة مع الجميع. في الحياة ليس بالضرورة أن لكل مجتهد نصيب محسوس كان يسعى إليه، أما الحكمة الربانية ونصيب الآخرة فذلك ميزان آخر ليس محور الحديث هنا.

أحد انعكاسات هذه القناعة هي تغيّر نظرتك تجاه متصدري المشهد العام والمسارح والإعلام والشهرة. لا تنظر لهم بإعجاب شديد لمجرد أنهم مشهورين وأن أعداد كبيرة من الناس معجبين بهم. بل تحاول تمحيص عطائهم الذي أوصلهم لمكانهم البارز لتتأكد أنهم بالفعل يستحقون إعجابك وتقديرك. لا تسمح لنفسك بأن تنخدع وتتبع إعجاب الجمهور وتتعامل معه كمسلّمات. بعد تأكدك، يحصل أن ترى أن رأي الجمهور صحيح بالفعل وأن ذلك المشهور يستحق ما يقال عنه، وهذا حق له. هي قناعة إيجابية تكونها تجاههم بعدما قمت بحل الواجب بنفسك.
وفي أحيان كثيرة لا تجد ما يبرر هذه المكانة بل تكتشف ربما أن ذلك المشهور ليس إلا محتال صعد على جهود غيره، فتنفر منه ومن تبني رأي الجمهور فيه. تخشى أن تفصح عن رأيك حوله على العلن، لأنك ستواجه في الغالب بهجوم مضاد من جمهوره وأنواع التهم. ولذلك تكتفي في الغالب بالصمت، مصادمة الجمهور العاطفي ليس من الذكاء إلا إذا كنت لا تبالي بضريبة ذلك عليك.

في نفس الوقت، تقودك قناعة أن “الحياة غير عادلة” للإيمان بأن هناك الكثير ممن يستحق التقدير والإعجاب على عطائهم وأعمالهم، ولكن لم يكونوا محظوظين لسبب ما لتوجه الأضواء عليهم فيعرفهم الناس. ربما لم ينجحوا في إبراز جهودهم بالشكل المطلوب حتى يلتفت لهم المسيطرين على المشهد العام والذين يتحكمون بقرار من يستحق الإبراز ومن لا يستحق. ربما لأنهم في قائمة المغضوب عليهم بسبب شيء في الماضي، أو ربما لأنهم لا يسعون للأضواء من الأصل، فهم يعملون ويبدعون لأنفسهم قبل الجمهور، ولا يبذلون جهد في الترويج لأنفسهم، وهذا قرارهم الشخصي.

أحب أن أبحث عن هذا النوع من المبدعين وأطّلع على عطائهم، وفي كثير من الأحيان أجد لديهم ما يثير دهشتي وإعجابي الشديد. يصيبني الفضول لمعرفة لماذا لا يعرفهم الناس ولا يعرفون عطائهم وإبداعهم الذي لامس مشاعري؟ هل لأن ذوقي غريب ويشاركني فيه عدد محدود بالإضافة للمبدع؟ أم هل هو بسبب قرار وقناعة شخصية منهم بالابتعاد عن الأضواء والمسارح والتركيز على عملهم؟ أم لأنهم حاولوا ولكن فشلوا في اكتساب المهارات الضرورية للوصول للجمهور؟ أم لأن الحياة لم تكن عادلة في هذا الجانب معهم؟ بغض النظر عن السبب، مجرد تفكيري في هذا السؤال يعني أنهم حصدوا إعجابي وتقديري وأصبحت من جمهورهم الصغير في الحجم مقارنة مع جمهور المشهور الواسع.

