يوميات

تدوينات: 43

بين الكارهين المستقعدين و المحبين المُسلِّكِين، استمع أكثر للذين ما دروا عنك

عبر تويتر والسوشل ميديا، يحصل أن تشارك بطرح أو رأي حول موضوع أو حدث ما مثل الجميع. وبحكم أنه فضاء حوار رقمي مفتوح، من الطبيعي أن يجني طرحك بعض التفاعل والحوار والنقاشات. وتكون درجة حدّية وسخونة وتفاعل الردود بحسب حساسية الموضوع وأهميته.
وجدت أن أفضل حل للحفاظ على الطاقة والتواجد والهدوء والاستمرارية في هذه المناخات، فلابد من أن تسعى لتقسيم أنواع الذين يتفاعلون معك إلى ثلاث أنواع، وبناءً على التصنيف المناسب الذي تراه للشخص المتفاعل، تكون طريقتك في استقبال كلامه، والتفاعل معه، والتفكير فيه، وأخذه على محمل الجد أو عدمه. تحتاج لوضع تقسيم ما حتى تحدد أسلوب حوارك مع كل فئة، وكيف تستقبل وتقرأ مواقفهم وآرائهم تجاهك وتفكر فيها، ولأي درجة تسمح لها أن تؤثر عليك.

الفئة الأولى: الكارهين المستقعدين (5%)

يكنّون لك كره شخصي عميق لا تراه مبرراً، مهما فعلت لن تفلح في كسبهم، حتى لو أصبحت نسخة منهم أو نسخة بمن يطالبونك أن تكون على شاكلته. ليس من المنطقي أن تضع هؤلاء في الحسبان أو تحاول مناقشتهم وإقناعهم لأن لديهم موقف راديكالي منك غير قابل للتغيير، فلماذا تسعى لصياغة رأيك بشكل تظن أنه يستميلهم ويكسب موافقتهم؟ هؤلاء منغمسين في تشويه سمعة كل من يختلف عنهم والترّصد له مستخدمين أساليب هي جزء من أسلوب حياتهم اليومية. وهم فئة شاذة صغيرة مغالية في العداء، ليس هناك مكسب أصلاً من التفكير في محاولة اكتسابهم والتنازل لأجلهم، فبالتالي من الأولى أن تتجاهلهم بقدر ما تستطيع وأن لا تتأثر بما يقولون.

الفئة الثانية: المحبين المُسلِّكِين (5%)

يكنّون لك حب وإعجاب عميق صعب يتنازلون عنه. على الرغم أن محبتهم وحماسهم وتشجيعهم وتصفيقهم هو أمر ممتع بالنسبة لك، ولكن في الحقيقة هناك خطورة إذا اتّبعت هواك وتفاعلت معهم بحماس غير منضبط. حبّهم ربما -بدون قصد- يشكّل حولك شيء من الغشاوة تمنعك عن رؤية سواهم حتى تظنهم كل العالم وتظن أن آرائهم التسليكية لك تمثل العالم، وهم في الحقيقة فئة صغيرة محبة لا تحتاج لجهد كبير في إقناعهم بشيء فهم مبايعين على هواك. إذا بقيت تتحاور فقط مع هذه الفئة المحبة فأنت تجاهلت الأغلبية الساحقة العظمى.

الفئة الثالثة: اللي ما دروا عنك (90٪)

الأغلبية الساحقة من الذين يعرفونك ليس لديهم مواقف عاطفية حادة تجاهك لا بالكراهية والعداوة ولا بالحب والإعجاب. أنت في أعين الغالبية العظمى مثلك مثل غيرك. فبالتالي ممكن أن يكون حوارك معهم مفيد ومثمر لك ولهم. تعليقاتهم وآرائهم فيما تقول تستحق التفكير فيها لأنهم في الغالب محايدين وليس لهم مصلحة ما.

إذن، لا تبالي كثيراً بالكارهين المستقعدين فمواقفهم منك لن تتغير مهما تنازلت وحاولت إقناعهم، ولا تنساق بعمى خلف المحبين المُسلِّكِين لأنهم ممكن يوردونك المهالك بدون قصد، ولكن اهتم أن يكون تواصلك الأكبر هو مع الفئة الثالثة لأنها الأكثر حياداً وبدون مواقف مسبقة أو توقعات منك.

عن تحقيق الذات، كيف وضع درجاتك مع هرم ماسلو؟

يمر على الشخص الطبيعي بين حين وآخر تقلّب في المزاج، معنوياته تتأرجح بين القمة والقاع بحسب ظروفه العملية والشخصية والأحداث من حوله. غير الطبيعي هو أن يكون الشخص متفائل ومقبل على الحياة طوال الوقت، أو متشائم ومنكفئ على نفسه باستمرار. في الحالتين إما يكون مخادع لنفسه أو لديه مشكلة تستحق الالتفات لها والتعامل معها بشجاعة.

