يوميات

تدوينات: 46

ما يجب أن يكتبه موظف ستاربكس على كوبك بدلاً من اسمك

مارك مانسون من أبرز المدونين الذين تعرفت عليهم العام الماضي، أتابع عن كثب كل ما يكتبه وأجد المتعة دائماً في أفكاره. تدويناته المطولة في الغالب تحفة رائعة في فن التعبير والكتابة الخفيفة على النفس. تدور أطروحاته حول التعامل مع ضغوطات الحياة ككل وبالذات في هذا العصر الرقمي الذي نحاول جاهدين مقاومة سلبيات الشبكات الإجتماعية والسوشل ميديا.
كتابه الثمين “فن اللامبالاة” وضعه على المشهد العالمي، دخل قائمة الكتب الأكثر مبيعاً ومازال باستحقاق لأنه يطرح نظرة ملفتة تجاه الإيجابية تختلف بشكل جذري عن أطروحات المدارس الخادعة التي اكتسحت العالم العقدين الماضية، وأقصد مدرسة البرمجة اللغوية العصبية و مدرسة قانون الجذب وأخواتها.

التقطت هذا الأسبوع من مكتبة جرير، النسخة العربية من كتابه الجديد “خراب: كتاب عن الأمل”، وهو عنوان لطيف لترجمة العنوان الأصلي “Everything is F*cked: A Book About Hope”. في الفصل الأول يقول:

لو كنت أعمل لدى ستاربكس لما كتبت أسماء الناس على الأكواب التي يتناولون قهوتهم فيها، بل لكتبت ما يلي:
في يوم ما، ستكون قد متّ، أنت وكل من تحبّهم. وبعد ذلك، لن تكون هناك أي أهمية لأي شيء مما قلته أو فعلته في حياتك إلا لفترة قصيرة وضمن نطاق مجموعة صغيرة من الناس الذين يعرفونك!
هذه هي حقيقة الحياة التي لا نستطيع مواجهتها. ليس كل ما تفكر فيه، أو تفعله، إلا محاولة مضنية لتجنّب هذه الحقيقة. لسنا أكثر من غبار كوني لا أهمية له. لسنا أكثر من غبار يتحرّك ويدور على شذرة زرقاء ضئيلة سابحة في الكون. لكننا نتخيل أن لنا أهمية. ونخترع لأنفسنا غاية.. نحن لا شيء.
إذاً، استمتع بقهوتك اللعينة.

ربما يبدو لأول وهلة أن هذا طرح شخص عدمي، يائس من الحياة ويلعنها. ولكن الحقيقة أنه عكس ذلك تماماً في كتابه هذا وكتبه ومقالاته المطولة التي تدعو للاحتفاء بالحياة مع تقبل عميق لتحدياتها ومصاعبها كجزء من مشوارنا. أسلوبه الصادم في الكتابة يثير التفكير، ويعيد المرء للواقع ويخفف من غروره الذي تزرعه داخله الحياة المادية والرأسمالية التي تبشر بأطروحات تعظيم الإنسان وقوته وخلوده.

بالنسبة لي، أفضّل أن يتعامل معي خطاب صريح صادم لا يجامل، يناقش الحياة والواقع كما هو بدون زيف ولا مبالغات، ثم يطرح حلول منطقية يمكن تبنيها بشكل شخصي بدون أن نضع فوق أكتافنا أثقال تعطّل حركتنا أو أوهام تجعلنا نعيش في دوامات من الكذب على الذات.

مع اليوغا وفي السعي وراء الصمت

أحد الأمور التي وجدت نفسي مهتماً بها مؤخراً هي ما يدور حول فن التعامل مع العقل وإجباره على التوقف عن معضلة التفكير المستمر. تعودت للأسف منذ عرفت نفسي على أن يكون عقلي منشغلاً بالتفكير بشكل مستمر حول ربما كل شيء وأي شيء. حتى وأنا صامت ولا أتحدث، يكون عقلي في حالة تفكير مستمر. وهذا التفكير المستمر يتراوح بين التفكير في أمور في الشأن العام أو في العالم، وبين أمور العمل والحياة الشخصية. التفكير المستمر يعني إرهاق مستمر، واستحضار للقلق بدون قصد.

نجحت السنوات الماضية نوعاً ما بحصر الأمور التي أسمح لعقلي أن يفكر بها لتكون حول العمل وأمور ذات علاقة مباشرة بحياتي، ولكن هذا نصف مشوار النجاح. فالتفكير المستمر في العمل لوحده ثقل شديد. النجاح الحقيقي هو أن تسيطر على عقلك بحيث لا تسمح له أن يفكر إلا بما ترغب فعلاً في أن يفكر فيه، في اللحظة التي تختارها، وليس ما يخطر على بالك فوراً. أعرف أن هذا يبدو صعب وربما شبه مستحيل عند البعض، ولكن هو شيء ممكن بالفعل، على الأقل كما تقول مدارس التأمل.

هذا التوجه الشخصي الجديد في التعامل مع العقل والتفكير المستمر هو نتيجة التحاقي بعالم اليوغا الشهرين الماضية. عبر تطبيق GetMuv اشتركت مع أحد المدربين الرائعين وأحضر ثلاث جلسات أسبوعية. التمارين تتطلب أن تكون لياقتك البدنية في وضع جيد حتى تستطيع تأديتها بالشكل المأمول. اليوغا بشكل عام تقوم على إتقانك مهارة التنفس العميق وأنت تؤدي التمارين الجسدية في الحصة، وهي تمارين ليست سهلة على المستجد. التنفس العميق والتركيز في التمرين يجعلك تركز فقط في أدائك وبالتالي يتوقف عقلك عن التفكير بأي شيء آخر خارج الحصة. مع الوقت، تستشعر هدوء داخلي عميق وأنك نوعاً ما بالفعل تستطيع إيقاف عقلك عن التفكير المستمر، وكلما اقتربت فكرة أو ذكرى فإنك تطردها بشكل فوري وتعود لحالة عدم التفكير والسكينة. هذا فتح عظيم بالنسبة لي، وحالة صفاء ذهني لا أذكر مررت بها من قبل في حياتي.

