يوميات

تدوينات: 19

عندك بيتكوين سلف؟

يبدو أن البيتكوين عاد ليكون حديث الناس هذه الأيام حيث اخترق حاجز $10,000 لأول مرة منذ الانهيار الكبير في ديسمبر 2017. أنصار البيتكوين والعملات الرقمية يجددون إيمانهم وثقتهم في موجة التخريب الرقمي (Digital Disruption) للقطاع المالي المتمثلة في ثورة البلوكتشين والعملات الرقمية وسيدتها البيتكوين. في نفس الوقت، لازال بعض الاقتصاديين والخبراء الماليين يشككون في هذه التحولات، يحذرون منها، ويرفضون معظم أطروحات ثوّار العملات الرقمية الجدد. بل يجزمون بأنها فقاعة كبيرة ستختفي وسيكون لها ضحايا كثر.

لست خبير اقتصادي ولا مالي، ولكن الذي أعرفه أننا بلغنا مرحلة حساسة منذ انطلاقة البيتكوين قبل 10 أعوام. وكل جهود البنوك والسياسيين والحكومات فشلت حتى الآن في وأد حلم ثورة العملات الرقمية، ولو كانوا يقدرون على ذلك لما تأخروا لحظة لأنها تهديد حقيقي لنموذج عمل البنوك ومؤسسات النقد الحكومية ونماذج عمل أجزاء كثيرة من القطاع المالي. كل المحاولات حتى الآن لمواجهة هذه التحولات فشلت، ربما أبطأتها شيئاً ما ولكن لم تقتلها. وعودة ارتفاع وصعود البيتكوين يعيد الحوار بقوة على الطاولة.

ربما أكبر عيب ونقد يوجه لفكرة البيتكوين والعملات الرقمية هو ترديد البعض بأن ليس لها أصول أو قيمة ملموسة مثل الذهب والعملات التقليدية. والحقيقة أن نظرة بسيطة للبشرية عبر تاريخها تكفي للحكم بأن هذا النقطة لن تكون العامل الذي سيوقف جموحها القادم. فلطالما كان البشر إذا توافقوا واتفقوا على إعطاء شيء قيمة يصبح له قيمة لزمن يطول وينقص بحسب استمرار إيمانهم به. عندما اتفق عدد كبير من الناس أن الذهب (وهو معدن لا أكثر) هو شيء مهم وذو قيمة، أصبحت له قيمة استمرت منذ مدة طويلة، وقام على أساسه اقتصاد أمم وشعوب.

البشر كذلك يتفقون على إعطاء أمور كثيرة قيمة كبيرة، ويبنى عليها اقتصاد وحروب وتاريخ. فعندما اتفق الهندوس على إعطاء البقرة كل تلك القيمة، قام عليها دين ومذاهب واقتصاد وحروب. وعندما اتفق البشر على إعطاء بعض أنواع الفن قيمة عالية مثل اللوحات الفنية القديمة والآثار قام عليها كذلك مشاريع وقطاعات واقتصاد ومتخصصين ووظائف.

المسألة هي اتفاق عدد كبير من الناس أن لشيء ما قيمة حقيقية بغض النظر عن رأي شرائح أخرى، فيبدأون في تداولها والمتاجرة بها منطلقين بقناعة قيمتها، فينشأ عن ذلك أعمال ومشاريع واقتصاد. ثم مع الوقت تتسع الشريحة التي تؤمن في قيمة ذلك الشيء الذي آمن به من قبلهم، فتزداد قيمته ويصبح جزء من الحياة الاقتصادية وحياة المجتمعات بشكل عام.

أما مسألة التشريعات والقوانين فهي قابلة للتغيير إذا ضغط عدد كافي كبير من الناس لتغييرها. والتشريعات الاقتصادية والمالية هي في نهاية المطاف مثل غيرها من التشريعات الاجتماعية والسياسية تخضع لضغط أصحاب السلطة ومجموعات ضغط المجتمع ودوائر التأثير. قبل 100 عام ربما لم تكن هناك دول غربية تسمح بزواج المثليين أو تعترف به كزواج رسمي. ولكن مع الوقت وتغير المناخات السياسية وقوى الضغط والمجتمعات، تغيرت التشريعات لتعترف به، وقد كان شيء من ضرب الخيال لا يتخيله أحد. وغيرها الكثير من التشريعات التي تغيرت مع الوقت بناءً على عوامل تأثير مختلفة.