تقلّب المزاج وهبوط المعنويات يكون أحياناً مؤشر لوجود احتياج ما لدى المرء ويواجه صعوبة في تحقيقه. ولكن ما هي الاحتياجات الفردية؟
في 1943 ابتكر ابراهام ماسلو ما يعرف منذ ذلك الحين ب “هرم ماسلو”، وهو تمثيل لنظريته حول ترتيب حاجات الإنسان ووصف الدوافع التي تُحرّكه. كلما كانت احتياجات الفرد متحققة فإنه يكون في وضع نفسي متزن، والعكس في الغالب صحيح. طبعاً هناك آراء ناقدة لنظرية ماسلو، ولكن تبقى نظرية تحتمل الصحة بشكل كبير. هرم ماسلو الأساسي يتكون من 5 مستويات، ولكنه تطور مع السنوات ليصبح 8 مستويات كما تظهر في الجدول التالي:

لو أردت تقييم وضعي مع هرم ماسلو و تحقق احتياجاتي من عدمها، لربما كانت كالتالي:

  1. الحاجات الفسيولوجية: لا مشاكل بفضل الله. ربما عملية جيوب أنفية قريباً تجعل وضع التنفس والنوم بشكل أفضل.
  2. الحاجة إلى الأمان: شعور شخصي بالأمان المادي والنفسي بعد 20 عام مسيرة عملية، ولكن ليس سراً أن الأحداث وأوضاع المنطقة تجعل الواحد يجاهد نفسه لكي يقاوم الخوف ومقاومة فقدان الشعور بالأمان.
  3. الانتماء الاجتماعي: وضع مستقر ما عدا جانب الصداقات، أصبحت أجد في نفسي نفور شديد من صنع صداقات وعلاقات جديدة بسبب بعض المطبات والصدمات التي لم تكن متوقعة. أتمنى أن أستطيع في 2020 معالجة هذا الجانب بشكل ما.
  4. الحاجة إلى التقدير: أحمل تقدير للذات، وثقة ذاتية تكفي للمسير، شعور بالإنجاز، أكن الاحترام للآخرين (ممن يستحقه)، وأجده بالمقابل عند الآخرين ممن يحصل بيني وبينهم تواصل في المجال الرقمي أو في الواقع.
  5. الاحتياجات المعرفية: لا يزال لدي فضول و رغبة في الاستكشاف والتعلم، وبالتالي أرى أن احتياجي هذا متحقق. والفكرة هنا ليس بلوغ مستوى عالي من المعرفة، ولكن إبقاء جذوة الفضول والرغبة في التعلم والإقبال على القراءة والمعارف.
  6. الحاجة إلى الجمال والفن: أعتقد أنني متذوق جيد للجمال والفنون بكافة أنواعها، ربما الخروج للطبيعة بعيداً عن المدينة هو أمر احتاج ممارسته باستمرار.
  7. الحاجة لتحقيق الذات: معظم مشاريعي تدور في هذه المساحة سواءً عبر رواق أو غيرها. كما أنني متقبل بشكل جيد جداً لكل الحقائق التي فرضتها الحياة والواقع علينا، وأتعامل معها بأقل درجة من المقاومة.
  8. تجاوز الذات: يرى ماسلو أن أعلى مستوى للاحتياجات يتمثل في السمو الذاتي أو تجاوز الذات والذي ينطوي على مساعدة الآخرين في تحقيق الذات. أعتقد أنني أؤدي جهد لا بأس به هنا.

بشكل عام، أشعر أنني أحقق درجات جيدة جداً بالنسبة للاحتياجات بناءً على هرم ماسلو (مثلك عزيزي القارئ ومثل الكثير، ولكن قليل منا الشاكرون). فلماذا هذا الشعور بالتعب والإرهاق؟ ببساطة هو نتيجة السعي لتحقيق هذه الاحتياجات. ومن يسعى لتحقيق ذاته، عليه أن يتقبل ضريبة ذلك، وأهلاً وسهلاً بها من ضريبة..

عن بيئات العمل الخمس في السعودية، والمكان المناسب لحصد الخبرات والمهارات واكتشاف الشغف والقدرات الذاتية

تواصل معي بالأمس شخص يستشيرني في قرار يدرسه حول الانتقال من العمل في جهة حكومية إلى العمل في شركة كبرى في القطاع الخاص. اعتذرت عن تقديم أي مشورة مباشرة له لأن مثل هذه الاستشارات تعتبر في غاية الحساسية الشخصية وآثار اتخاذها ممكن تنعكس على مستقبله.

في نفس الوقت، ذكرت له رأيي باختصار حول بيئة العمل في السعودية (وربما في أغلب دول العالم) وهي تنقسم إلى 5 بيئات عمل:

  1. القطاع الحكومي: وظيفة آمنة في الغالب، براتب معقول، لا تتطلب الكثير من الجهد والمهارات والخبرات. الجانب الابتكاري والإبداعي فيها متدني جداً بشكل عام إلا في حالات جهات حكومية نادرة. البيروقراطية وبيئة العمل الحكومي في العادة طاردة للإبداع والابتكار لغياب المنافسة والاحتياج لذلك. والخبرات التي يتم اكتسابها لا توازي السنوات التي يقضيها الشخص في الوظيفة الحكومية. بشكل عام، أمان وظيفي مع قبر للقدرات.
  2. القطاع الخاص (الشركات): راتب متدني في البداية ربما، ولكن يصل لأرقام جيدة مع الوقت إذا استطاع الفرد إثبات كفاءته، وكانت شركته ذات بيئة عمل صحية تسمح للشخص الذي يعمل على تطوير ذاته ومهاراته أن يترقى فيها. ربما ليست بأمان العمل في القطاع الحكومي، ولكن يمكن للفرد تحقيق ذاته من خلال العمل في القطاع الخاص. أسوأ ما في القطاع الخاص هو الجهد المبالغ فيه أحياناً واحتمالية الاحتراق الوظيفي، وانعكاس الجانب المالي على الشخص بحيث تصل للبعض الحال أن يرى الحياة ككل من خلال منظور مالي (كم ربحنا وكم صرفنا).
  3. القطاع الخيري (القطاع الثالث): ارتياح نفسي ربما أكثر من العمل في القطاعين السابقين لاستشعار الأثر المباشر للعمل في حياة الفئات المستهدفة. العائد المالي يعتبر الأضعف في الغالب، والجانب الابتكاري متدني في أغلب الجهات. غياب احترافية القطاع الخاص وغياب أمان القطاع الحكومي. مناسب لشخص غير طموح مهنياً ويفضل الأثر النفسي المباشر.
  4. الشركات الحكومية: قطاع هجين غريب ظهر عندنا مؤخراً بتزايد. يجمع بين أمان الوظيفة الحكومية، ورواتب القطاع الخاص المرتفعة. احتمالية الإبداع والابتكار فيه أفضل من القطاع الحكومي ولكن في الغالب أدنى من القطاع الخاص. بما أنها شركات حكومية فإن الدخل المالي ليس بتلك الحساسية التي هي عند شركات القطاع الخاص. لا أعرف بين الشركات الحكومية إلا شركة واحدة ربما يمكن لها المنافسة على المستوى المحلي والإقليمي. من السلبيات المتوقعة شعور زائف بالنجاح والتميز يمكن أن يتلاشى لو رفعت الحكومة يدها عن شركتها الحكومية وجعلتها تتنافس مثل غيرها في السوق.
  5. الشركات الناشئة: بحسب مرحلة الشركة الناشئة، إذا كانت في بداياتها فالمتوقع أن يكون الراتب ليس مثل القطاعات السابقة ولكن يرتفع سريعاً مع نمو الشركة السريع، مساحة الابتكار والإبداع عالية جداً للاحتياج لها، وكسب الخبرات فيها عظيم ولا يقارن مع الجهات السابقة نظراً لاضطرار الفرد للعمل في عدة أدوار في نفس الوقت والتعلّم بشكل سريع إذا كان جاهز لذلك. الأمان الوظيفي ربما يكون الأدنى مقارنة مع باقي القطاعات نظراً لارتفاع احتمالية فشل الشركة الناشئة، ولكن حجم الخبرات التي يجنيها الفرد ممكن تجعل انضمامه لشركة أو مجال آخر سريع نظراً للحاجة لأشخاص مثله. حجم ضغط العمل في العادة يكون أكبر من باقي القطاعات.

يعتمد قرار الشخص في الانضمام لأي قطاع وجهة على عوامل كثيرة، وأحدها هو المرحلة التي يدرس فيها اتخاذ القرار. هل لازال في بداية حياته ويبحث عن مكان يجني فيه الخبرة ويتعلم سريعاً حتى يطور نفسه وقدراته؟ أم يبحث عن أمان وظيفي فقط ومستعد يتنازل عن كل شيء الآن مقابل ذلك؟

منذ تخرجي من الجامعة في 1999 لم أعمل في أي وظيفة حكومية أو خاصة، حيث قضيت عمري كله في تأسيس وإدارة مشاريعي الخاصة، ولذلك حتماً لست الشخص المناسب للاستشارة في الحقل والمسار الوظيفي.
ولكن الذي أتوقعه ومن خبرة 20 عام في مجال الشركات الناشئة، أنه لا يوجد حقل عملي يمكن للمرء استكشاف نفسه وقدراته وشغفه وينجز فيه مثل العمل في الشركات الناشئة ما دام مستعد للتعلّم وخوض التجارب المتتالية. ولكن عليه أن يكون مستعد لدفع الثمن، وهو التعب والإرهاق أكثر من أي مكان آخر. أمّا الوظيفة الحكومية فيجب أن تكون دائماً آخر الخيارات أو خارجها.

لا تمضِ إلى الغابة، لا تشرب من البحرِ، لا تبني لك بيتاً، لا تكتب رسالة

كتابي هذه الأيام هو مذكرات الأديب الألماني العظيم غونتر غراس “تقشير البصلة”. يعتبر غونتر غراس من أبرز الأدباء الألمان بعد الحرب العالمية الثانية، له مواقف نبيلة تجاه القضية الفلسطينية سببت له مشاكل وأعداء، وله قصة عشق باليمن وتراث اليمن العريق حيث زار اليمن عدة مرات وكتب وحاضر عنها. حصل غراس في  1999 على جائزة نوبل للآداب عن دوره في إثراء الأدب العالمي وخصوصا في ثلاثيته الشهيرة “ثلاثية داينتسيغ”.

ما زلت في بدايات هذه السيرة الذاتية الرائعة، ولكن لفت انتباهي الطريقة التي تطرّق فيها لجزء مظلم في حياته وهو انضمامه لشبيبة هتلر وهو في سن صغيرة (15 عام)!. هذا السن يكاد يكون ما قبل البلوغ، ومن الظلم توجيه كثير من اللوم على أطفال ومراهقين في هذه السن على اتخاذهم قرارات حساسة كقراره تحت ظل ضخ إعلامي وسياسي ضخم كالذي مارسته النازية. عندما يكون هتلر هو قائد البلاد، ويكون غوبلز وزير إعلامه، ومن حولهم جيوش جرّاره وملايين الجنود والأنصار، كيف يمكن أن ينجو طفل من الدعاية النازية ولا ينضم للجماهير؟

ولكن غونتر لا يخشى من مواجهة ذاته ومكاشفتها وتقييمها وسرد حقيقة شعوره آنذك. يقول عن ما قبل انضمامه لشبيبة هتلر:

“لقد أخافتني تماماً قصص أحد برومبرغ الدامي المرعبة التي كان كلها تغطي الصحيفة اليومية النازية المحلية التي كانت تثبت أن البولنديين قتلة وخونة، وأدركت أن كل فعل ألماني بمثابة جزاء قابل للتبرير.”