قادتني تجربتي الرائعة مع اليوغا حتى الآن للاطلاع والبحث أكثر في هذه الأمور، ومحاولة معرفة كيف يمكنني الوصول لحالة استدامة في هذه الأجواء من الصفاء الذهني وإيقاف التفكير المستمر. أشعر أنني بدأت مرحلة علاقة شخصية خاصة وطويلة المدى مع اليوغا. باقي الرياضات ستكون شيء إضافي وجانبي لإبعاد الملل، ولكن أظن اليوغا ستكون تركيزي وأسلوب حياة شخصية.

وبالحديث عن الهدوء والسكينة، شاهدت بالأمس فيلم In Pursuit of Silence وهو وثائقي بديع عن الصمت. الفيلم محاولة استكشاف تأملية حول علاقتنا البشرية بالصمت والأصوات و تأثير الضوضاء على حياتنا. في ظل حياتنا المشحونة بالأحداث والتقاطعات، نحن في حاجة للدخول في حالات صمت دورية أكثر مما نتخيل، هي سلاح نقاوم به كثير من الأمور. فيلم ممتع أنصح به.

ماذا يمكن أن نتعلمه من مخيّم جبر الخواطر؟

تحدثت سابقاً عن نوع أفكار الشركات الناشئة التي تسحرني، وهي المشاريع التي تولد لحل مشاكل ملموسة ولها نموذج عمل بسيط وواضح. يكون مؤسسيها خاضوا تجربة ما، وواجهوا تحدي لم يجدوا له حل مناسب، فقاموا بابتكار حل واختباره ووجدوا أنه حل فعال، وربما يكون له سوق وطلب واسع. فبالتالي قاموا بتأسيس شركة ناشئة تعيد تقديم الحل الذي ابتكروه بشكل تجاري وعملي.

قرأت البارحة قصة سيدة خاضت تجربة انفصال مؤلمة، لم تكن الكتب وزيارات الأخصائيين والتأمل وغيرها من الوسائل كافية للخروج من أزمتها النفسية، ولكن مع الوقت والعزيمة استطاعت الخروج. بعدها بمدة، قررت تأسيس مخيم لجبر الخواطر، مشروعها عبارة عن مخيم يستمر ٤ أيام في مكان محدد يلتحق به أشخاص خارجين من حالة انفصال ويحتاجون برنامج تأهيل للتعامل مع مرحلتهم السابقة والمستقبل. برنامج التأهيل يشتمل على مجموعة من الخدمات ويتعلمون فيه أمور مختلفة، ويحصلون على استشارات مباشرة مكثفة من متخصصين مختلفين، يتشاركون في المخيم مع آخرين يمرون بنفس تجربتهم.

مخيم جبر الخواطر هذا حصل على تغطية إعلامية واسعة، ويبدو أنه مجدي تجارياً ولذلك استقالت مؤسسته من وظيفتها وتفرغت لإدارته وتطويره ونقله لمرحلة توسع أكبر.
إذن، تجربة شخصية مرت بها مؤسسة المخيم ولم تنفع معها الحلول المعتادة، فابتكرت حلول ونجحت معها، فقررت وهي على رأس وظيفتها تحويل حلولها لمشروع تجاري يستهدف شريحة واسعة (الذين يمرون بتجربة انفصال). وبعد اختبار مشروعها ونموذج العمل قامت بالاستقالة للتفرغ للمشروع. هذا نوع قصص المشاريع التي تلهمني.

هل المشروع الذي قمت بتأسيسه وتقاتل لاستقراره ونموه ولد من احتياج حقيقي لك؟ أم مجرد فكرة ناجحة رأيتها وقررت استنساخها معتقداً أن ذلك يكفي لإنجاحها؟
في الحالة الأولى، سيكون لديك دافع قوي للصبر والتضحية والمثابرة لإنجاح مشروعك لأنه نتيجة عن احتياج ذاتي، وتحمل يقين كبير بأنك بشكل ما ستخرج بنموذج العمل المناسب مع بعض الصبر والوقت والتجارب. في هذه الحالة سيكون عندك جواب لسؤال “لماذا أفعل ما أفعل؟ لماذا أسست هذا المشروع؟ لماذا يجب أن أصبر وأثابر؟” هذه الأسئلة ستطرح نفسها عليك كل مرة تجد عوائق جديدة في مرحلة التأسيس والبناء.
في الحالة الثانية، لا أقول أن الفشل محتوم، بل ربما ينجح مشروعك. ولكن في الغالب أنه لن يكون عندك دافع حقيقي للمواصلة والمثابرة إذا واجهت تحديات تشغيلية كبيرة لأن المشروع كان استنساخ فكرة وليس نتيجة احتياج حقيقي مررت به. لن يكون عندك إجابات مقنعة لنفسك إذا طرحت عليك نفسك الأسئلة التشكيكية المعتادة السابقة، وهذا يقودك ربما للاستسلام سريعاً.