هذه التدوينة أتت بعدما استمعت لأغنية جديدة من خالد عياد. أتابعه منذ سنوات وأراه فنان رائع بحق، لا يعرفه الكثير إذا ما قمنا بمقارنة أعداد معجبيه بأعداد معجبيّ فنانين مشهورين. فعدد متابعيه في تويتر أقل من 300، وفي انستاغرام يزيدون عن 1000 متابع بقليل. كلمات الأغنية في غاية الرقّة والجمال، وهي قصيدة الشاعر الفلسطيني الأصل “معروف رفيق محمود”. عندما بحثت عن كلمات القصيدة وجدتها تحمل عنوان “قارورة عطر”. ووجدت ابنة الشاعر الراحل تقول تعليقاً على هذه القصيدة البديعة: “كُتبت الكلمات مُرفقة بقارورة العطر، هدية لوالدتنا العزيزه”! أليس ذلك جميلاً؟ وكيف كنت سأصل لشيء جميل كهذا لولا أن اختيار خالد عياد كان في غاية الذوق؟

قارورة عطر

كلمات: معروف رفيق محمود
غناء وألحان: خالد عياد

كم هام قلبي واكتوى بهواه
والشوق يغري أن أزور حماه
فطفقت أستعطي الزهور عبيرها
ما كنت أستعطي الشذى لولاه
أنست عند الورد بعض تلطف
فتقطرت بعبيره شفتاه
وحنا العرار وقال خذ ما ترتجي
ورمى لي الريحان عود صباه
ورجوت زهر الياسمين أريجه
فاختال مزهوا بما أعطاه
وسألت أكمام الورود فرحبت
وتفتحت تيها، لمن أهواه
رق النسيم وهاجه ما هاجني
وجمعت من قطر الندى أصفاه
وعصرت من ذوب الفؤاد محبة
والشوق يهتف في غد تلقاه
ومزجت ما لملمت في قارورة
وذهبت أسعى علني ألقاه
ولقيته، لم أدر كيف لقيته
فترددت في المشرقين الاه
أهديته حقا يضوع بعطره
فبكت على قرب النوى عيناه
ودعته والطيب يبعد مسرعا
لا عيش في بعد على ذكراه

في عصر نظام التفاهة، لا عاصم اليوم يمنع رؤية تجليّاتها في كل مكان من حولنا

يحصل أن يمر بك نص صادم من كتاب، يحتلّ فوراً مكان استثنائي في ذاكرتك لفترة لا بأس بها، تسترجعه بشكل شبه يومي بدون قصد عند رؤية شيء ذو علاقة به. هذا ما يحصل لي من فترة بعدما وقعت عيناي على نهاية مقدمة كتاب “نظام التفاهة” لمؤلفه الكندي آلان دونو وترجمة د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري.

كتبت د. مشاعل مقدمة من 60 صفحة، وهي مقدمة رائعة بالفعل لكتاب لم أجده سهل القراءة. تقول المترجمة في نهاية مقدمتها وبعدما تعرضت لأصناف وأنواع التفاهة المسيطرة اليوم على جوانب الحياة المختلفة، ودلالاتها التي نحتك بها ونشاهدها بشكل مستمر:

قد لا يصدّق أحدٌ ما أقوله، ولكنني أؤكد لذوي الرأي الحر، المخالف/المختلف، المُعلن: إلى أن تنتهي هذه المرحلة، لا يوجد دعم، أياً ما كان وزنه، يمكنه أن يحميك من عذابات الحياة اليومية التي تتطلب احتكاكاً - على متسوى التفاصيل - مع التافهين وضيقي الأفق. كل اتصال اجتماعي، كل اجتماع عمل، كل معاملة رسمية، كل مشوار للسوق، بل وكل توقف قصير في إشارة المرور، سوف يحمل معه تحدياً حقيقياً، أنت فدائيون.

ليس هناك شك أننا على المستوى العالمي نعيش مرحلة عز مجد سيطرة التفاهة والتافهين على مفاصل الحياة. لا يكاد يكون هناك مجال عام إلا وقد رضخ لرؤية أباطرة التفاهة ويسير بحسب القوانين التي وضعوها. يناقش الكتاب كافة المجالات العامة، ويشرح التحولات التي حصلت والواقع اليوم الذي يؤكد رؤية المؤلف ولا أجد فيها مبالغة وسوداوية.