وعن إيمانه بهتلر:

“وهكذا كنت أؤمن بالاسم المقدس للفوهرر، أؤمن به بحماسة لا تهتز، ولا يطالها الشك، حتى سقط كل شيء، كما تنبأ نشيدنا «هكذا إلى الأمام سنسير، دائماً إلى الأمام، إلى أن يتداعى كل شيء» - إلى أجزاء”.

عن النظر لصورته آنذاك يقول:

“تلك هي الكيفية التي أرى بها نفسي في مرآتي الخلفية. الصورة التي لا يمكن مسحها. فهي ليست طباشيراً على لوح أسود، إنها دائمة. ورغم ظهور انمحاءات قليلة مع مرور الزمن، لا تزال الأناشيد موجودة أيضاً; «إلى الأمام، إلى الأمام! الأبواق تدوي جعجعة! إلى الأمام! الشباب لا يعرف الخطر!» إن الزعم بأنهم «أغروني» لا يعذر الشباب الذين كانوا ينشدونها وبالتالي لا يعذرني. لا، فنحن ندع أنفسنا نُغرى، أنا أدع نفسي أُغرى.”

وبمزيد من الشجاعة يقول عن البدايات كذلك:

“بما أنني لا أعرف التاريخ ولا يمكنني تذكر المناخ المضطرب للحرب آنذاك أو أعدد بقعها الساخنة من الدائرة القطبية إلى القوقاز وعلى الجبهات الأخرى، فكل ما يمكنني فعله الآن هو حبك الظروف التي ربما تكون قد حفزت قراري النهائي بالتجنيد وغذته. لم تكن هناك نعوت مسكنة متاحة. ما فعلته لا يمكن اعتباره حماقة شبابية. لا ضغط من فوق. ولا شعرت بالحاجة إلى تسكين الإحساس بالذنب تجاه الشك بمعصومين الفوهرر، بحماسي للتطوع.”

ها نحن أمام رجل شجاع. لم يبحث عن أعذار لذاته التي كانت في عمر الخامسة عشر، بل يسجل اعترافات بأن فعله الذي ربما لا يلومه أحد عليه نظراً لعمره الصغير ولضخامة السياق، كان نتيجة قراره ومسؤوليته. لم يقل أنهم أغروه، بل أنه سمح لنفسه أن تُغرى! وهذا برأيي السبيل الصحيح للإعتراف بالأخطاء، أن يحمّل المرء نفسه أولاً نتيجة قراراته في سن معينة بدلاً من البدء بتوجيه اللوم لكل شيء آخر. ثم ينطلق في محاولة فهم لماذا اتخذ تلك الخطوات و دوافعه الحقيقية بشفافية تامة.

بالإضافة لرواياته وأعماله الأدبية الرائعة، كان غونتر غراس يكتب الشعر. ومن بين روائع قصائده التي تمت ترجمتها للعربية وقامت جاهدة وهبي بغنائها قصيدة “لا تمضِ إلى الغابة”:  
لا تــمــضـي إلـى الــغــابــة
فـفـي الـغـابـة .. غــابـــة
و من يـمـضـي إلـى الـغـابــة
بــحــثــاً عـن الأشــجــار
لن يبحث عنه بعدها في الغابة
دع الخوف
الخوف يعبق بخوف
و من يعبق بخوف… يشم
أبطال من يعبقون برائحة أبطال
لا تــشــرب مـن الـبـحــر
فــمــذاق الـبـحـر، يـصـبـو إلـى الـمـزيــد
و مـن يـشـرب مـن الـبـحـر، سـيـكـون ظـمـآنـاً
إلـى الـمـحـيـطـات وحـدهــا
لا تــبـنـي لــكَ بـيــتــاً
و إلاّ صــرتَ بــيــتــاً
و مـن يــقــبــعُ فــي الـبـيـت
يــكــون فـي انــتــظــار الــزائــر الـمـتـأخــّــرِ
لــيــفــتــحَ لـــه
لا تــكــتــبْ رســـالــــــة
ســـتـــؤول الــرســالــــة إلــى الأرشــيـــف
و مــن يــكــتــب رســالــــة
يـــُـــوقـــّــع عــلــى بــقــايـــــاه

عن تقاعد رائد الأعمال المبكر، أو عشم إبليس في الجنة..

يوماً ما في العشرينيات كان لدي حلم بأن أتقاعد من الحياة العملية مع حلول سن الأربعين إذا ما كنت على وجه الأرض. في منتصف الثلاثينيات تملّكني شعور متضارب بين الرغبة المحمومة في تحقيق هذا الحلم في سباق مع الوقت، وبين شعور خفي بأنني لن أبلغ هذا العمر حياً.

عندما بلغت الأربعين اكتشفت أنني ولسبب ما مازلت على وجه البسيطة، وفي نفس الوقت لم أحقق حلم التقاعد المبكر هذا. فما الحل؟ قمت بما يمكن أن يفعله أي شخص متذاكي، أي أنني قمت بتمديد سن التقاعد المستهدف ليكون بنهاية الخامسة والأربعين (أي خلال سنتين من الآن). حتى الآن تبدو فرصة تحقيق هذا الهدف غير مطمئنة، مشاريعي التي استثمرت وعملت فيها لسنوات تمر بمرحلة نمو مطّرد (ولله الحمد)، وتتطلب استمرار وجودي في الحياة اليومية العملية.