بين الكارهين المستقعدين و المحبين المُسلِّكِين، استمع أكثر للذين ما دروا عنك

عبر تويتر والسوشل ميديا، يحصل أن تشارك بطرح أو رأي حول موضوع أو حدث ما مثل الجميع. وبحكم أنه فضاء حوار رقمي مفتوح، من الطبيعي أن يجني طرحك بعض التفاعل والحوار والنقاشات. وتكون درجة حدّية وسخونة وتفاعل الردود بحسب حساسية الموضوع وأهميته.
وجدت أن أفضل حل للحفاظ على الطاقة والتواجد والهدوء والاستمرارية في هذه المناخات، فلابد من أن تسعى لتقسيم أنواع الذين يتفاعلون معك إلى ثلاث أنواع، وبناءً على التصنيف المناسب الذي تراه للشخص المتفاعل، تكون طريقتك في استقبال كلامه، والتفاعل معه، والتفكير فيه، وأخذه على محمل الجد أو عدمه. تحتاج لوضع تقسيم ما حتى تحدد أسلوب حوارك مع كل فئة، وكيف تستقبل وتقرأ مواقفهم وآرائهم تجاهك وتفكر فيها، ولأي درجة تسمح لها أن تؤثر عليك.

الفئة الأولى: الكارهين المستقعدين (5%)

يكنّون لك كره شخصي عميق لا تراه مبرراً، مهما فعلت لن تفلح في كسبهم، حتى لو أصبحت نسخة منهم أو نسخة بمن يطالبونك أن تكون على شاكلته. ليس من المنطقي أن تضع هؤلاء في الحسبان أو تحاول مناقشتهم وإقناعهم لأن لديهم موقف راديكالي منك غير قابل للتغيير، فلماذا تسعى لصياغة رأيك بشكل تظن أنه يستميلهم ويكسب موافقتهم؟ هؤلاء منغمسين في تشويه سمعة كل من يختلف عنهم والترّصد له مستخدمين أساليب هي جزء من أسلوب حياتهم اليومية. وهم فئة شاذة صغيرة مغالية في العداء، ليس هناك مكسب أصلاً من التفكير في محاولة اكتسابهم والتنازل لأجلهم، فبالتالي من الأولى أن تتجاهلهم بقدر ما تستطيع وأن لا تتأثر بما يقولون.

الفئة الثانية: المحبين المُسلِّكِين (5%)

يكنّون لك حب وإعجاب عميق صعب يتنازلون عنه. على الرغم أن محبتهم وحماسهم وتشجيعهم وتصفيقهم هو أمر ممتع بالنسبة لك، ولكن في الحقيقة هناك خطورة إذا اتّبعت هواك وتفاعلت معهم بحماس غير منضبط. حبّهم ربما -بدون قصد- يشكّل حولك شيء من الغشاوة تمنعك عن رؤية سواهم حتى تظنهم كل العالم وتظن أن آرائهم التسليكية لك تمثل العالم، وهم في الحقيقة فئة صغيرة محبة لا تحتاج لجهد كبير في إقناعهم بشيء فهم مبايعين على هواك. إذا بقيت تتحاور فقط مع هذه الفئة المحبة فأنت تجاهلت الأغلبية الساحقة العظمى.

الفئة الثالثة: اللي ما دروا عنك (90٪)

الأغلبية الساحقة من الذين يعرفونك ليس لديهم مواقف عاطفية حادة تجاهك لا بالكراهية والعداوة ولا بالحب والإعجاب. أنت في أعين الغالبية العظمى مثلك مثل غيرك. فبالتالي ممكن أن يكون حوارك معهم مفيد ومثمر لك ولهم. تعليقاتهم وآرائهم فيما تقول تستحق التفكير فيها لأنهم في الغالب محايدين وليس لهم مصلحة ما.

إذن، لا تبالي كثيراً بالكارهين المستقعدين فمواقفهم منك لن تتغير مهما تنازلت وحاولت إقناعهم، ولا تنساق بعمى خلف المحبين المُسلِّكِين لأنهم ممكن يوردونك المهالك بدون قصد، ولكن اهتم أن يكون تواصلك الأكبر هو مع الفئة الثالثة لأنها الأكثر حياداً وبدون مواقف مسبقة أو توقعات منك.

عن تحقيق الذات، كيف وضع درجاتك مع هرم ماسلو؟

يمر على الشخص الطبيعي بين حين وآخر تقلّب في المزاج، معنوياته تتأرجح بين القمة والقاع بحسب ظروفه العملية والشخصية والأحداث من حوله. غير الطبيعي هو أن يكون الشخص متفائل ومقبل على الحياة طوال الوقت، أو متشائم ومنكفئ على نفسه باستمرار. في الحالتين إما يكون مخادع لنفسه أو لديه مشكلة تستحق الالتفات لها والتعامل معها بشجاعة.