موجات التخريب الرقمي Digital Disruption ضربت قطاعات كثيرة منذ بداية الإنترنت قبل 25 عام (التجارة التقليدية، الإعلام، السفر والسياحة، إلخ)، وفكرة البلوكتشين والعملات الرقمية حتى الآن تبدو التطبيق التخريبي لنماذج عمل البنوك والقطاع المالي القديمة. لا أعتقد هناك عاصم أمام تحولات وآثار تمدد التكنولوجيا في حياة المجتمعات. هل البيتكوين بالذات هي الابتكار الذي سيتسيد موجة التغيير هذه؟ حتى الآن يبدو ذلك، ولكن الزمن سيحكم.

عن قداسة ظهيرة السبت

فترة ظهيرة السبت تبدو دائماً حالة ملفتة بين فترات وأيام الأسبوع. فتور لذيذ، فجأة أشعر أن الحياة توقفت; لا اتصالات ولا مواعيد ولا مهام، لا أنتظر أحد ولا أحد ينتظر مني شيء.

شعور بالخمول الذهني والبدني، العقل يمر بحالة إعادة شحن بعد استهلاكه طوال الأسبوع، بالكاد أفتح عينيّ أو أركز تفكيري في شيء محدد. جسدي يتجهز لتخزين طاقة أبدأ في استنزافها بشكل خفيف باقي اليوم، ثم أحرقها باقي أسبوع العمل.

من يحاول اختراق جوّي في هذه اللحظات في الغالب أنه لم يجرّب هذا الهدوء، وبالتالي لا يقدّر قداسة ظهيرة السبت.

هناك متعة في أن لا أفعل شيء، أن لا أفكر في شيء، أن أحاول أن لا أتحرك كثيراً بل أستمتع بالتقلّب يمنياً ويساراً حتى ينتهي هذا الوقت.

كل شيء ملحوق عليه، كل شيء عليه أن ينتظر. طوال الأسبوع بين مطاردة ومتابعة أو انتظار قرارات الحياة. فعلى الحياة أن تنتظر قليلاً..

مجدداً مع اعترافات تولستوي

حدثتني نفسي هذا اليوم أن أعود لقراءة اعترافات تولستوي. هذا الأديب العالمي العظيم الذي يعتبر مكسب كبير للإنسانية جمعاء وللأدب العالمي، وثّق اعترافات صراعه مع أسئلة الحياة الكبرى في كتاب صغير من أعظم ما قرأت.

عندما بلغ تولستوي الخمسين من العمر، كان في قمة المجد والشهرة بفضل غزارة إنتاجه الأدبي، جمع ثروة مالية وأراضي وممتلكات، وكان لديه عائلة كبيرة، وصحته في أفضل حال. ولكن عادت له أسئلة الحياة التي كان يهرب منها في شبابه. فقد كتب يوماً في شبابه:

“هناك مسائل مجهولة ينبغي لي أن أجيب عنها، وتلك هي: لماذا أعيش؟ وما السبب في وجودي؟ وما الغرض منه وما معنى هذه التفرقة بين الخير والشر التي أحس بها في دخيلة نفسي؟ وكيف ينبغي أن أعيش؟ وما الموت؟ وأين سبيل الخلاص؟”.

ولأجل البحث عن إجابات، تحول من مجال الأدب إلى عالم الفلسفة الذي قرأ فيه ثلاثين عام، ولكن الفلسفة والعلم كليهما لم ينتهيا به إلى غاية، وقد أسف تولستوي أشد الأسف إذ تبيَّن أن آراء هؤلاء الحكماء — كما يقول:

“واضحة جلية دقيقة حينما تبتعد عن مشاكل الحياة المباشرة، ولكنها لا تهدي الحائر إلى سبيل، ولا تبعث الطمأنينة إلى القلوب الضالة القلقة، وكلها يقصر دون سؤالي الذي طالما حِرت فيه، وذلك هو: لماذا نحيا؟”

وبعد أن ترك الأدب ثم الفلسفة توجه إلى الدين، وهي المرحلة الثالثة من حياته. فأعاد النظر في مفاهيم المسيحية وعقائدها ووجد الفساد ينخرها. في كتابه “اعترافاتي”، يوثّق تولستوي مسيرته الفكرية ومحاولاته للوصول لإجابات عن الحياة. الكنيسة بالطبع لم تكن سعيدة بكتابه واكتفت بمصادرته في البداية، ثم باعتباره زنديقاً وحرمانه من رحمتها. تم وصف تولستوي بالثوري الفوضوي رغم أنه كان يؤمن بأن الثورات فوضى وكتب حول ذلك. ويقال أنه لم يمهّد لثورات لينين وتروتسكي والشيوعية أحد مثلما مهدت لها اعترافات تولستوي وكتاباته اللاحقة في الشأن العام، رغم أن مبادئه وأفكاره في مرحلته الثالثة تتعارض بشكل جذري مع الشيوعية التي تأثرت به.