مع بداية الأربعين وضعت الخطة (ب) قيد التنفيذ بما أن خطة الوصول للتقاعد المبكر لم تنجح، فقمت بمحاولة تعديل أسلوب حياتي لتكون أكثر هدوءاً بحيث تسمح لي بالتركيز على العمل والإنجاز. نجحت بشكل إعجازي في تقزيم كل المشتتات الخارجية الممكنة، ومنعها من التغول على حياتي وتفكيري. ولكن حصل كذلك تعاظم لدور الحياة العملية واحتلالها كامل تفكيري وجهدي وتركيزي، على حساب حياة الراحة والهدوء.

مؤخراً بدأت أقتنع أنني ربما تعمّقت في الحياة العملية بشكل أعمق مما يمكنني الخروج منها قريباً، وبشكل يجعل فكرة التغيير والتقاعد المبكر ربما مستحيلة. انتبهت أنني لم أعمل كموظف يوم واحد في حياتي، طوال حياتي أعمل على إنشاء مشاريع وإدارتها كمؤسس وليس كموظف، وحياة رائد الأعمال تختلف جذرياً عن كل أنواع الحياة العملية. ببساطة، لا أعرف حياة غير هذه ولا أتخيل حياة غيرها.
شعرت واعترفت بالهزيمة بشكل ما، وبأنه علي تقبل شخصيتي التي صنعتها بنفسي و بقراراتي التي اتخذتها على مدى سنوات الشباب.
حددت وتعرفت على عيوبي عن قرب، تعرفت وتيقنت حول ما أجيده وأحبه وما أمقته ولا أجيده، تيقنت من نقاط قوتي التي يمكنني ويجب عليّ التركيز عليها، ونقاط ضعفي التي يجب علي الاعتراف بها أمام نفسي والاستسلام من محاولة تغييرها. حاولت معالجة عيوبي وتحويل نقاط ضعفي التي ترسخت عبر سنين العمر إلى نقاط قوة ولكن فشلت مرة تلو أخرى.
في النهاية وصلت لشيء من السلام والتصالح الذاتي بأن هذا أنا وهذه شخصيتي وهذه قدراتي وهذه عيوبي، وعليّ تعلّم كيفية التعايش مع ذاتي كما هي بدون كثير من القسوة على نفسي. ربما لو اكتشفت كل ذلك في سن مبكرة لكنت تمكنت من تغيير ما لا أحبه في شخصي، ولكن ذلك زمن مضى.

ماذا عن الذين حولي؟ هناك من يحبك كما أنت ولا يسعى لتغييرك لأنه علم يقيناً بأن ذلك لم يعد ممكناً وأن ضغط المحاولات ربما تكسرك، وهناك من يسعى لتغييرك لأنه يحبك ويريد أن تستكمل شخصيتك بمعالجة عيوبك ونقاط ضعفك.
كل الحب والامتنان للاثنين، للأول على صبره وقبوله بي كما أنا وعدم محاولته تغييري، وللثاني على محاولاته تغييري للأفضل، ولكنها محاولات أتت متأخرة بكل أسف.

في أن لا تفعل شيء، عن عيد النوم والاسترخاء

حسناً، هذه ربما أول مرة في حياتي لا أتمنى أن تنتهي إجازة العيد. شعوري وأنا أستعد هذه اليومين للعودة للحياة العملية والسفر والاجتماعات مثل شعور طالب مرحلة متوسطة يستعد للعودة لمدرسته المليئة بالمتنمرين بعد قضاء إجازة الصيف بعيد عن هذه الأجواء.

إجازة عيد الحج هذا العام لم تتجاوز أسبوع واحد، إجازة خلوت فيها لنفسي وحيداً، لم يكن هناك شيء مميز فيها إلا شيء عظيم واحد اكتشفته مؤخراً -للأسف- اسمه “النوم العميق”. لا أظن استمتعت في حياتي بالنوم مثلما استمتعت به فيها. كنت أنام لأجل النوم، وأستيقظ حتى أجهز نفسي للنوم، وأحلم بالنوم وأنا نائم، وأخطط للقراءة حول أمور أتمنى أن تخطر على بالي في الحلم وأنا نائم.

بالإضافة لهذا الاكتشاف المتأخر المذهل المسمّى بالنوم، انضممت مؤخراً لعالم اليوغا. محاولاتي في الإطلاع على عالم اليوغا قديمة، ولكنها من الأمور التي كنت أرى تأجيلها لوقت مناسب لأنني مشغول بشكل مستمر. والحقيقة أن أفضل وقت للدخول في عالم اليوغا هو وأنت في قمة الانشغال العملي لأن دورها إضفاء الهدوء والتوازن على حياتك وتخفيف ضغوط العمل. لأول مرة أستشعر أن لدي رئتين، وأن هناك شيء اسمه أكسجين وتنفس عميق. أما المشاعر التي تتملكك بعد الانتهاء من تمرين اليوغا فهذا عالم آخر، أحد تلك المشاعر الغريبة هي الرغبة في البكاء بعد التمرين! ظهر أن ذلك ليس غريباً بل طبيعي لأنه من نتائج التمارين المتوقعة.

