يوميات

تدوينات: 39

لماذا أنا في تويتر؟

مع تنامي منصات الشبكات الاجتماعية والسوشل ميديا مع السنوات، وجدت أنه من المناسب لي التواجد والتفاعل في مكان واحد فقط منعاً للتشتت وإضاعة الوقت. وهذا المكان كان  تويتر، لا لشيء إلا أنني انضممت له مبكراً كثالث حساب سعودي في أكتوبر 2006، ومع الوقت تكونت صداقاتي وتعرفت على الكثير من خلاله.
جرّبت سنابشات ووجدته يستهلك جهد وتفكير، وجرّبت انستاغرام ووجدت أنني لا أعرف شيء في تصوير أكواب القهوة، أما فيسبوك فهو مجزرة للوقت.

على الفرد برأيي أن يحدد لنفسه بوضوح سبب وجوده وتفاعله الشخصي في تويتر أو غيره. وهذه الأسباب تختلف من شخص لآخر. بعض أبرز أسباب التواجد تتمحور حول:

  • للاطلاع ومتابعة الأصدقاء وذوي الاهتمام المشترك: تواجد طبيعي للترفيه أو الاستفادة الشخصية، والتواصل مع الأصدقاء، والاطلاع على المحتويات التي ينشرها متخصصين في مجال اهتمام الشخص الوظيفي وحياته. لا يقدم نفسه كخبير أو متخصص وإن كان كذلك، يستهلك محتوى ومتابعة، وغالباً قليل الإضافة.
  • لصناعة صورة شخصية والتسويق لها: مهتم ومتخصص في مجال معين ينشر محتويات وروابط ويدخل في نقاشات حوله. هدف تواجده هو تقديم نفسه كمتخصص وخبير في مجال معين Subject Matter Expert لنشر الفائدة، وربما عند البعض أملاً في أن يعود ذلك عليه بفرص بزنس أو علاقات تساعده في تطور مسيرته العملية.
  • للتسويق لمشروع تجاري أو رسالة في الحياة: رائد أعمال وصاحب مشروع، أو ناشط في مجال معين، يستغل تواجده للترويج لمشروعه أو مجال نشاطه محاولاً إقناع أكبر عدد من الناس به. يرى أن تواجده يجب أن يتمحور بالكامل حول مشروعه ونشره أياً كان.

بالنسبة لي، تويتر هو فضاء للتواصل مع الناس ونشر ما يروق لي، وربما يهم البعض الاطلاع عليه (وليس الجميع).
ولذلك فإن مشاركاتي متنوعة بين مجال عملي (ريادة الأعمال والشركات الناشئة) حيث هناك اهتمام شريحة كبيرة في هذا المجال واشاركهم ما يمر علي وأراه مناسب، مشاريعي (رواق و رسال و قيتموف وغيرها) للتسويق والترويج لها، اهتماماتي (الكتب، والمقالات الجيدة) عند مروري على ما يستحق الاطلاع عليه ربما من الآخرين، وأخيراً بعض الأفكار التي تخطر على البال حول الحياة اليومية أو الحياة بشكل عام.

من يهتم فقط بمجال ريادة الأعمال سيجد ربما أن مشاركاتي في باقي النواحي غير مفيدة له، ومن لديه اهتمام بالكتب والثقافة والقراءة فقط سيجد أن الروابط التي أطرحها حول عالم البزنس غير مفيدة، وهكذا.
البعض يرى أن في ذلك تشتت، وأنه يفقدني فرصة التركيز في مجال معين يمكنني تقديم نفسي كخبير فيه، وصنع صورة شخصية معينة تجعل أعداد المتابعين تتزايد بشكل كبير. ولكن هذه أمور ثانوية بالنسبة لي. هي أهداف مشروعة للبعض، ولكن بالنسبة لي التواصل والمشاركة التلقائية هو هدف التواجد ولا أسعى لأهداف أكثر من ذلك.

أحاول بقدر المستطاع أن يكون تواجدي الرقمي يشابه تواجدي في العالم الحقيقي، ويعكس حياتي واهتماماتي اليومية. ويومي ينقسم بين تركيزي على الاطلاع على الجديد في مجالي، وعلى مشاريعي، وعلى القراءة والكتب، وأخيراً على أمور شخصية تمر علي وأفكر بها. فبالتالي، تواجدي الرقمي يعكس حياتي الحقيقية وهذا تصرّف يدعم السلام الداخلي والتركيز بشكل جيد.