يقول تولستوي في بداية اعترافاته:

منذ خمس سنوات حدث لي أمر عجيب جدًّا، كانت تمر بي في مبدأ الأمر لحظات من الحيرة والارتباك في الحياة، كأني لم أعرف كيف أعيش أو ماذا أعمل، وأصابني الخور والاكتئاب، ثم انقشعت هذه السحابة المظلمة، وواصلت العيش كما كنت أفعل من قبل، ثم عاودتني لحظات الحيرة أكثر من ذي قبل، وكانت تتخذ دائمًا صورة واحدة، وأرَّق جنبيَّ هذا السؤال: لماذا كل هذا؟ وإلامَ يؤدي بنا؟

وبدا لي أول الأمر أن هذا السؤال وما يشبهه نابٍ لا يؤدي إلى غرض، وظننت الأمر جليًّا واضحًا، وأني إن أردت أن أجد للمشكلة حلًّا فإن ذلك لا يكلفني جهدًا كبيرًا، إلا أن الوقت لم يتوفر لي في تلك اللحظة الراهنة، وليس أيسر لي من أن أجد لسؤالي جوابًا إن أنا أردت ذلك، وأخذت هذه الأسئلة تخطر لي في فترات متقاربة، وألحت عليَّ إلحاحًا بحيث لم يعد لي مندوحة عن الإجابة عنها، وأضحت كقطرات المداد تسقط في مكانٍ واحدٍ فتتجمع حتى تصبح بقعة واحدة سوداء.

وحدث لي ما حدث لكل من يقض مضجعه مرض باطني قاتل، تبدو على المريض أولًا أعراض طفيفة من التوعك لا يعيرها التفاتًا، ثم يتكرر ظهور هذه الأعراض حتى تصبح فترة واحدة متصلة من العناء والألم، ويشتد الألم، وقبل أن يستطيع العليل أن يلتفت حواليه يجد أن ما كان يحسبه توعكًا طفيفًا قد بات لديه أهم شيء في الحياة، إنه الموت!

ذلك ما حدث لي، وأدركت أنه لم يكن توعكًا طارئًا، وإنما هو أمر جلل، كما أدركت أنه لا مناص من الإجابة عن الأسئلة التي ترد على خاطري ما دامت لا تني عن الإلحاح، وحاولت بالفعل أن أجيب عنها، وبدت لي سخيفة ساذجة صبيانية، وما كدت ألمسها وأحاول الإجابة عنها حتى اقتنعت في الحال «أولًا» بأنها ليست صبيانية سخيفة، إنما هي أهم مسائل الحياة وأبعدها غورًا و«ثانيًا» بأني مهما حاولت لن أجد لها حلًّا، وقبل أن أشغل نفسي بضيعة «سمارا» أو بتربية ابني أو بتأليف كتاب، كان لا بُدَّ لي أن أعرف لماذا أفعل ذلك، وما دمت لا أدرك السبب لم أستطع أن أفعل شيئًا، بل ولم أستطع أن أعيش، فإني انصرفت إلى إدارة ضيعتي — الأمر الذي شغلني كثيرًا في ذلك الحين — قفز إلى ذهني في الحال هذا السؤال: «نعم سيكون لي ستة آلاف دزياتنا من الأرض في حكومة «سمارا»، وثلاثة آلاف جواد، ولكن ماذا بعد هذا؟» … وتبلبلت خواطري، ولم أدر فيم أفكر، وإن فكرت في الخطة التي أسير عليها في تربية أبنائي قلت لنفسي: «ولكن لماذا؟» وإن فكرت في طريقة للترفيه عن الفلاحين، سألت نفسي في الحال: «وماذا يهمني من ذلك؟» وإن فكرت في الشهرة التي تجلبها لي مؤلفاتي حدَّثت نفسي قائلًا: «حسنًا، إنك ستصبح أبعد صيتًا من «جوجول» أو «بوشكن» أو «شكسبير» أو «موليير» أو أرفع ذكرًا من كتَّاب العالم طرًّا — ولكن أي طائل لك من وراء ذلك؟» ولم أستطع البتة أن أجد لذلك جوابًا، ولم تمهلني الأسئلة، وكان لا بُدَّ لي من الإجابة عنها توًّا، وإن لم أجب عنها استحالت عليَّ الحياة، ولكني لم أجد جوابًا. وأحسست أن ما كنت أستند إليه قد انهار، وأني لم أعد أجد لي عمادًا، إن ما عشت من أجله لم يَعُد له وجود، ولم يبق لي في الحياة غرض.