مع حصص اليوغا، واصلت حضور حصص تمارين ال Kickboxing بمعدل ثلاث مرات أسبوعياً. البعض يرى تناقض بين الرياضتين، أحدهما تمارس فيها جهد بدني يميل للعنف والضرب والأخرى جهد بدني نحو التأمل والهدوء والتنفس ومرونة الجسم. لا أرى بأس في هذا التناقض ومواصلة ممارسة كلاهما في نفس الوقت بحيث أسبوعياً 3 حصص Kickboxing  وحصتين يوغا حتى نهاية العام على الأقل.

بالنسبة للقراءة، فقد كانت مذكرات أسعد طه “يحكى أن” رفيق رائع وقت الإجازة. إذا كانت هناك حياة أتمناها بدلاً من حياتي العملية، فربما تكون حياة عملية تقوم على السفر والمغامرات واستكشاف العالم، حياة قريبة من تجربة أسعد طه كما وثقها في كتابه. كتاب ديفيد كوت عن فرانز فانون “سيرة فكرية” كان خفيف وممتع كذلك.

شاهدت خلال الإجازة الجزء الرابع من مسلسل The Affair بما أن الموسم الخامس سيبدأ هذا الشهر. ربما يكون المسلسل الوحيد الذي شاهدت جميع حلقاته خلال السنوات الماضية، وهو فرض عين على جميع الأربعينيين.

كان عيد وأسبوع استرخاء عظيم، الرياضة شيء جميل والمسلسلات والأفلام كذلك، والكتب أعظم الأشياء الجميلة، ولكن يبدو أن النوم العميق سينافس القراءة كأحد أعظم النعم في هذه الحياة.

الحريّة وطائر السنونو عند بيغوفيتش و المسيري

لو سئلت عن أكثر الشخصيات التاريخية تأثيراً في فكري ووجداني، لما خرج علي عزت بيغوفيتش عن قائمة الشخصيات الثلاث الأولى. مثل كثير من أبناء جيلي، سمعت باسمه لأول مرة مع انفجار حرب البوسنة والهرسك في 1992. وبعدها بسنوات بدأت تقع بين يدي كتبه، وأنا بعده لست كما قبله.

كنت اليوم اقرأ في مذكرات الصحافي الشهير أسعد طهيحكى أن.. عن الذات والحرب والثورة” وهو كتاب ممتع جداً بصياغة قصصية بديعة لا يجيدها إلا القليل. استوقفتني رسالة علي عزت بيغوفيتش من سجنه إلى حفيدته الصغيرة سلمى في الثاني من ديسمبر 1982:

“أنا اليوم حزين قليلاً، طارت طيوري، كتبت لك إن لم تكوني قد نسيت، أنه يوجد هنا أسراب من طيور السنونو، رسمت لك إحداها مع صغارها، من المكان الذي أعمل فيه (الزنزانة) يمكنني أن أرى بعض الأعشاش، وقبل شهرين خرج الصغار من البيض، في العش الأقرب كان هناك أربعة منهم، أولاً كانوا صغاراً جداً، أربعة رؤوس صغيرة كانت تترقب من العش طوال اليوم، كانت صامتة لا تتحرك، أراهن أنها كانت تفكر دائماً في شيء واحد فقط، متى ستأتي العصفورة الأم بالطعام؟ كثيراً ما كانت الأم تحط، تقف للحظة على حافة العش، تضع الفتات في مناقيرهم وتطير ثانية، كنت أنظر إلى كل ذلك طوال اليوم وقلبي كان مفعماً بالأمل”.

يعلّق الكاتب على الرسالة بقوله:

"السنونو وأي طائر آخر إنما يرمز إلى الحرية، حرية أن يختار المخلوق إلى أي اتجاه ينطلق; ولذا كان يرقبها بيغوفيتش بشغف من زنزانته."

ثم ينقل عن بيغوفيتش من كتابه الأشهر “الإسلام بين الشرق والغرب” تعليقاً له على موضوع الحرية، حيث يرى بيجوفيتش أنه إذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقاً، فإن الألوهية لا تكون ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه. ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناً وإما صراحة. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقاً حراً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق. الحرية ليست نتيجة ولا نتاجاً للتطور، فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان. فالله لا ينتج ولا يشيد.. الله يخلق!

ولذا فإن الدكتور عبدالوهاب المسيري وهو يتحدث عن فكرة بيغوفيتش هذه يقول:

“إن الإنسان قد ينجح آجلاً أو عاجلاً في تشييد صورة مقلدة من نفسه، نوع من الإنسان الآلي أو مسخ، شيء قريب الشبه بصانعه. وهذا المسخ الشبيه بالإنسان لن تكون له حرية، سيكون قادراً فقط على أن يتحرك في إطار ما بُرمج عليه. وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي، الذي لا يمكن تكراره أو مقارنته بأي شيء حدث من قبل أو سيحدث من بعد في هذا الكون”.

وأخيراً يعلّق الكاتب على كلام علي عزت بيغوفيتش و تعليق عبدالوهاب المسيري:

هي الحرية إذن التي ناضل “علي” وغيره كثر من أجلها، والتي من أهم تجلياتها “الاختيار”، أن تكون لك الحرية المطلقة في أن تختار ما ترغب فيه، وينسى الناس وهم يتغنون للحرية وحقهم في الاختيار، أنهم سيدفعون ثمن خياراتهم في كل الأحوال.
قرّر أن تكون مستقلاً أو تابعاً، قرّر أن تكون مع هذه المجموعة أو تلك، مع هذا التيار أو ذاك، أو مستقلاً عنهم جميعاً، تتلقى حجارة الجميع، ولا أحد يدافع عنك، قرّر كيفما تريد أن تقرّر، لكن كن مستعداً لتدفع ثمن هذه الخيارات، ألم تسعَ للحرية؟ ها هي الحرية إذن.. لذيذة ومثيرة لكنها مجهدة!