عن إرهاب الإيجابيين و الحق في التشاؤم

أحد الأشياء القليلة التي أرى أنني أجيدها هي ابتكار مصطلحات لبعض الظواهر العامة والأمور التي تلفت انتباهي لتكررها وتفتقد لوصف مناسب. مؤخراً أظن أنني ابتكرت مصطلحين جديدين هما “إرهاب الإيجابيين” و “الحق في التشاؤم”. وبالطبع، ما تحتاج عالم فلك ليقول لك بأنه يمكن صك مصطلحين لنقيضيهما.

تتراوح مشاعر ونظرة الإنسان الطبيعي -وهو يخوض معارك حياته اليومية-، بين التفاؤل والتشاؤم. طبيعي جداً أن يشعر بالتفاؤل في أوقات، والتشاؤم في أوقات أخرى. هذه النظرة وهذا الشعور نتيجة لتحليل اطلّع عليه أو سمعه ثم أمعن التفكير واقتنع به، أو تحليل ذاتي بحت لأحداث وعوامل متغيرة تدعم أحد الشعورين بين حين وآخر. غير الطبيعي أن يكون على خط واحد طوال الوقت إمّا متفائل أو متشائم.

إذا كان الإيمان يزيد وينقص كما تقول عقيدة أهل السنة، فماذا عن الانطباع الذاتي نحو نواحي الحياة المختلفة؟ التفاؤل والتشاؤم حول المشروع الذي أعمل عليه، أو سياسة ما، أو تحولات معينة، أو علاقة شخصية، أو غيرها. أحياناً يستطيع المرء تفسير شعوره، وكيف وصل له. وأحياناً لا يعرف، وإنما هو شعور يتملكّه وقرر أن يبوح به. أين المشكلة إذن؟

المشكلة إذا كان المرء لا يستطيع التعبير عن شعوره الحقيقي خوفاً من جمهور أحد الطرفين. فعندما يكون متشائم ولكن الجمهور يظهر عليه أنه متفائل، فإنه يخشى التعبير عن تشاؤمه خوفاً من الهجوم عليه واتهامه بالسلبية والإحباط وغيرها. رغم أنه لم يقصد إلا ممارسة “الحق في التشاؤم” والتعبير عن شعوره، ولا يقصد إقناع الآخرين بتبنيه ومناصرته. مجرد قناعة وشعور يعبّر عنه.
وأحياناً يكون متفائل حول موضوع معين يعبّر عنه، ولكن الجمهور بشكل عام يحمل تصوّر متشائم، فلا يغفرون له شعوره بالتفاؤل وهم متشائمين.

“إرهاب الإيجابيين” ربما يجعل المرء يشعر بالذنب لوصوله لشعور بالتشاؤم، وربما يقتنع بأنه شخص سلبي ومحبط كما قالوا عنه ويتنازل عن “الحق في التشاؤم”. ونفس الشيء كذلك في حالة التفاؤل. في كلتا الحالتين، يخشى المرء عن الإفصاح عن شعوره الحقيقي أو أنه ينافق ويقول بما يشعر أن أغلب الجمهور يقولون به لأجل مسايرتهم وعدم مواجهتهم.

الأفضل له ربما إذا كان يخشى ردات الفعل وذاق مرارتها أن يصمت. تعوّد المرء على البوح بعكس ما يشعر به هو مدخل للنفاق إلى قلبه.

حينما يتحول الحلم الطويل إلى كابوس..

وقعت اليوم على هذا النص المؤثر لـ مي سليمان، تحكي فيه عن اكتئاب ما بعد الحمل وتجربتها المريرة.

سمعت سابقاً عن هذا النوع من الاكتئاب، ولكن لا أعلم لماذا تخيلته بسذاجة على شكل خمول جسدي وذهني يصيب النساء وإرهاق، وليس بمثل هذا العمق.

بعض الأمور لا تحتاج لتفسير علمي يشرحها لك، بقدر احتياجك لنص مزلزل مثل هذا حتى تستوعبها بشكل جيد. وهنا تأتي عظمة الكتابة مع البوح الصادق..

كن شريكي.. متى توافق أو ترفض على الدخول كشريك مؤسس في مشروع؟

عند التفكير في بداية عمل مشروع، ينصبّ تركيز الريادي بشكل كبير على جوانب مهمة مثل الفكرة والسوق وطرق التنفيذ والتمويل وغيرها. وفي أغلب الأحيان يكون التفكير بموضوع اختيار الشريك المؤسس هو أقل أو آخر الأمور التي تشغل من حيّز تفكير صاحب المشروع، لأنه إما كان قد اختار الشريك وناقش معه الفكرة، أو أنه يعتقد بأنها خطوة تالية في التفكير والتركيز بعد كل تلك الأمور السابقة.