آلت حياتي إذن إلى الركون، فكنت أتنفس وآكل وأشرب وأنام، ولم يكن لي بدٌّ من ذلك، ولكن لم يكن للحياة عندي وجود؛ لأني لم تكن لديَّ رغبات أستطيع أن أعتبر تحقيقها أمرًا معقولًا، إن رغبت في شيء، أدركت سلفًا أني سواء أشبعت رغبتي أم لم أشبعها لن أظفر من ورائها بطائل، ولو أن جنية هبطت إليَّ وتطوَّعت بتحقيق رغباتي لما عرفت ماذا أطلب، وإن كنت في لحظات النشوة أحس بشيءٍ إن لم يكن رغبة فهو عادة خلَّفتها الرغبات السابقة، فإني في لحظات الصحو أدرك أن هذه الرغبة وهم باطل وأن ليس لي في الواقع ما أشتهيه، بل إني لم أرغب حتى في معرفة الحقيقة لأني أدركت ما تنطوي عليه، وكنت أشبه شيء برجل أمعن في مسيره حتى بلغ حافة جبل شديد الانحدار فرأى بجلاء أنه لم يَعُد أمامه غير الهلاك، وكان يستحيل عليَّ أن أقف، ويستحيل عليَّ أن أتقهقر، ويستحيل عليَّ أن أغمض عيني، أو أن أغض الطرف عن هذه الحقيقة: وهي أنه لم يبق أمامي سوى الألم والموت المحقق — وذلك هو الهلاك المطلق.

كنت إذن رجلًا سليم الجسم موفور الثراء، ومع ذلك أحسست أني لا أستطيع مواصلة العيش، ودفعتني قوة لا تقاوم إلى أن أخلص نفسي من الحياة بطريقة ما، ولا أستطيع أن أقول إني «رغبت» في الانتحار، ولكن القوة التي كانت تجذبني بعيدًا عن الحياة كانت أقوى وأعظم وأبعد مدى من أية رغبة أخرى، وهي شبيهة بقوة الجهاد السابق في سبيل الحياة، غير أنها تسير في اتجاه مضاد، جذبتني كل قوتي بعيدًا عن الحياة، وتواردت على ذهني خواطر الموت بصورة طبيعية كما تواردت على خاطري من قبل الأفكار المختلفة عن كيفية إصلاح حياتي، وكانت هذه الخواطر الجديدة شديدة الإغراء حتى كان لزامًا عليَّ أن أكون لبقًا مع نفسي خشية أن أتسرع في إخراجها إلى حيز التنفيذ، ولم أشأ أن أتعجل؛ لأني أردت أن أستخدم كل جهد لحل المشكلة، وقلت لنفسي «إن لم أستطع توضيح الأمور فسوف يكون لديَّ دائمًا متسع من الوقت» وفي ذلك الحين — وأنا رجل حباني الحظ السعيد — أخفيت عن نفسي حبلًا خشية أن أشنق نفسي به على حامل وسط غرفتي كنت أخلع عليه ملابسي وحيدًا كل مساء. وامتنعت عن الخروج للصيد بالبندقية خشية هذه الطريقة اليسيرة للقضاء على حياتي، ولم أعرف أنا نفسي ماذا أريد، كنت أخشى الحياة، وأرغب في الفرار منها، ومع ذلك كنت أرجو من ورائها شيئًا ما.

أستطيع — دون أن أخدع نفسي كثيرًا — أن أعتبر اسمي ذائع الصيت، ولم أكن البتة مجنونًا أو مريض العقل، بل على العكس من ذلك كنت أتمتع بقوة ذهنية وبدنية قلَّما صادفتها بين أضرابي من الرجال، فكنت أستطيع من الناحية البدنية أن أجاري الفلاحين وهم يحصدون الزرع، وكنت أستطيع من الناحية العقلية أن أعمل ثماني أو عشر ساعات متواصلات دون أن أشكو وخيم العواقب من هذا الإجهاد، وانتهيت وأنا في هذا الموقف إلى أني لا أستطيع العيش، ولما كنت أخشى الموت كان لا بُدَّ لي أن أمكر مع نفسي كي أتجنب الانتحار.

باقي اعترافات تولستوي في كتابه الذي يمكن الحصول عليه بالمجان هنا.