ومزيد من المتعة مع هذا الكتاب حيث أنني مازلت في البدايات..

أكأب فيلم في التاريخ: ألمانيا، الأم الشاحبة

قبل عامين قرأت كتاب “‏امرأة في برلين (ثمانية أسابيع في مدينة محتلة)” لـ مارتا هيلرس، والذي يعتبر من أبلغ الكتب التي تحكي حال المجتمع الألماني بعد الهزيمة وما حصل في برلين بعد سقوطها بين أيدي الحلفاء. الكتاب شنيع بمعنى الكلمة، ويظهر لأي عمق ممكن تصل روح الانتقام لدى البشر. مؤلفة الكتاب سردت -من بين كثير من القصص المؤلمة- قصة اغتصابها من قبل الجنود الرووس، وهي واحدة بين مليون امرأة ألمانية يقال أنه تم اغتصابهن من قبل جنود الحلفاء المنتصرين.
قراءة الكتاب ساهمت بتكوين تصوّر جيد عن شكل الحياة بعد الحرب، كيف تكون حياة شعب مهزوم ومكسور بعدما كان في قمة مجده ويسعى لاحتلال العالم. كيف تكون حياة السقوط من قمة الطموح والغرور والعنجهية إلى قاع الهزيمة والإنكسار والصدمة.

بالأمس وقعت بالصدفة على ما يمكنني بوصفه أكأب فيلم شاهدته في حياتي، وحتى يثبت العكس سأعتبره أكأب فيلم في التاريخ. فيلم “ألمانيا، الأم الشاحبة” (أو الباهتة) Germany, Pale Mother كان قد تم إنتاجه عام 1980 وعرض في مهرجان برلين للأفلام تلك السنة. تقييم نقّاد المهرجان كان في غاية السلبية لدرجة أن منتجي الفيلم قاموا بالتراجع وسحبه ولم يعرض في السينما بعد المهرجان. بعد مضي عقود من الزمن، تم عرض الفيلم في دول مختلفة وحصل على إشادات وشهرة واسعة.

يحكي الفيلم قصة فتاة عاشت أيام حكم هتلر ولم تكن معجبة به ولا بالنازية. تقدم للزواج منها شاب لم توافق عليه إلا عندما تأكدت أنه لم ينضم للحزب النازي. بدأت الحرب وفي يوم عيد ميلادها علمت بأن الدولة قررت إرسال زوجها للحرب في بولندا. تدور مجريات القصة ويعود زوجها ويحاولان العودة للحياة بشكل اعتيادي، ولكن كيف ستكون شكل الحياة في بلد محطم ومكسور، ويكون الزوج عائد من حرب خاسرة والزوجة كانت مرّت بالهوائل خلال غيبته وقت الحرب؟ هنا تكمن عظمة هذا الفيلم الكئيب، حيث نجح في تصوير حياة باهتة وشاحبة لدرجة أنه يصعب وصفها بالحياة، تماماً مثل “ألمانيا، الأم الشاحبة” بعد الحرب والهزيمة. أبلغ جملة في الفيلم كانت عندما قالت بطلة الفيلم: “بدأت الحرب داخل أنفسنا، بعدما سكنت في الخارج”.

القصة كئيبة، ملامح الممثلين في غاية الكآبة، تمثيلهم رتيب وكئيب جداً، اسم الفيلم كئيب، وكل شيء له علاقة بالفيلم كئيب. ولذلك تفهم لماذا كان موقف النقاد في غاية السلبية منه في المهرجان وتم إلغاء عرضه في السينما. ربما تملّكتهم الكآبة لدرجة رحموا العالم من مشاهدته.
ولكن يبدو أن الجميع نسي أن عظمة الفيلم وحتى يوصل صورة شكل الحياة في ألمانيا بعد الحرب تتطلب أن يكون الفيلم كقصة وتمثيل وإخراج بالفعل في غاية الكآبة. فيلم عبقري..

عن صاحب القلب السعيد أو مستر هابي هارت

حضرت قبل أسابيع لقاء لطيف في أرباب الحرف استضافوا فيه السيدة إيزابيل بالبيد تحدثت فيه عن كتاب جديد لها بعنوان "الحرية ابنة الحق". بدأت فيه بالحديث عن قصتها مع تغيير اسمها، قالت أنها كانت معجبة باسم "إيزابيل" منذ مرحلة المراهقة، وفي يوم ما عندما كانت تطلب كوب قهوة من ستاربكس سألها الموظف عن اسمها ليكتبه على الكوب، فأجابته: إيزابيل! تقول أنها من تلك اللحظة قررت أن تغير اسمها بشكل رسمي ليكون إيزابيل.

يقال أن أول حقوق الإنسان التي يتم مصادرتها هي اسمه، حيث يختار له الوالدين والأسرة اسم يبقى يحمله باقي حياته، ولم يؤخذ رأيه فيه. ولذلك ربما رأت السيدة إيزابيل أن تغيير اسمها لاسم تحبه هو من باب الحرية وتملّك حق فقدته عند الولادة، ومن هنا ربما أتت فكرة كتابها!