ترى د. مشاعل أن من يتفتق ذهنه على هذا الواقع، سيجد معاناه في تجاهل تجليّات التفاهة أمام عينيه ومن حوله في حياته اليومية. وأنّه لا عاصم ولا دعم له حتى تنجلي مرحلة سيطرة التفاهة التي نعيشها، ويعود للعالم شيء من العقل. في غالب الظن، للأسف لن نعيش حتى نرى انحسار التفاهة وتقهقر سيطرتها على جوانب الحياة. فعلى كل من ينصدم بهذه الحقيقة أن يبتكر من الحلول ما يساعده على تجنب الاستسلام والتحول ليصبح مجرّد تافه آخر..

عندما يصبح التميّز محنة، لماذا البعض في تويتر وخارجه يكره كل ناجح ومتميز ويسعى لإسقاطه؟

التميز والنجاح لم يكونا يوماً بدون ضريبة يجب دفعها. هذه قاعدة معروفة وثابتة تسندها السنن والقصص ومسيرة الناجحين. أحد الأمور النكدية التي على المرء التعامل معها رغماً عنه هي ضريبة اصطدامه بالحاقدين وأهل الغدر، وما يظهرونه ويفعلونه تجاهه لعرقلته أو إسقاطه إذا استطاعوا.

في كتابه الرائع “تأملات فى الإنسان”، جعل رجاء النقاش أول فصول كتابه عن الحاقدين والتعامل معهم. يرى النقاش بأن هناك نوع من الناس لديهم كره عميق للامتياز، يعادون التفوق، ويخافون خوفاً عميقاً عندما يرون شخصاً يتمتع بموهبة لامعة. لا يحبون أن يروا تمثالاً جميلاً تنظر إليه العيون بإعجاب، وتلتف حوله القلوب بأعمق ما فيها من عاطفة. ولكنهم يستريحون تماماً إذا تحطم هذا التمثال ورأوه مجموعة متناثرة من الأحجار. يطربهم رؤية ناجح مستحق للإعجاب وقد تحول لمنكسر ذو روح متناثرة. منظر الضعف يريحهم ويسعدهم، منظر الدمار يطمئنهم على أن العالم بخير.

دوافعهم ومشكلتهم مع المتميزين

هذا النوع من الناس يعادون الامتياز والتميز في كل صوره، سواءً كان هذا الامتياز وجهاً جميلاً، أو شخصاً محبوباً صادقاً، أو عملاً ناجحاً. الدافع الذي يحرك هذا النوع من الناس هو أن أصحابها لا يملكون صفة جميلة تميزهم عن الغير، وهم في الوقت نفسه لا يعملون ولا يجتهدون لاكتساب هذه الصفة الجميلة. عندما يقع أحدهم في أزمة شخصية، فإن يهرب منها بكراهية تميز ونجاح الغير، ويعمل على تشويه المتميزين وتحطيمهم، وفرش طريقهم بالأشواك إذا استطاع.
الناجح والمتميز هو نقد غير مباشر لهذا النوع من الناس، نجاح وتفوق الآخرين يبرز ما فيهم من نقص وعجز، ويكشف إلى أي حد يعيشون بفشل على سطح الحياة بعيدين عن عمقها. هذا الشعور يثير قلقهم، بل إنه يثير خوفهم، فكيف يمكنهم التغلب على نار هذا الشعور المحرق؟ كيف يمكن الوقوف أمام النجاح بدون نجاح؟ وأمام القوة بدون قوة؟ وأمام الجمال بلا جمال يوازيه؟

كيف يخففون من آثار خوفهم من المتميزين؟

سبيلهم لتخفيف هذا القلق والخوف هو بالافتراء والنقد الظالم للمتميز، تشويه صورته، وإقناع أنفسهم والناس بأن ذلك الذي أثار ذعرهم بتفوقه ونجاحه هو شخص لا أهمية له. بل إن ممارساتهم هذه تصبح عندهم رسالة كبيرة، محاولاتهم إثبات عجز المتميزين والبحث عن أخطائهم وإبرازها للجمهور، أو افتعالها من العدم وفبركتها كلها محاولات لإيقاف نجاح المتميز وإسقاطه. وعندما ينهار المتميز وينكسر، تستريح نفوس أعدائه الذين خلقهم امتيازه، وتنطفئ نار الحقد مؤقتاً ما دام بقي منكسراً، ويعود كل شيء هادئاً مطمئناً في نفوس الحاقدين الذين أزعجهم تفوقه.