لا يمكنك التعلّم وأنت تتحدث طوال الوقت

كنت أراجع اليوم يوميات وملاحظات شخصية قديمة غير منشورة كتبتها قبل 10 أعوام. يمكنني القول أن حجم ما اكتشفته وتعلّمته حول النفس البشرية خلال السنوات الخمس الماضية في كفة، وكل ما قرأته واطلعت عليه باقي حياتي قبلها في كفة أخرى. بل بدون مبالغة، أستطيع القول أن كثير مما كنت أعتقده من حقائق وقواعد حول العلاقات مع الناس والتواصل الإنساني إما خاطئ، أو ساذج يحتمل نسبة بسيطة من الصحة. السنوات الماضية كان معظم تركيزي في القراءة والاطلاع على جوانب النفس البشرية المختلفة سواءً عبر الأعمال الأدبية كالروايات أو الأفلام أو المحاضرات.

لا يمكنك التعلّم وأنت تتحدث طوال الوقت. عندما تكون في مرحلة جامحة من حياتك تهتم بالكثير من الأمور بنفس الدرجة وفي نفس الوقت، تنافح عن آراء وكأنها عقائد، تدخل في نقاشات حادة وجدلية، تتصادم بشكل مقصود أو غير مقصود، في الغالب ليس هناك وقت لديك للتفكير والتركيز والتأمل والتعلّم. تحتاج كثير من الهدوء والعزلة والصمت حتى تسمح لنفسك بالاطلاع والقراءة، ولعقلك بالتفكّر والتأمل.

اكتشافاتك الجديدة ستصيبك ربما بشيء من الصدمة، شيء من اهتزاز الثقة، وكثير من التردد. الصدمة من قصر فهمك وحجم ثقتك المفرطة في منطلقاتك السابقة، والتردد من خوض تجارب وعلاقات جديدة خوفاً من اهتزاز وسقوط قناعاتك الجديدة مثلما سقطت السابقة.

حجم عمق استثماراتك السابقة في بناء العلاقات سيكون عامل مؤثر يصيغ علاقاتك المستقبلية بعد مرحلة الانكشاف هذه. إذا كانت علاقاتك سطحية، لم تعطي من قلبك، ولم يكن الصدق والإخلاص عنوانها، فلن تشعر بكثير من الأسى لأن خسائرك ليست عميقة، فقد كنت حذراً طوال الوقت وستواصل كما أنت. أمّا إذا كنت تعطي من قلب، تحب من قلب وتصادق من قلب، توفي بالوعد والعهد، تقف وتواصل حتى وإن غادر الآخرين، ففي الغالب ستسعى مستقبلاً للتقليل بقدر ما تستطيع من بناء أي علاقات جديدة تتجاوز مصالح قصيرة المدى، مباشرة وواضحة الحدود خوفاً من تكرار تجارب الماضي، ولا بأس في ذلك..

بورغيد تريد أن تبصر

بقي على نهاية الربع الثاني من هذا العام 10 أيام. هذا اليوم مضى في مراجعة ما عملنا عليه منذ بداية السنة. كثير من الأمور معلّقة بعوامل خارج تحكمنا؛ أصحاب قرار في إجازة الصيف، أو عملاء/شركاء محتملين يحتاجون مزيداً من الوقت. النمو في رواق و رسال خلال النصف الأول من هذا العام رائع، ولو بيدنا لعجّلنا وسرّعنا في العمل أكثر، ولكن في النهاية أي كيان محكوم بموارد بشرية ومادية وعوامل خارجية يجب وضعها في الحسبان عند التخطيط والتنفيذ بشكل متوازن يساعد في الاستقرار والنمو بشكل معقول.

أجّلت كتاب مارك مانسون الجديد لوقت لاحق، وبدأت الأمس واليوم في قراءة كتابين ممتعين في نفس الوقت. كتاب العظيم سارامغو “سنة 1993”، وكتاب بورغيلد دال ”أردت أن أبصر".

سنة 1993 عبارة عن نصوص وقصائد عميقة معظمها تحتاج جهد كبير في التفسير والتفكير وإعادة القراءة أكثر مرة لمحاولة فهمها، كتبها جوزيه ساراماغو في السبعينات الميلادية في مرحلة دقيقة من أيام حكم الدكتاتور سالالزار للبرتغال. نصوص تخيلية عن عام ١٩٩٣ يمكن تصنيفها من نوع الديستوبيا.

كتاب “أردت أن أبصر” سيرة ذاتية لمعلّمة كانت تعاني من شبه عمى، وأبصرت عندما أصبح عمرها 52. تقول بورغيد: “كان في ذهني دائماً شعور كامن بالخوف من العمى التام؛ وللتغلب على هذا كنت أعيش دائماً حياةً مرحةً صافيةً مبتهجةً في كل لحظة”. كانت تخاف من المستقبل فاختارت أن تستمع بالحاضر بأقصى ما يمكنها، هذه فكرة حسنة.