تقلّب المزاج وهبوط المعنويات يكون أحياناً مؤشر لوجود احتياج ما لدى المرء ويواجه صعوبة في تحقيقه. ولكن ما هي الاحتياجات الفردية؟
في 1943 ابتكر ابراهام ماسلو ما يعرف منذ ذلك الحين ب “هرم ماسلو”، وهو تمثيل لنظريته حول ترتيب حاجات الإنسان ووصف الدوافع التي تُحرّكه. كلما كانت احتياجات الفرد متحققة فإنه يكون في وضع نفسي متزن، والعكس في الغالب صحيح. طبعاً هناك آراء ناقدة لنظرية ماسلو، ولكن تبقى نظرية تحتمل الصحة بشكل كبير. هرم ماسلو الأساسي يتكون من 5 مستويات، ولكنه تطور مع السنوات ليصبح 8 مستويات كما تظهر في الجدول التالي:

لو أردت تقييم وضعي مع هرم ماسلو و تحقق احتياجاتي من عدمها، لربما كانت كالتالي:

  1. الحاجات الفسيولوجية: لا مشاكل بفضل الله. ربما عملية جيوب أنفية قريباً تجعل وضع التنفس والنوم بشكل أفضل.
  2. الحاجة إلى الأمان: شعور شخصي بالأمان المادي والنفسي بعد 20 عام مسيرة عملية، ولكن ليس سراً أن الأحداث وأوضاع المنطقة تجعل الواحد يجاهد نفسه لكي يقاوم الخوف ومقاومة فقدان الشعور بالأمان.
  3. الانتماء الاجتماعي: وضع مستقر ما عدا جانب الصداقات، أصبحت أجد في نفسي نفور شديد من صنع صداقات وعلاقات جديدة بسبب بعض المطبات والصدمات التي لم تكن متوقعة. أتمنى أن أستطيع في 2020 معالجة هذا الجانب بشكل ما.
  4. الحاجة إلى التقدير: أحمل تقدير للذات، وثقة ذاتية تكفي للمسير، شعور بالإنجاز، أكن الاحترام للآخرين (ممن يستحقه)، وأجده بالمقابل عند الآخرين ممن يحصل بيني وبينهم تواصل في المجال الرقمي أو في الواقع.
  5. الاحتياجات المعرفية: لا يزال لدي فضول و رغبة في الاستكشاف والتعلم، وبالتالي أرى أن احتياجي هذا متحقق. والفكرة هنا ليس بلوغ مستوى عالي من المعرفة، ولكن إبقاء جذوة الفضول والرغبة في التعلم والإقبال على القراءة والمعارف.
  6. الحاجة إلى الجمال والفن: أعتقد أنني متذوق جيد للجمال والفنون بكافة أنواعها، ربما الخروج للطبيعة بعيداً عن المدينة هو أمر احتاج ممارسته باستمرار.
  7. الحاجة لتحقيق الذات: معظم مشاريعي تدور في هذه المساحة سواءً عبر رواق أو غيرها. كما أنني متقبل بشكل جيد جداً لكل الحقائق التي فرضتها الحياة والواقع علينا، وأتعامل معها بأقل درجة من المقاومة.
  8. تجاوز الذات: يرى ماسلو أن أعلى مستوى للاحتياجات يتمثل في السمو الذاتي أو تجاوز الذات والذي ينطوي على مساعدة الآخرين في تحقيق الذات. أعتقد أنني أؤدي جهد لا بأس به هنا.

بشكل عام، أشعر أنني أحقق درجات جيدة جداً بالنسبة للاحتياجات بناءً على هرم ماسلو (مثلك عزيزي القارئ ومثل الكثير، ولكن قليل منا الشاكرون). فلماذا هذا الشعور بالتعب والإرهاق؟ ببساطة هو نتيجة السعي لتحقيق هذه الاحتياجات. ومن يسعى لتحقيق ذاته، عليه أن يتقبل ضريبة ذلك، وأهلاً وسهلاً بها من ضريبة..

عن بيئات العمل الخمس في السعودية، والمكان المناسب لحصد الخبرات والمهارات واكتشاف الشغف والقدرات الذاتية

تواصل معي بالأمس شخص يستشيرني في قرار يدرسه حول الانتقال من العمل في جهة حكومية إلى العمل في شركة كبرى في القطاع الخاص. اعتذرت عن تقديم أي مشورة مباشرة له لأن مثل هذه الاستشارات تعتبر في غاية الحساسية الشخصية وآثار اتخاذها ممكن تنعكس على مستقبله.

في نفس الوقت، ذكرت له رأيي باختصار حول بيئة العمل في السعودية (وربما في أغلب دول العالم) وهي تنقسم إلى 5 بيئات عمل:

  1. القطاع الحكومي: وظيفة آمنة في الغالب، براتب معقول، لا تتطلب الكثير من الجهد والمهارات والخبرات. الجانب الابتكاري والإبداعي فيها متدني جداً بشكل عام إلا في حالات جهات حكومية نادرة. البيروقراطية وبيئة العمل الحكومي في العادة طاردة للإبداع والابتكار لغياب المنافسة والاحتياج لذلك. والخبرات التي يتم اكتسابها لا توازي السنوات التي يقضيها الشخص في الوظيفة الحكومية. بشكل عام، أمان وظيفي مع قبر للقدرات.
  2. القطاع الخاص (الشركات): راتب متدني في البداية ربما، ولكن يصل لأرقام جيدة مع الوقت إذا استطاع الفرد إثبات كفاءته، وكانت شركته ذات بيئة عمل صحية تسمح للشخص الذي يعمل على تطوير ذاته ومهاراته أن يترقى فيها. ربما ليست بأمان العمل في القطاع الحكومي، ولكن يمكن للفرد تحقيق ذاته من خلال العمل في القطاع الخاص. أسوأ ما في القطاع الخاص هو الجهد المبالغ فيه أحياناً واحتمالية الاحتراق الوظيفي، وانعكاس الجانب المالي على الشخص بحيث تصل للبعض الحال أن يرى الحياة ككل من خلال منظور مالي (كم ربحنا وكم صرفنا).
  3. القطاع الخيري (القطاع الثالث): ارتياح نفسي ربما أكثر من العمل في القطاعين السابقين لاستشعار الأثر المباشر للعمل في حياة الفئات المستهدفة. العائد المالي يعتبر الأضعف في الغالب، والجانب الابتكاري متدني في أغلب الجهات. غياب احترافية القطاع الخاص وغياب أمان القطاع الحكومي. مناسب لشخص غير طموح مهنياً ويفضل الأثر النفسي المباشر.
  4. الشركات الحكومية: قطاع هجين غريب ظهر عندنا مؤخراً بتزايد. يجمع بين أمان الوظيفة الحكومية، ورواتب القطاع الخاص المرتفعة. احتمالية الإبداع والابتكار فيه أفضل من القطاع الحكومي ولكن في الغالب أدنى من القطاع الخاص. بما أنها شركات حكومية فإن الدخل المالي ليس بتلك الحساسية التي هي عند شركات القطاع الخاص. لا أعرف بين الشركات الحكومية إلا شركة واحدة ربما يمكن لها المنافسة على المستوى المحلي والإقليمي. من السلبيات المتوقعة شعور زائف بالنجاح والتميز يمكن أن يتلاشى لو رفعت الحكومة يدها عن شركتها الحكومية وجعلتها تتنافس مثل غيرها في السوق.
  5. الشركات الناشئة: بحسب مرحلة الشركة الناشئة، إذا كانت في بداياتها فالمتوقع أن يكون الراتب ليس مثل القطاعات السابقة ولكن يرتفع سريعاً مع نمو الشركة السريع، مساحة الابتكار والإبداع عالية جداً للاحتياج لها، وكسب الخبرات فيها عظيم ولا يقارن مع الجهات السابقة نظراً لاضطرار الفرد للعمل في عدة أدوار في نفس الوقت والتعلّم بشكل سريع إذا كان جاهز لذلك. الأمان الوظيفي ربما يكون الأدنى مقارنة مع باقي القطاعات نظراً لارتفاع احتمالية فشل الشركة الناشئة، ولكن حجم الخبرات التي يجنيها الفرد ممكن تجعل انضمامه لشركة أو مجال آخر سريع نظراً للحاجة لأشخاص مثله. حجم ضغط العمل في العادة يكون أكبر من باقي القطاعات.

يعتمد قرار الشخص في الانضمام لأي قطاع وجهة على عوامل كثيرة، وأحدها هو المرحلة التي يدرس فيها اتخاذ القرار. هل لازال في بداية حياته ويبحث عن مكان يجني فيه الخبرة ويتعلم سريعاً حتى يطور نفسه وقدراته؟ أم يبحث عن أمان وظيفي فقط ومستعد يتنازل عن كل شيء الآن مقابل ذلك؟

منذ تخرجي من الجامعة في 1999 لم أعمل في أي وظيفة حكومية أو خاصة، حيث قضيت عمري كله في تأسيس وإدارة مشاريعي الخاصة، ولذلك حتماً لست الشخص المناسب للاستشارة في الحقل والمسار الوظيفي.
ولكن الذي أتوقعه ومن خبرة 20 عام في مجال الشركات الناشئة، أنه لا يوجد حقل عملي يمكن للمرء استكشاف نفسه وقدراته وشغفه وينجز فيه مثل العمل في الشركات الناشئة ما دام مستعد للتعلّم وخوض التجارب المتتالية. ولكن عليه أن يكون مستعد لدفع الثمن، وهو التعب والإرهاق أكثر من أي مكان آخر. أمّا الوظيفة الحكومية فيجب أن تكون دائماً آخر الخيارات أو خارجها.

لا تمضِ إلى الغابة، لا تشرب من البحرِ، لا تبني لك بيتاً، لا تكتب رسالة

كتابي هذه الأيام هو مذكرات الأديب الألماني العظيم غونتر غراس “تقشير البصلة”. يعتبر غونتر غراس من أبرز الأدباء الألمان بعد الحرب العالمية الثانية، له مواقف نبيلة تجاه القضية الفلسطينية سببت له مشاكل وأعداء، وله قصة عشق باليمن وتراث اليمن العريق حيث زار اليمن عدة مرات وكتب وحاضر عنها. حصل غراس في  1999 على جائزة نوبل للآداب عن دوره في إثراء الأدب العالمي وخصوصا في ثلاثيته الشهيرة “ثلاثية داينتسيغ”.

ما زلت في بدايات هذه السيرة الذاتية الرائعة، ولكن لفت انتباهي الطريقة التي تطرّق فيها لجزء مظلم في حياته وهو انضمامه لشبيبة هتلر وهو في سن صغيرة (15 عام)!. هذا السن يكاد يكون ما قبل البلوغ، ومن الظلم توجيه كثير من اللوم على أطفال ومراهقين في هذه السن على اتخاذهم قرارات حساسة كقراره تحت ظل ضخ إعلامي وسياسي ضخم كالذي مارسته النازية. عندما يكون هتلر هو قائد البلاد، ويكون غوبلز وزير إعلامه، ومن حولهم جيوش جرّاره وملايين الجنود والأنصار، كيف يمكن أن ينجو طفل من الدعاية النازية ولا ينضم للجماهير؟

ولكن غونتر لا يخشى من مواجهة ذاته ومكاشفتها وتقييمها وسرد حقيقة شعوره آنذك. يقول عن ما قبل انضمامه لشبيبة هتلر:

“لقد أخافتني تماماً قصص أحد برومبرغ الدامي المرعبة التي كان كلها تغطي الصحيفة اليومية النازية المحلية التي كانت تثبت أن البولنديين قتلة وخونة، وأدركت أن كل فعل ألماني بمثابة جزاء قابل للتبرير.”