كيف يساعدهم المتميز في تأجيح أحقادهم بدون قصد؟

يرى النقاش أن من حقائق الحياة المؤلمة، أن المتميز يتيح الفرصة أحياناً لمثل هذه المواقف، فهو غالباً ما يكون منصرفاً ومشغولاً بالأشياء الجوهرية في الحياة والعمل على مشاريعه، لا يسمح لنفسه أن تهتم بالأشياء التافهة، وهو لا يشعر بخطر هذه الحملات التافهة. كثيراً ما يتصور الناس على صورته، يعتقد أنهم مشغولين ويفكرون بالأمور الجوهرية مثله، ويحبون الجمال مثلما يحبه، ويؤمنون بما يؤمن به من أفكار إنسانية، وهو لا يتصور كثيراً أن أحداً يمكن أن يخطر على باله أي نوع من الغدر والخديعة تجاهه. يصف النقاش هذه الحالة ب “ضعف العظماء”، وهو الضعف الذي يؤدي إلى عدم رؤية الآخرين رؤية صحيحة، والعجز عن تصور انفعالاتهم الخفية السوداء وإدراكها.

ولذلك فكثير من المتميزين يقعون في فخاخ الحاقدين عليهم بسهولة غريبة، بل إنهم يساعدون -بدون قصد- مساعدة رئيسية في خلق الأسباب التي تؤدي بهم إلى الكارثة والنهاية الحزينة. ولم يسلم من هذا المصير إلا نوع من الناجحين الذين جمعوا إلى القوة فهماً واقعياً دقيقاً للنفس البشرية، وما فيها من منعطفات ضيقة ودهاليز مظلمة. ويضرب النقاش بسقراط كمثال عندما واجه محاكمة الحاقدين ودافع ببلاغته الساحرة حتى أثبت أفكاره وبرهن عليها مما تسبب ذلك في إصدار حكم الإعدام عليه بشرب السم. يعلّق برنارد شو على دفاع سقراط في محاكمته فيقول:

“إن إثبات سقراط لفكرته كان هلاكاً له وقضاءً عليه. لقد قضى عليه جهله بمبلغ ما أثار عليه رجحان عقله في قلوب الرجال من خوف وكره، وما كان سقراط يحمل لهم في قلبه إلا الخير، وما كان يظن إلا أنه أسدى لهم كل معروف”.

انتهى سقراط بتهمة باطلة، شرب السم ومات، انتهى لأنه كان صادقاً وجميلاً، كان متميزاً. لقد أثار عليه تميزه الأنفس التي تخاف التميز وتكرهه، وتشعر أمامه بالرهبة، ولا تستريح حتى تشوهه وتقضي عليه، وحتى تجعل من التمثال الجميل تمثالاً مكسوراً، أجزاؤه كومة من التراب تخلو من التأثير والجاذبية.

تقدير المتميزين يخفف من آثار أفعال الحاقدين

الموظف الناجح، الفنان الموهوب، الشخص المحبوب، كلهم يعاونون مشكلة مصادمة الحاقدين الذين يكرهون النجاح والتميز. يرى النقاش بأن ما يخفف هذه الظاهرة البشرية المدمرة هو محاولة الطيبين احترام الناجحين والمتميزين وإظهار التقدير والمحبة بحسب إنجازهم. حبنا للمتميز والناجح يعني الانتماء إليه والاعتراف به. ولكن حب الامتياز عادة صعبة، تحتاج إلى ظروف اجتماعية تتيح للجميع فرص متكافئة، وتفتح الطريق أمام كل فرد يريد أن يعمل ويجتهد. ولذلك فإن المجتمع كلما تقدم واتسعت فرص الحياة فيه أصبحت مشكلة الفرد المتميز أقل انتشاراً وأقل عنفاً. فالمجتمع المتقدم دائماً يحتاج إلى المتفوقين والمتميزين ويعتمد عليهم، كما أنه يتيح الفرصة لكل فرد حتى يملأ حياته العملية وحياته النفسية بما يشغله ويجعله راضياً عن الحياة غير ساخط على الآخرين.