لماذا قراءة كتابين في نفس الوقت أحدهما متشائم وعدمي، والآخر ملهم ويحتفل بالحياة؟ لا أعلم، ربما لأنني أجد في هذه النوعين من الأدب متعة من نوع فريد في كل نوع. والإنسان يتأرجح في أيامه بين التشاؤم والتفاؤل.

حياة فاشل، والحقيبة المثالية

توقفت اليوم عند مبنى مكتبة جرير الجديد في أبحر الجنوبية في الطريق للمنزل. لم أكن أنوي شراء شيء محدد، بل مجرد فضول لرؤية مساحة قسم الكتب، ومعرفة حجم التنوع وهل بقي للكتب متنفس أم تغوّلت عليها الأجهزة والمعدات وقلّّصت من مساحتها.

الحقيقة أن مساحة قسم الكتب كانت مفاجئة، حيث احتلت حوالي ربع مساحة المكتبة المكونة من دورين ككل (نصف الدور الثاني خاص بالكتب)، أفضل مما توقعت. كما أن تنوع الكتب كان مقبول بالذات في قسم الروايات والأدب، حيث تواجدت أعمال دور النشر الجادة بشكل بارز.

من بين كل رفوف الكتب وأغلفتها، استوقفني كتاب يحمل عنوان “حياة فاشل”، وهو سيرة ذاتية للأستاذ حامد عباس، نائب رئيس تحرير صحيفة عكاظ سابقاً، ولاعب كرة قديم لم يوفق. في ظل عالم يموج بالكذب والنفاق وقصص النجاح المفبركة والتزوير من الصفر، لفت انتباهي عنوان السيرة الذاتية فضلاً عن الصورة الوسيمة للمؤلف. شعرت أن هذا شخص رايق أو قفلت معاه، وأنا أحترم اللي يوثقون مشاعرهم بالذات وقت ما تقفل معهم. اشتريت الكتاب فقط لأجل العنوان وصورة المؤلف، بغض النظر عن المحتوى كيف سيكون.

في طريقي للخروج توقفت عند قسم الحقائب، ووجدت ما يمكنني وصفه بالحقيبة المثالية من ناحية التصميم والحجم والوزن، وستغني عن حقيبة الليتواني.

لا تنسى السياق يا أذكى واحد في الكون!

وقعت اليوم على رابط مقال شهير للمناضل الماركسي الإيطالي غرامشي بعنوان “أكره اللامبالين”. أتذكر أنني قرأت هذا المقال قبل أكثر من 13 عام. أتذكر ذلك اليوم جيداً لأن وقع المقال على نفسي كان رهيب، أرسلته لعدد من الأصدقاء، ودار بيني وبين صديق معين حوار طويل حوله. قرأت المقال مجدداً اليوم أكثر من مرة، فلم أجد ذلك الأثر الذي وجدته في نفسي آنذاك. ما السبب؟

كثير من الأمور التي تعجبنا نعتقد أنها تعجبنا لذاتها كما هي، فكرة معينة تعلّقنا بها، أغنية رائعة سمعناها، رواية جميلة قرأناها، فيلم سينمائي ممتع شاهدناه، وجبة طعام لذيذة جربناها في مطعم جديد، كوب قهوة فاخر في مقهى جديد زرناه، إلخ. الحقيقة أن السياق الذي كان يحيط بنا لحظة تلك التجربة له تأثير عميق كبير على تجربتنا تلك بشكل أعمق مما نتخيل.

تلك الأغنية الجميلة توافقت مع سياق نفسي معين كنت فيه، فتأثرت بها. تلك الرواية الرائعة أو الكتاب المؤثر الذي انهمكت فيه، وافق سياق وجوّ معين كنت تمر به فتعاظم أثره عليك. نفس الشيء ربما مع ذلك المقهى البديع وكوب القهوة حيث كان الجو/السياق مساعد بشكل لا تشعر به في جعل مذاق القهوة لا ينسى. ونفس الشيء مع تلك الرحلة السياحية وغيرها.