وعن إيمانه بهتلر:

“وهكذا كنت أؤمن بالاسم المقدس للفوهرر، أؤمن به بحماسة لا تهتز، ولا يطالها الشك، حتى سقط كل شيء، كما تنبأ نشيدنا «هكذا إلى الأمام سنسير، دائماً إلى الأمام، إلى أن يتداعى كل شيء» - إلى أجزاء”.

عن النظر لصورته آنذاك يقول:

“تلك هي الكيفية التي أرى بها نفسي في مرآتي الخلفية. الصورة التي لا يمكن مسحها. فهي ليست طباشيراً على لوح أسود، إنها دائمة. ورغم ظهور انمحاءات قليلة مع مرور الزمن، لا تزال الأناشيد موجودة أيضاً; «إلى الأمام، إلى الأمام! الأبواق تدوي جعجعة! إلى الأمام! الشباب لا يعرف الخطر!» إن الزعم بأنهم «أغروني» لا يعذر الشباب الذين كانوا ينشدونها وبالتالي لا يعذرني. لا، فنحن ندع أنفسنا نُغرى، أنا أدع نفسي أُغرى.”

وبمزيد من الشجاعة يقول عن البدايات كذلك:

“بما أنني لا أعرف التاريخ ولا يمكنني تذكر المناخ المضطرب للحرب آنذاك أو أعدد بقعها الساخنة من الدائرة القطبية إلى القوقاز وعلى الجبهات الأخرى، فكل ما يمكنني فعله الآن هو حبك الظروف التي ربما تكون قد حفزت قراري النهائي بالتجنيد وغذته. لم تكن هناك نعوت مسكنة متاحة. ما فعلته لا يمكن اعتباره حماقة شبابية. لا ضغط من فوق. ولا شعرت بالحاجة إلى تسكين الإحساس بالذنب تجاه الشك بمعصومين الفوهرر، بحماسي للتطوع.”

ها نحن أمام رجل شجاع. لم يبحث عن أعذار لذاته التي كانت في عمر الخامسة عشر، بل يسجل اعترافات بأن فعله الذي ربما لا يلومه أحد عليه نظراً لعمره الصغير ولضخامة السياق، كان نتيجة قراره ومسؤوليته. لم يقل أنهم أغروه، بل أنه سمح لنفسه أن تُغرى! وهذا برأيي السبيل الصحيح للإعتراف بالأخطاء، أن يحمّل المرء نفسه أولاً نتيجة قراراته في سن معينة بدلاً من البدء بتوجيه اللوم لكل شيء آخر. ثم ينطلق في محاولة فهم لماذا اتخذ تلك الخطوات و دوافعه الحقيقية بشفافية تامة.

بالإضافة لرواياته وأعماله الأدبية الرائعة، كان غونتر غراس يكتب الشعر. ومن بين روائع قصائده التي تمت ترجمتها للعربية وقامت جاهدة وهبي بغنائها قصيدة “لا تمضِ إلى الغابة”:  
لا تــمــضـي إلـى الــغــابــة
فـفـي الـغـابـة .. غــابـــة
و من يـمـضـي إلـى الـغـابــة
بــحــثــاً عـن الأشــجــار
لن يبحث عنه بعدها في الغابة
دع الخوف
الخوف يعبق بخوف
و من يعبق بخوف… يشم
أبطال من يعبقون برائحة أبطال
لا تــشــرب مـن الـبـحــر
فــمــذاق الـبـحـر، يـصـبـو إلـى الـمـزيــد
و مـن يـشـرب مـن الـبـحـر، سـيـكـون ظـمـآنـاً
إلـى الـمـحـيـطـات وحـدهــا
لا تــبـنـي لــكَ بـيــتــاً
و إلاّ صــرتَ بــيــتــاً
و مـن يــقــبــعُ فــي الـبـيـت
يــكــون فـي انــتــظــار الــزائــر الـمـتـأخــّــرِ
لــيــفــتــحَ لـــه
لا تــكــتــبْ رســـالــــــة
ســـتـــؤول الــرســالــــة إلــى الأرشــيـــف
و مــن يــكــتــب رســالــــة
يـــُـــوقـــّــع عــلــى بــقــايـــــاه

عن تقاعد رائد الأعمال المبكر، أو عشم إبليس في الجنة..

يوماً ما في العشرينيات كان لدي حلم بأن أتقاعد من الحياة العملية مع حلول سن الأربعين إذا ما كنت على وجه الأرض. في منتصف الثلاثينيات تملّكني شعور متضارب بين الرغبة المحمومة في تحقيق هذا الحلم في سباق مع الوقت، وبين شعور خفي بأنني لن أبلغ هذا العمر حياً.

عندما بلغت الأربعين اكتشفت أنني ولسبب ما مازلت على وجه البسيطة، وفي نفس الوقت لم أحقق حلم التقاعد المبكر هذا. فما الحل؟ قمت بما يمكن أن يفعله أي شخص متذاكي، أي أنني قمت بتمديد سن التقاعد المستهدف ليكون بنهاية الخامسة والأربعين (أي خلال سنتين من الآن). حتى الآن تبدو فرصة تحقيق هذا الهدف غير مطمئنة، مشاريعي التي استثمرت وعملت فيها لسنوات تمر بمرحلة نمو مطّرد (ولله الحمد)، وتتطلب استمرار وجودي في الحياة اليومية العملية.