سيبقى المجتمع يعاني من الأنفس الحاقدة التي تكره الامتياز وتخشاه، فالامتياز ابتكار وتجديد وخروج عن العادة، والناس تستريح للعادة القديمة، حتى لو كانت سيئة، على أن تحتمل هموم وضرائب التجديد والابتكار. ولكن في نفس الوقت، سيبقى المجتمع يضع سره وقوته في المتميزين والناجحين لأنهم هم من يدفع الحياة في المجتمع للحركة، هم من ينير الطرقات المظلمة، ويغامرون دائماً لسبر الطرق الغامضة حتى يسير من بعدهم الناس في الطرق التي اكتشفوها.

يختم النقاش بقوله أن الذين يكسّرون التماثيل الجميلة، أو يسعون إلى تشويهها، قد ينجحون أحياناً، ولكن الحياة تعود من جديد فتخلق هذه التماثيل ليحبها البعض، ويكرهها آخرون، ولكي تكون دائماً الزهرة التي تثير العطر للناس وتشرب العذاب.

زيارة استجمام خفيفة إلى مدينة الملك عبدالله الاقتصادية

لطالما سخر منا باقي سكان السعودية عندما نقول في أيام كهذه أن جو جدة بارد. صحيح أن درجة الحرارة لم تنزل عن العشرين، ولكن هذا الفرح بالشتاء المزعوم هو ما يدفع سكان جدة بفرح لإخراج ملابسهم الشتوية التي لا يرتدونها إلا أيام معدودة لا تتجاوز أصابع اليدين في العام. شتاء جدة وديع، يليق بوداعة هذه المدينة، وهو أقرب للمزحة مقارنةً بباقي المدن.

احتفالاً بالأجواء الشتوية المزعومة وكسراً للروتين اليومي، زرت اليوم للاستجمام مدينة الملك عبدالله الاقتصادية. من بين الوعود والأهداف التي أعلنت عند تدشين العمل في هذه المدينة قبل 15 عام، قيل أنها ستكون مدينة متكاملة على مساحة 180كم²، تتضمن واجهة بحرية تصل إلى 38كم²، بتكلفة 375 مليار ريال سعودي يتم جمعها من الاستثمارات (داخلية وخارجية وليست حكومية). وأنها ستصنع 500 ألف وظيفة، قيل أنها ستضم جامعات ومراكز تعليمية ستستقبل نحو 20 ألف طالب وطالبة، وستشمل خمسةَ آلاف غرفة فندقية و25 ألف فيلا. كان الهدف الوصول إلى 2 مليون ساكن بعد 15 عام من الآن.

المدينة التي رأيتها اليوم تشتمل على فندقين، شاطئ صغير لطيف، وبعض المطاعم والمقاهي في المارينا التي يمكن زيارتها في رحلة استجمام خفيفة. هذه تكاد تكون المرافق التي يزورها في العادة زوار المدينة من أهل جدة. سمعت أن الميناء الجديد هو المشروع الوحيد الذي تم الانتهاء منه. يقال أن عدد سكان المدينة لا يتجاوز 5 آلاف شخص (بدون العمالة)، والبعض يرى أنه رقم مبالغ فيه بشدة.

المسافة بالسيارة بين الشاطئ ومخرج المدينة تستغرق حوالي ربع ساعة، طوال الطريق لم أرى من حولي إلا مساحات شاسعة موحشة لا يملؤها إلا الهواء. كنت أقود السيارة بهدوء متأملاً في هذا الفراغ المخيف، متذكراً كل الوعود التي أطلقت قبل 15 عام، ويخطر على بالي خمسين سؤال وسؤال، على رأسها: لماذا؟

حتى لا نقع في فخ الشعور بالندم من حيث لا نعلم..