أغلبنا عندما يعجبه شيء معين جرّبه فإنه يخبر أصدقائه حوله، فيرسل لهم رابط أغنية أو اسم كتاب أو ينصح بمطعم معين وتجربة تلك الوجبة. بعض الأصدقاء ربما يعودون بردود مؤيدة بعد خوض التجربة، ولكن كثير منهم يرى أن وصفنا كان فيه مبالغة أو حتى لا يجدون رأينا منطقي بل العكس. فبالتالي، نستغرب منهم، وندافع عن رأينا ونحاول الشرح وربما نحثهم على تجربة ثانية. بشكل عام نستغرب أنهم لم يجدوا ما وجدنا. السبب الذي نتجاهله هو أنهم ربما خاضوا نفس تجربتنا ولكن السياق الذي كانوا فيه ويؤثر على تجربتهم مختلف عن السياق الذي كنّا فيه وقت تجربتنا وأثّر فيها بشكل لا نشعر به أو لا نعترف به. مزاج متعكّر لا ينفع معه ربما أي عمل فني جميل.

جرّب أن تزور الحي الذي نشأت فيه، جرّب أن تعيد قراءة ذلك الكتاب العظيم الذي أثّر فيك في مرحلة ما، جرّب أن تشاهد ذلك الفيلم الذي لم يغادر مخيلتك فترة طويلة أو غيرها من التجارب. هناك احتمال كبير جداً أن لا تشعر بنفس الدرجة من الدهشة التي كنت تستشعرها آنذاك، بل من المحتمل جداً أن تنظر لنفسك باستغراب متسائلاً: ما الذي أدهشك في تلك التجربة؟ كيف كنت أنا كذا؟ كيف كنت أفكّر؟. لا تحتاج لأن تقسو على نفسك، أنت شخص طبيعي، كنت في سياق معين -لا تلقي له بال- أثرّ على إحساسك ومشاعرك وذوقك وقرارك بشكل أكبر مما تتخيل. وعندما تغيّر السياق، خفّ التأثير واختلف تقييمك ورأيك.

التواضع والاعتراف بالتأثير الكبير للسياق على حياتنا وتجاربنا وقراراتنا له فوائد، من أهمها: الاقتناع بأن ذوقنا ليس أفضل ذوق في العالم، وأنّ آرائنا ليست أصحّ وأدقّ آراء في الكون. وبالتالي نرى من الطبيعي أن يكون للناس آراء وتقييمات مختلفة عنّا لأن سياقاتهم وما يؤثر في مشاعرهم وأحاسيسهم هي عوامل مختلفة عن سياقاتنا والمؤثرات الخارجية علينا.

هذا الاعتراف المفروض يعلّمنا التواضع. فنتواضع مستقبلاً عند طرح آرائنا، نصيغها بشكل يتيح للآخرين مناقشتها والحوار معنا، فربما السياق المستقبلي الذي سيؤثر علينا وقت طرح رأينا المستقبلي ذاك له تأثير أعظم مما نستشعر على تفكيرنا وموقفنا. فالحقيقة أنه ليست كل آرائنا نتيجة تفكير معمّق وجهد تحليلي نقوم به، بل ربما انعكاسات لسياقات معينة نمر بها وتؤثر علينا.

كلّه رايح؟ بالرأفة يا 2019

لفت انتباهي اليوم بالصدفة ما يحدث في البرازيل هذه الأيام من زلزال سياسي تسبب فيه موقع فيه موقع ذا انترسبت.

البرازيل بعيدة جداً عن منطقتنا وتبدو مرشحة لهزة سياسية إذا لم يتم حل الموضوع بشكل ما، لأن جماهير الأحزاب السياسية اليسارية متوقع تتحرك لإخراج زعيمها من السجن وربما إسقاط الحكومة اليمينية.

فتحت خريطة العالم ونظرت لوهلة، وجدت أن أمريكا الجنوبية فيها بقعتان ساخنتان جداً (البرازيل و فينزويلا) باحتمالات مختلفة.
أمريكا شمالاً تمر بصراع انتخابات رئاسية قادمة ستكون في غاية السخونة بين ترمب والديمقراطيين.
في أوروبا لازالت بريطانيا لم تجد حل لأزمتها مع البركست وتبعاتها، والجميع يترقب انعكاسات فشل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.
في آسيا، هناك الصين وتصعيد غير مسبوق مع أمريكا حول السياسات الاقتصادية التي فرضها ترمب. العالم يترقب ردة فعل الصين وقراراتها الاقتصادية وربما تحركها السياسي الأشمل.
أما في منطقتنا العربية فحدّث ولا حرج عن ما يمكن أن تصل له الأمور مع الجار الإيراني المجنون ووكلائه في المنطقة.