والحقيقة أن عملية اختيار الشريك المؤسس المناسب هي خطوة لا تقل أهمية عن الفكرة نفسها بل أهم من الفكرة. فنجاح المشروع واستمراريته وتجاوزه وادي الموت يعتمد بشكل كبير على قدرة الشركاء على التعامل مع بعض، وتحمل الضغوطات، والتفكير سوياً بخطوات وحلول ومشاركة التنفيذ بينهم.

سألني اليوم صديق على ماذا يعتمد في قراره بالموافقة أو الرفض كدخول شريك مؤسس في فرصة مشروع عرضها عليه شخص معين؟
هناك كثير من الأمور التي يجب التفكير فيها بالطبع، ولكن برأيي  هناك أربع أمور أساسية يجب التفكير فيها وحسمها مسبقاً للوصول للقرار:

  1. عمق معرفتك بالشريك المؤسس الآخر: لا أقصد معرفته كشخص فقط، ولكن معرفته من تجارب حياة أو مسيرة عملية، معرفته كإنسان وقدرته على مواجهة الضغوط والتعامل معها والوفاء بالعهود. مرور المشروع بوادي الموت أمر محتوم في كل المشاريع إلا الشاذ، وحتى يخرج المشروع من وادي الموت نحو النمو وآفاق النجاح فهذا يتطلب روح فريق وثقة وعلاقة راسخة لتحمّل المؤسسين بعضهم في الليالي الصعبة.
  2. حسم الأدوار والمسؤوليات بوضوح: حدود واضحة وشفافة لمسؤوليات الشركاء وأدوارهم من قبل البداية. وكذلك فترة الالتزام، ووضع سيناريوهات احتياطية متشائمة في حال اختلاف الشركاء وانسحاب بعضهم. هل هناك وضوح تام وتم مناقشة هذه الأمور، وهل قدراتك ووقتك والتزاماتك تسمح لك بالوفاء بها؟
  3. فكرة المشروع والسوق: هل الفكرة تبدو جيدة ومنطقية، هل هناك سوق كافي، هل هناك توقع طلب مباشر أم يحتاج وقت. دراسة مبدئية حول الفكرة وخطة التنفيذ وغيرها من المتطلبات الأساسية. هل تم دراسة المشروع والتفكير فيه بشكل يقلل من تفاوت التصور النهائي للمشروع بين الشركاء؟
  4. توزيع حصص الملكية: وهي نقطة أقل أهمية مما سبق لو كان هناك مقارنة بينها. يمكن وضع تصور أولي، ولكن يجب أن يكون هناك اتفاق بأن يتم مراجعة الحصص بعد مرور فترة معينة واكتشاف حجم العمل وما قدمه كل شريك من جهد مقارنة بالآخر ومدى التزامه. هناك منهجيات معروفة ومنشورة في النت يمكن اتباعها للخروج بمعادلة مناسبة لحصص الشركاء.

في حال وجدت أحد النقاط الأربعة غير مقنعة فمن الأفضل برأيي عدم المغامرة والاعتذار عن الشراكة. اتخاذ قرارك بمشاركة شخص في مشروع جديد لا يجب أن يبنى على الحدس والعاطفة والارتياح. هي أمور جيدة ومطلوبة، ولكن تأتي بعد التفكير ملياً وبشكل عميق في الأمور السابقة، وبعد أن يصبح لديك إجابات محسومة على كل نقطة وليس بعضها.

انقضى نصف العام، ماذا حدث لوعودنا وأهدافنا الشخصية؟

خبر مزعج ربما للبعض، ولكن بمرور هذا اليوم نكمل مرور نصف عام 2019. أعرف أن أغلبنا لا يحبذ أن يذكّره الآخرين بمرور الزمن، لأننا نشعر فجأة بالدهشة لسرعة انصرام الدهر وضعف الإنتاج في المقابل. نعود للنظر في أهدافنا الشخصية التي تعهدنا في بداية السنة أمام أنفسنا -وربما أمام العالم في السوشل ميديا- بتحقيقها هذا العام، فنجد أننا لم ننجز منها ما كنا نأمل، هذا إذا أنجزنا أي شيء.

في بداية العام لم أضع أي أهداف يمكن وصفها بالكبرى والمصيرية مقارنة بباقي الأهداف التي أجد الكثير يضعونها لأنفسهم. أحببت أن يكون 2019 عام هادئ لأقصى حد لكي أستطيع التركيز على العمل في رواق و رسال بكامل طاقتي.