شاهدت اليوم مقطع واتساب قصير وصلني لشخص يتحدث بحسرة على أنه لم يكن أكثر جرأةً في مقتبل عمره على خوض تجارب وأمور كانت تستهويه. الشعور بالحسرة هو شعور لا يسلم منه أحد وهو يخوض غمار حياته. شعور طبيعي مثل باقي المشاعر التي تكتنفها النفس البشرية، ونمر بها بعد الدخول في بعض التجارب أو تفويتها.

لدى علماء النفس تفسيرات مختلفة لثلاثة أمور تبدو متطابقة ولكنها مختلفة برأيهم وهي: الشعور بالذنب (Guilt)، و الندم (Remorse)، و الأسف (Regret).
بعضهم يرى أن الشعور بالذنب لا يعني بالضرورة أن يترافق معه شعور بالندم والأسف. تشعر بالذنب أنك لم تفعل شيء كان يتوجب عليك فعله، أو فعلت شيء لم يكن من الصحيح فعله. الشعور بالذنب ممكن يصيب شخص طبيعي في العمل، وكذلك لص تم القبض عليه.
الندم شعور أعمق يتشكّل بعد اكتمال وعي المرء بحجم المشكلة ونتائجها، ينتج عن الندم مشاعر متعاطفة للمرء تجاه نفسه أو تجاه طرف متضرر من شيء عمله تجاهه وكان خطأ أو لم يفعله وكان يتوجب عليه فعله. الندم يدفع المرء للإعتذار وربما طلب الغفران. الشعور بالذنب لا يصل لهذه المرحلة. الندم شعور ثقيل جداً وله تبعات.

هناك مقولة بسيطة ومباشرة وعميقة لروزفلت تقول:

افعل ما تستطيع فعله، بما هو متوفر لديك، حيث أنت الآن (Do what you can, with what you have, where you are).

عند خوض أي تجربة عملية جادّة وذات أهمية للفرد (في الوظيفة أو المشروع الريادي أو علاقة اجتماعية)، عليه أن يعطيها كل ما لديه من اهتمام وتركيز ووقت حتى تنجح. فإذا نجحت، فهذا المأمول. ولكن إذا فشلت، فسيختبر شعور نفسي مزعج يتراوح بين الشعور بالذنب وبين الشعور بالندم، بحسب التجربة وسياقها. كيف يستطيع المرء منع الشعور بالندم وما يأتي بعده، إذا كان فعلاً ليس هناك استحقاق للشعور بالندم؟

بعيداً عن التعقيد، بعد فشل تجربة ما، ممكن يراجع المرء نفسه ويسألها ثلاثة أسئلة مستوحاة من مقولة روزفلت:

هل فعلت كل ما أستطيع فعله؟
إذا كنت مقتنع أنني أعطيت كل ما أقدر عليه من اهتمام ووقت وجهد فقد تجاوزت السؤال الأول.

هل استغلّيت كل الموارد التي كانت بين يدي؟
بالميزانية التي استطعت توفيرها، وعدد أفراد الفريق الذي كان معي، إلخ.. هل استغليت كل الموارد؟ إذا كان هذا ما حصل بالفعل، فقد تجاوزت السؤال الثاني.

هل كنت عند خوض تجربتي واعياً بالسياق المكاني والزماني والثقافي الذي أعمل فيه؟
هل كنت أتصرّف بوعي بالمكان الذي أخوض تجربتي فيه (أم كأنني مقيم في سليكون فالي)، في محيطي الثقافي والعائلي (وليس في مجتمع غربي بثقافة مختلفة)، في الزمن الذي أعيش فيه (وليس كأنني أعيش  في زمن قبل 15 عام أو في المستقبل).

إذا وجد المرء أنه فعل كل ما كان يستطيع فعله، بالأدوات والموارد المتاحة لديه، واعياً بالسياق الذي يعيشه، ولم ينتج عن ذلك نجاح تجربته، فالمفروض أن لا يشعر إطلاقاً بالندم. ربما شعور مؤقت بالذنب أنه لم يعمل خطوة ما أو أنه عمل شيء لم يكن من المفروض عمله. يعالج هذا الشعور بشكل ما سريعاً، ويتجاوز التجربة بسرعة إذا قدر. لا يحمّل الموضوع أكثر مما يحتمل.