مع بداية الأربعين وضعت الخطة (ب) قيد التنفيذ بما أن خطة الوصول للتقاعد المبكر لم تنجح، فقمت بمحاولة تعديل أسلوب حياتي لتكون أكثر هدوءاً بحيث تسمح لي بالتركيز على العمل والإنجاز. نجحت بشكل إعجازي في تقزيم كل المشتتات الخارجية الممكنة، ومنعها من التغول على حياتي وتفكيري. ولكن حصل كذلك تعاظم لدور الحياة العملية واحتلالها كامل تفكيري وجهدي وتركيزي، على حساب حياة الراحة والهدوء.

مؤخراً بدأت أقتنع أنني ربما تعمّقت في الحياة العملية بشكل أعمق مما يمكنني الخروج منها قريباً، وبشكل يجعل فكرة التغيير والتقاعد المبكر ربما مستحيلة. انتبهت أنني لم أعمل كموظف يوم واحد في حياتي، طوال حياتي أعمل على إنشاء مشاريع وإدارتها كمؤسس وليس كموظف، وحياة رائد الأعمال تختلف جذرياً عن كل أنواع الحياة العملية. ببساطة، لا أعرف حياة غير هذه ولا أتخيل حياة غيرها.
شعرت واعترفت بالهزيمة بشكل ما، وبأنه علي تقبل شخصيتي التي صنعتها بنفسي و بقراراتي التي اتخذتها على مدى سنوات الشباب.
حددت وتعرفت على عيوبي عن قرب، تعرفت وتيقنت حول ما أجيده وأحبه وما أمقته ولا أجيده، تيقنت من نقاط قوتي التي يمكنني ويجب عليّ التركيز عليها، ونقاط ضعفي التي يجب علي الاعتراف بها أمام نفسي والاستسلام من محاولة تغييرها. حاولت معالجة عيوبي وتحويل نقاط ضعفي التي ترسخت عبر سنين العمر إلى نقاط قوة ولكن فشلت مرة تلو أخرى.
في النهاية وصلت لشيء من السلام والتصالح الذاتي بأن هذا أنا وهذه شخصيتي وهذه قدراتي وهذه عيوبي، وعليّ تعلّم كيفية التعايش مع ذاتي كما هي بدون كثير من القسوة على نفسي. ربما لو اكتشفت كل ذلك في سن مبكرة لكنت تمكنت من تغيير ما لا أحبه في شخصي، ولكن ذلك زمن مضى.

ماذا عن الذين حولي؟ هناك من يحبك كما أنت ولا يسعى لتغييرك لأنه علم يقيناً بأن ذلك لم يعد ممكناً وأن ضغط المحاولات ربما تكسرك، وهناك من يسعى لتغييرك لأنه يحبك ويريد أن تستكمل شخصيتك بمعالجة عيوبك ونقاط ضعفك.
كل الحب والامتنان للاثنين، للأول على صبره وقبوله بي كما أنا وعدم محاولته تغييري، وللثاني على محاولاته تغييري للأفضل، ولكنها محاولات أتت متأخرة بكل أسف.

في أن لا تفعل شيء، عن عيد النوم والاسترخاء

حسناً، هذه ربما أول مرة في حياتي لا أتمنى أن تنتهي إجازة العيد. شعوري وأنا أستعد هذه اليومين للعودة للحياة العملية والسفر والاجتماعات مثل شعور طالب مرحلة متوسطة يستعد للعودة لمدرسته المليئة بالمتنمرين بعد قضاء إجازة الصيف بعيد عن هذه الأجواء.

إجازة عيد الحج هذا العام لم تتجاوز أسبوع واحد، إجازة خلوت فيها لنفسي وحيداً، لم يكن هناك شيء مميز فيها إلا شيء عظيم واحد اكتشفته مؤخراً -للأسف- اسمه “النوم العميق”. لا أظن استمتعت في حياتي بالنوم مثلما استمتعت به فيها. كنت أنام لأجل النوم، وأستيقظ حتى أجهز نفسي للنوم، وأحلم بالنوم وأنا نائم، وأخطط للقراءة حول أمور أتمنى أن تخطر على بالي في الحلم وأنا نائم.

بالإضافة لهذا الاكتشاف المتأخر المذهل المسمّى بالنوم، انضممت مؤخراً لعالم اليوغا. محاولاتي في الإطلاع على عالم اليوغا قديمة، ولكنها من الأمور التي كنت أرى تأجيلها لوقت مناسب لأنني مشغول بشكل مستمر. والحقيقة أن أفضل وقت للدخول في عالم اليوغا هو وأنت في قمة الانشغال العملي لأن دورها إضفاء الهدوء والتوازن على حياتك وتخفيف ضغوط العمل. لأول مرة أستشعر أن لدي رئتين، وأن هناك شيء اسمه أكسجين وتنفس عميق. أما المشاعر التي تتملكك بعد الانتهاء من تمرين اليوغا فهذا عالم آخر، أحد تلك المشاعر الغريبة هي الرغبة في البكاء بعد التمرين! ظهر أن ذلك ليس غريباً بل طبيعي لأنه من نتائج التمارين المتوقعة.

مع حصص اليوغا، واصلت حضور حصص تمارين ال Kickboxing بمعدل ثلاث مرات أسبوعياً. البعض يرى تناقض بين الرياضتين، أحدهما تمارس فيها جهد بدني يميل للعنف والضرب والأخرى جهد بدني نحو التأمل والهدوء والتنفس ومرونة الجسم. لا أرى بأس في هذا التناقض ومواصلة ممارسة كلاهما في نفس الوقت بحيث أسبوعياً 3 حصص Kickboxing  وحصتين يوغا حتى نهاية العام على الأقل.