في مرحلة المراهقة التي عشتها في الطائف المأنوس لم أكن على تصالح تام مع اسمي. "فؤاد" يبدو نوعاً ما اسم رقيق المعنى، ولا يقارن بالاسماء ثقيلة الوزن التي من الجيد حملها وسط طلاب المتوسطة والثانوية التي يجب أن تكون فيها "ذئباً وإلا أكلتك الذئاب". فوق تعليقات الطلاب، كان هناك تعليقات المدرسين وسؤالهم الخالد: "كيف فؤاد وغامدي؟". وكأنّ من لوازم القبيلة أن لا تحمل اسم رقيق المعنى!

اسماني والدي رحمة الله عليه على الدكتور المصري الذي ولدت على يديه، حيث خرج لوالدي مبشراً بقدوم ابن "رأسه قد كذا" مشيراً بيديه لحجم رأسي. فرح والدي بمقدمي، ووعد الطبيب فوراً بتسميتي عليه، وهو ما حصل وافياً بوعده. كان دائماً يذكّرني بسبب تسميتي، ويطلب مني أن أصبح طبيب عندما أكبر!

في أول يوم بمعهد اللغة بأمريكا، طلبت المدرّسة من طلاب الفصل أن يحاولوا ترجمة معاني اسمائهم. عند وصول دوري، وجدت صعوبة في ترجمة اسمي كاملاً "فؤاد الغامدي". من السهل ترجمة فؤاد إلى قلب، ولكن كيف تترجم "الغامدي"؟. ولذلك اخترت اسم العائلة "الفرحان" بدلاً من اسم القبيلة، فأصبح معنى اسمي Happy Heart أي "قلب السعيد" أو "القلب السعيد". لم تكن مهمة ترجمة الأسماء سهلة على مستجدين في اللغة، بل كان الوضع بشكل عام مضحك مع محاولاتهم وتعبيراتهم المختلفة. في نهاية الحصة، اختارت المدرّسة اسمي ليكون أفضل اسم! وقد راق لها كثيراً حتى أنها أخبرت باقي المدرسات والمدرسين عن معناه، وأصبحوا يخاطبوني مستر هابي هارت. لا أتذكر أنني فكرت بمعناه قبل ذلك اليوم. وجدت أنه اسم لطيف وذو معنى و Brandable، وسيكون من اللطيف استخدامه في حياتي العامة والعملية.

يروق لي اسمي، وأتذكر معناه دائماً كلما ادلهمّت الليالي آملاً أن يكون لواقعي انعكاس منه. في نهاية المطاف لا شيء مثل امتلاك قلب سعيد في هذه الحياة. في نفس الوقت، ينتابني شيء من الحزن أنني لم أسعى لتحقيق حلم والدي الذي فقدته في سن المراهقة ولم أدخل مجال الطب كما كان يتمنى. دائماً ما يخطر على بالي تساؤل إذا ما كان سيرى أنني عوضت حلمه اليوم بما يجعله فخور وراضي! آمل ذلك..

هل هناك تطابق بين متطلّبات النجاح في عالم السياسة وعالم الأعمال؟

تصر كثير من الأطروحات على تأكيد التشابه والتطابق بين عالم السياسة وعالم الأعمال في كثير من الأمور، ومن بينها متطلّبات النجاح في كلاهما. يقال أن أحد المهارات التي يتوجب على الشخص تملّكها إذا أراد قطع مشوار ناجح في مجال السياسة ومجال الأعمال هي القدرة الهائلة على إخفاء مشاعره الحقيقية تجاه من يتعامل معهم. يعتبر البعض هذه المهارة من أنواع النفاق، وذلك ربما صحيح في مجال السياسة، ولكن ليس بهذه القطعية في مجال الأعمال.

نعم، لا يمكن للأسف أن يكون هناك سياسي ناجح بدون أن يمتلك أقصى درجات السيطرة على إخفاء مشاعره وأفكاره وخططه. ولا أعرف كيف يمكنه امتلاك هذه السيطرة بدون دعمها بكل أنواع التصرّفات السلبية مثل الكذب، النفاق، الوعود الكاذبة، الغدر، وغيرها من العادات والتصرّفات التي تساعده في إخفاء مشاعره الحقيقية وخططه تجاه من يتعامل معهم. السياسة بشكل عام هي حقل لا يمكن أن ينجح فيه الصادق والنظيف وصاحب المبادئ.

في مجال الأعمال هناك فسحة أكبر، ليس من متطلبات النجاح كما توحي الثقافة الرأسمالية أن يتخلى المرء عن قيمه ومبادئه، ليس مضطر أن يمارس الألاعيب والكذب وسلوك الطرق الملتوية. ليس مضطر أن يخفي مشاعره ويغتالها لأجل عقد الصفقات والتعامل مع أشخاص لا يرتاح لهم ويعتقد أنهم غير نظيفين. يمكنه عند الاختلاف مع أحد في مجال الأعمال أن يعبّر عن موقفه ومشاعره بأسلوب متحضر سعياً لحل المشاكل أو إنهاء علاقة العمل بأسلوب محترم ومريح.

في عالم الأعمال يمكنك النجاح وأنت تحمل ضمير حيّ، وأنت تتعامل بصدق وإخلاص، وأن لا تهمّش مشاعرك وتخفيها لأجل المال والربح. هذا النجاح ليس بالضرورة تكون ترجمته على شكل أرقام وثروات فلكية، ولكن دخل وربح طيب ونظيف، وراحة بال يحميها ضمير حيّ. الطريق أطول بالطبع من طريق الكذب والخداع والزيف، ولكن في النهاية هو طريق نظيف يمكن من خلاله الوصول للنجاح، بعكس طريق السياسي الناجح.