ما دام الإنسان مقدم على الحياة ويخوض تجارب، فالخطأ والتقصير والفشل متوقع ومحتمل. المهم أن يعطي كل تجربة حقها من الجهد والتركيز ويعمل بالموارد المتاحة وضمن السياق الذي يعيش فيه. إذا فشل فسيشعر ببعض الخيبة، ولكن لا تصل للندم الذي ربما يقوده للإنكفاء والاستسلام.

أهلاً 2020، عام الروقان وكذلك المفاجآت الكبرى والحصاد الكبير!

وأخيراً وصل 2020، ها نحن أحياء نستنشق الأوكسجين فوق سطح هذا الكويكب التافه الذي يقال لنا أنه الوحيد الصالح للحياة حتى الآن. سنشعر بخجل كبير لو قدّر لنا أن نرى الفضائيين وهم يضحكون علينا عند سماعهم لنا نردد هذا الكلام كحقيقة مطلقة. على العموم وصل العام الجديد، فماذا أنا فاعل به وفيه؟

سألت في نهاية العام الماضي الأصدقاء في تويتر عن مقترحاتهم لتسمية 2020.

وردني كثير من الاقتراحات التي تنطلق من رؤية وتوقعات أصحابها للعام الجديد. أمّا أنا فقد أطلقت عليها “سنة المفاجآت الكبرى، والحصاد الكبير” بما يخص أحداث المنطقة والأحداث العامّة ككل. وها قد بدأت بهلاك خادم الشيطان، المعروف ب قاسم سليماني، وهو حدث عظيم وبشارة خير بدون شك. مفاجأة كبيرة وحصاد كبير في صالحنا، والعاقل يأمل ويدعو الله أن تكون كل الأحداث في صالحه ولكنه لا يتوقع أن تكون جميعها كذلك.

أمّا على المستوى الشخصي، فقد أطلقت على 2020  مسمّى “عام الروقان”. لو قدّر لي أن أنتزع سنة واحدة من ذاكرتي من بين جميع سنوات عمري وأنساها، لاخترت 2019 بدون تردد. كانت قاسية بما يكفي لأن أجعل ما بعدها سنة للروقان.

يقال أنّ الحرب العالمية الثالثة ستنطلق قريباً، وكأنّ ذلك يهمّني. بما أننّي رواقي الهوى، فقد أقنعت نفسي بالأسوأ منذ 5 سنوات، وهو ما سمح لي بالتحررّ من القلق والخوف، وتشرّبت الإقدام على الحياة والإنجاز.

وبالتالي جميع الأحداث والأخبار ستبقى هامشية بالنسبة لي، مهما كانت تبدو سيئة ومخيفة للناس. اكتسبت بالقصد والترّصد مع الوقت قلب ميّت تجاه الأحداث، ولكنه حيّ تجاه الحياة. لا أعتقد هناك طريقة للمضي قدماً بغير ذلك.

بعد مغادرة رواق، سيخفّ الجانب العملي في حياتي بشكل كبير. خطّتي في 2020 لن تختلف كثيراً عن سابقتها، وغالباً ستكون لتثبيت روتيني الناجح والإضافة عليه، بالطبع بجانب ارتباطات العمل التي ليست مكان السرد هنا:

القراءة والكتب

كتاب كل أسبوع، التزمت بذلك العام الماضي بنجاح وبالتالي يمكنني مواصلة نفس المعدّل بارتياح. أغلب الكتب ستكون سير ذاتية و روايات.

اليوغا كرياضة أساسية

كانت اليوغا على قائمة أجمل اكتشافاتي في الربع الثالث من العام الفائت. أسعى للتعمقّ فيها بشكل أكبر هذا العام والالتزام بخمس حصص في الأسبوع. ثلاث منها مع مدرّب، واثنتان بشكل شخصي. ربما أضيف رياضة جانبية مثل تنس أرضي أو غيرها من باب كسر الروتين إذا وجدت حاجة لذلك. أنوي إجراء عملية جيوب أنفية للمرة الثانية بعدما فشل العلاج التقليدي. ربما يسمح لي الوضع بعدها بخوض تجربة تعلّم رياضة الغوص التي أحلم بها منذ مدة طويلة ولكن لم أتمكن من ممارستها بسبب مشاكل صحية مع الجيوب الأنفية.