بالنسبة للقراءة، فقد كانت مذكرات أسعد طه “يحكى أن” رفيق رائع وقت الإجازة. إذا كانت هناك حياة أتمناها بدلاً من حياتي العملية، فربما تكون حياة عملية تقوم على السفر والمغامرات واستكشاف العالم، حياة قريبة من تجربة أسعد طه كما وثقها في كتابه. كتاب ديفيد كوت عن فرانز فانون “سيرة فكرية” كان خفيف وممتع كذلك.

شاهدت خلال الإجازة الجزء الرابع من مسلسل The Affair بما أن الموسم الخامس سيبدأ هذا الشهر. ربما يكون المسلسل الوحيد الذي شاهدت جميع حلقاته خلال السنوات الماضية، وهو فرض عين على جميع الأربعينيين.

كان عيد وأسبوع استرخاء عظيم، الرياضة شيء جميل والمسلسلات والأفلام كذلك، والكتب أعظم الأشياء الجميلة، ولكن يبدو أن النوم العميق سينافس القراءة كأحد أعظم النعم في هذه الحياة.

الحريّة وطائر السنونو عند بيغوفيتش و المسيري

لو سئلت عن أكثر الشخصيات التاريخية تأثيراً في فكري ووجداني، لما خرج علي عزت بيغوفيتش عن قائمة الشخصيات الثلاث الأولى. مثل كثير من أبناء جيلي، سمعت باسمه لأول مرة مع انفجار حرب البوسنة والهرسك في 1992. وبعدها بسنوات بدأت تقع بين يدي كتبه، وأنا بعده لست كما قبله.

كنت اليوم اقرأ في مذكرات الصحافي الشهير أسعد طهيحكى أن.. عن الذات والحرب والثورة” وهو كتاب ممتع جداً بصياغة قصصية بديعة لا يجيدها إلا القليل. استوقفتني رسالة علي عزت بيغوفيتش من سجنه إلى حفيدته الصغيرة سلمى في الثاني من ديسمبر 1982:

“أنا اليوم حزين قليلاً، طارت طيوري، كتبت لك إن لم تكوني قد نسيت، أنه يوجد هنا أسراب من طيور السنونو، رسمت لك إحداها مع صغارها، من المكان الذي أعمل فيه (الزنزانة) يمكنني أن أرى بعض الأعشاش، وقبل شهرين خرج الصغار من البيض، في العش الأقرب كان هناك أربعة منهم، أولاً كانوا صغاراً جداً، أربعة رؤوس صغيرة كانت تترقب من العش طوال اليوم، كانت صامتة لا تتحرك، أراهن أنها كانت تفكر دائماً في شيء واحد فقط، متى ستأتي العصفورة الأم بالطعام؟ كثيراً ما كانت الأم تحط، تقف للحظة على حافة العش، تضع الفتات في مناقيرهم وتطير ثانية، كنت أنظر إلى كل ذلك طوال اليوم وقلبي كان مفعماً بالأمل”.

يعلّق الكاتب على الرسالة بقوله:

"السنونو وأي طائر آخر إنما يرمز إلى الحرية، حرية أن يختار المخلوق إلى أي اتجاه ينطلق; ولذا كان يرقبها بيغوفيتش بشغف من زنزانته."

ثم ينقل عن بيغوفيتش من كتابه الأشهر “الإسلام بين الشرق والغرب” تعليقاً له على موضوع الحرية، حيث يرى بيجوفيتش أنه إذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقاً، فإن الألوهية لا تكون ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه. ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناً وإما صراحة. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقاً حراً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق. الحرية ليست نتيجة ولا نتاجاً للتطور، فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان. فالله لا ينتج ولا يشيد.. الله يخلق!

ولذا فإن الدكتور عبدالوهاب المسيري وهو يتحدث عن فكرة بيغوفيتش هذه يقول:

“إن الإنسان قد ينجح آجلاً أو عاجلاً في تشييد صورة مقلدة من نفسه، نوع من الإنسان الآلي أو مسخ، شيء قريب الشبه بصانعه. وهذا المسخ الشبيه بالإنسان لن تكون له حرية، سيكون قادراً فقط على أن يتحرك في إطار ما بُرمج عليه. وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي، الذي لا يمكن تكراره أو مقارنته بأي شيء حدث من قبل أو سيحدث من بعد في هذا الكون”.

وأخيراً يعلّق الكاتب على كلام علي عزت بيغوفيتش و تعليق عبدالوهاب المسيري:

هي الحرية إذن التي ناضل “علي” وغيره كثر من أجلها، والتي من أهم تجلياتها “الاختيار”، أن تكون لك الحرية المطلقة في أن تختار ما ترغب فيه، وينسى الناس وهم يتغنون للحرية وحقهم في الاختيار، أنهم سيدفعون ثمن خياراتهم في كل الأحوال.
قرّر أن تكون مستقلاً أو تابعاً، قرّر أن تكون مع هذه المجموعة أو تلك، مع هذا التيار أو ذاك، أو مستقلاً عنهم جميعاً، تتلقى حجارة الجميع، ولا أحد يدافع عنك، قرّر كيفما تريد أن تقرّر، لكن كن مستعداً لتدفع ثمن هذه الخيارات، ألم تسعَ للحرية؟ ها هي الحرية إذن.. لذيذة ومثيرة لكنها مجهدة!

ومزيد من المتعة مع هذا الكتاب حيث أنني مازلت في البدايات..