ربما أكون مخطئ ولكن بنظرة للعالم ككل، يبدو لي أنه منذ الحرب العالمية الثانية لم يمر العالم بحالة عدم استقرار واقتراب من نشوء حروب إقليمية وانهيارات أنظمة وربما حرب عالمية ثالثة مثلما نمر بها هذه الفترة. إذا انتهى 2019 بدون حروب جديدة سيكون عام معجزة.

منذ سنوات وطّأت نفسي باحترافية أغبط نفسي عليها على العمل والحياة اليومية متجاهلاً كل أحداث العالم، ولا نيّة لدي للتنازل عن هذه النعمة.

حصلت على استثمار جريء؟ مبروك يا بطل..

حسناً، أعلنت عن جولة استثمار جريء حصل عليها مشروعك مؤخراً. الف مبروك، وتمنياتي لك بحجم استثمارات ونجاحات لا تنتهي ولا تنقطع. ولكن كيف ستحتفل؟

الشيء الذي يجب أن لا يغادر مخيلتك هو التصور والوصف الصحيح لعملية الاستثمار في مشروعك. حصول مشروعك على استثمار هو جزء من مرحلة نجاح ومؤشر اطمئنان وليس النجاح بحد ذاته. ليس هدفك من تأسيس مشروعك هو الحصول على استثمارات، بل تأسيس مشروع يقدم قيمة مضافة يرضى عنها شريحة عملاء سعيدين، وترجع بعوائد وأرباح على المؤسسين والمساهمين. نجاحك في الحصول على استثمار شيء، ونجاح مشروعك في الوصول لأهدافه الحقيقية شيء آخر.

جولة الاستثمار الجريء التي نجحت فيها، مثل أنبوبة أكسجين جديدة حصل عليها مشروعك، تساعدكم كفريق عمل في الاستمرار والنمو والبقاء أحياء حتى يحتاج المشروع أنبوبة أكسجين جديدة، أو يصل لمرحلة الأمان (الربحية والنمو الذاتي بدون الحاجة لجولات استثمار جديدة)، أو يستحوذ عليكم جهة أكبر بعائد مجزي.

المستثمر الجريء هو شخص ثري (أو صندوق) يرى ببساطة أن “عندك سالفة”، وأن فكرتك تستحق المخاطرة، وأنك حتى الآن تبدو جاد و “قدمت أداء طيّب” بحسب الموارد التي بين يديك، وأنه بشكل عام “فيك أمل”، فيعطيك بعض المال حتى ترجعه له مضاعفاً عدة مرات لكي تزداد ثروته تضخماً.

المستثمر الجريء لم يضع ماله معك لكي يصبح صديقك، أو إعجاباً في شكلك أو كلامك أو شهرتك. سبب استثماره ليس “مساعدة الشباب” ولا صنع الوظائف وفتح البيوت، ولا “حب الخير” ولا لأنك أحسن واحد في العالم حالياً كما تتوقعه يراك، ولكن ببساطة لكي تضاعف له ما يعطيك من مال فتساهم في مضاعفة ثروته.

لذلك يا عزيزي عليك أن تحتفل قليلاً لأنك وجدت من يستعد في المخاطرة معك بماله، ولأن مشروعك سيدخل في مرحلة جديدة من التوسع، وأن هذا الاستثمار سيساعدك في تنفيذ ما كنت تتمناه من أفكار. ولكن عليك كذلك أن تقلق لأنك وضعت فوق رأسك من يحاسبك ويراقبك ويطاردك ويسائلك عن ماذا فعلت، ولماذا، ومتى ستعيد له أمواله مع الأرباح. وقد كنت قبل ذلك سيّد مشروعك تسيّره كيفما تشاء، وبالسرعة التي تشاء، ولا يكاد يحاسبك أحد.

المبالغة في الاحتفال ترسل رسالة بأنك ما صدقت وجدت أحد يؤمن فيك وفي تفكيرك، كأنك بشكل آخر تقول أنك كنت تشك في قدراتك. احتفل قليلاً، وأبدأ في القلق أعانك الله، ولو كنت تستطيع أن تؤسس وتدير وتوسّع مشروعك بدون استثمار جريء فافعل ولا تتردد.

مثلّث قمّة العطاء؟

يقولون أنك إذا قدرت تموضع نفسك ووقتك وجهدك في هذا المثلث فسيكون لعطائك الفائدة الأعظم عليك وعلى المجتمع. أظن أن القليل ينجح في ذلك ويستمر لفترة طويلة، الطبيعي أن يتغير شغفك واهتمامك وربما وظيفتك ومصدر لقمة عيشك مع الوقت، لا بأس بذلك..

Highest Point of Contribution

أحاول التعود مع الآيباد برو على تجربة الرسوم والسكيتشات..