النظام الكيتوني كنظام غذائي

التزمت بالنظام الكيتوني حوالي 8 شهور من العام الماضي. الوزن ثابت تحت الوزن المثالي بدرجة. هذا العام أنوي على الأقل الالتزام 6 شهور بالنظام الكيتوني. نظام مريح للأعصاب ومؤثر في صفاء الذهن، وطارد للصداع النصفي الذي يرافقني منذ عقود.

الأفلام والمسلسلات كترفيه إضافي

فيلم متميز واحد أسبوعياً هو معدّل أكثر من رائع من تجربتي العام الماضي. ربما سأضيف إليه مسلسل واحد كل ربع سنة.

ديتوكس الناس

من النجاحات الشخصية لي في العام الماضي كان إنهاء بعض العلاقات المسمومة التي طالت مدتها. من يقدّر ذاته، عليه أن لا يجبرها على الالتزام بعلاقات تستهلك طاقته وتفكيره ومشاعره بشكل سلبي سواءً في الحياة العملية أو الاجتماعية. وجدت من التجربة العملية أن عدد محدود من الأصدقاء المقرّبين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة هو عدد كافي. لا أتذكر أسماء وعلاقات باقية يجب عليّ التخلص منها، ولا أشعر بوجود رغبة في توسيع القائمة والدخول في علاقات جديدة. الناس رائعين وستبقى تحبهم ومنفتح عليهم ما دمت تعرف أين تضع تماماً حدود الجدار الفاصل بينهم وبين مشاعرك وداخلك، ما عدا شخص أو شخصين يمكن لك أن تسمح لهم بالنفاذ.

مواصلة قول “لا” ربما لكل شيء

سرّ وجود الوقت الكافي للعمل والإنجاز ولكي أعمل ما أحب، هو جعل “لا” جوابي الافتراضي لكل شيء ممكن يشغل جزء من وقتي ولا يعود بفائدة معنوية أو عملية عليّ. من كثر ما أصبحت أقول “لا”، أشعر أنني أحسن واحد في العالم يقول “لا”، بحيث أن كل “نعم” قلتها العام الماضي لم أندم عليها.
لا لمتابعة الأخبار، لا للملتقيات والمؤتمرات فأغلبها ذات محتوى مستهلك، لا للظهور الإعلامي في أي ملتقى أو برنامج أو بودكاست أو وسيلة إعلامية للترويج الشخصي فالمسرح مزدحم بالممثلين، لا للجلسات الاستشارية لأنها تستهلك طاقتي وتفكيري، لا للنقاشات والجدل الفكري، لا للدفاع عن أي أفكار وآراء أؤمن بها (ألقيها وأشارك بها كما هي بدون نقاش ودفاع عنها)، لا للانضمام لأي تجمّعات أو مجموعات في أي مجال، لا للمشاركة في أي حملات جماهيرية عبر تويتر أو غيرها تكون ذات منحى هجومي أو دفاعي.


كل ما سبق هدفه صنع روتين مستمر على مدى العام يكون داعم للمرء في الحياة العملية للتركيز والإنجاز أكثر. كل شخص عليه وضع أهدافه وابتكار روتينه الخاص بالدخول في تجارب مختلفة حتى يصل لنموذج مناسب لشخصيته ويرتاح له. وبالطبع ما يناسبني ليس بالضرورة يناسب غيري، والعكس صحيح. لا يوجد حل سحري وصحيح يناسب الجميع، ولكن المهم أن يجتهد المرء لفهم ذاته واحترامها، وبالتالي لا يفعل إلا ما يؤمن به بدون أن يجبر نفسه على ممارسة وتبني ما يعرف بداخله أنه لا يناسبها.