الاهتمامات الجانبية والهوايات يجب أن تكون برأيي مساعدة ولا تشكل ضغط نفسي وتستنزف الوقت والتفكير. العمل هو الأساس، والأهداف الأخرى يجب أن تكون المكان الذي أفرّغ من خلاله ضغط العمل والتحديات. فكيف هو أدائي حتى الآن بعد انقضاء نصف العام؟

بالنسبة للقراءة، فقرار كتاب كل أسبوع كان موفق، وحتى الآن التزامي كان دقيق بنسبة 100%. باقي السنة أنوي القراءة بنفس المعدل.
بالنسبة للأفلام، فكان كذلك قرار موافق، وحتى الآن التزامي بنسبة 100%. ولا أفكر برفع المعدّل باقي السنة لأنه معدّل مريح.
بالنسبة للرياضة، فقد عدت للنادي قبل حوالي ثلاثة شهور بمعدل 3 مرات في الأسبوع بدلاً من مرتين كما كنت قد قررت بداية العام. وفي الشهور التي سبقت عودتي للنادي، كنت أمارس المشي في الواجهة البحرية بجدة.
استطعت الوصول لوزن 76 كجم وهو أقل من الوزن المثالي كما يقال ب 3 كجم (طولي 179 سم). أنوي الاستمرار على نفس المعدل وربما أنزل لمرتين أسبوعياً في الربع الأخير. وصولي لوزن 75 كجم سيكون هدفي باقي العام.
بالنسبة للنمط الكيتوني، فكنت وضعت هدف أن التزم بقدر المستطاع. وقد كان المستطاع حتى الآن هو ثلاثة شهور. في رمضان بالذات كنت في حالة التزام كيتوني تام لدرجة أنني السعودي الوحيد الذي دخل عليه رمضان وخرج وهو لم يأكل سمبوسة واحدة أو تميس. أتوقع أستمر على النمط الكيتوني 3 شهور إضافية من هذا العام كذلك.

إذن أقدر أقول أنني بمرور نصف العام قدرت التزم بأهدافي وأحققها 100%. وهذا بالتالي انعكس على أدواري وإنتاجيتي في العمل، وهو المطلوب من السعي وراء مثل هذه الأهداف وتحقيقها.

ربيع في مرآة مكسورة

لا شيء يشغل تفكيري هذا السبت إلّا الإنتهاء من “ربيع في مرآة مكسورة”. اشتريته من معرض الكتاب بجدة ديسمبر الماضي، ومنذ ذلك الحين والكتاب عندي على الرف ينتظر دوره بين باقي الكتب، والأحد الماضي أتى دوره.

كان من المفروض أن أنتهي منه خلال يومين أو ثلاثة بحد أقصى كعادتي بالنظر لعدد الصفحات وحجم الكتاب. ولكن بمجرد أنهيت عشرين صفحة، شعرت أنني وقعت على كنز بديع. قررت العودة للبداية مجدداً والتمهل بقدر ما أستطيع، والاستمتاع بكل مقطع وصفحة على مهل.
بقي الآن 40 صفحة وأنا متحسف على قرب الإنتهاء منه. ليس كل عمل تشعر تجاهه بمثل هذا الشعور، فقط الأعمال العظيمة التي تلامس مشاعرك بعمق. هذه الرواية أعتبرها من الأعمال الرائعة التي مرت بي وكنت أتمنى فعلاً لو كان عدد صفحاتها أكبر.
لا تستغرب من هذا الإبداع إذا علمت أن مؤلفه شاعر ومناضل أوروغواي ماريو بينديتي.

يباع كنسخة ورقية في فروع جرير مثل باقي أعمال مسكيلياني بالإضافة لمواقع بيع الكتب الإلكترونية، وأنصح به بقوة.

هل كل شيء مجاني ليس ذو قيمة؟

وعود السياسيين -كما نعرف من التاريخ- هي أكذب من وعود الشيطان، وتزداد مبالغة وكذباً في مواسم الانتخابات. قبل أسابيع وعد المرشّح الديمقراطي جو بايدن أنه سيقضي على مرض السرطان لو تم انتخابه، وأكثر من مرشح يدعو لإسقاط ديون طلاب الجامعات الأمريكية، بل بعضهم يعد بالضغط لجعل التعليم الجامعي الأمريكي الحكومي مجاني. والوعد الأخير أطلقه أكثر من مرشح ديمقراطي، وحصل حوار عام وأكاديمي حوله. المعارضين لمجانية التعليم يعتمدون على أطروحة قديمة تقول أن “كل شيء مجاني، لن يكون له قيمة عند الناس”.

هل الأوكسجين الذي نتنفسه بالمجان وبدون تفكير ليس ذو قيمة؟ الصحة الجسدية والصفاء الذهني؟ الخلو من الهموم؟ ماذا عن دعاء الوالدة؟ ليس ذو قيمة لأننا لا ندفع لهنّ مقابل عليه؟ صداقة اكتسبناها بالمجان ونستفيد منها سواءً في العمل أو للفضفضة؟ وقت هادئ مع أنفسنا على الشاطئ أو البر، نخلو به مع ذواتنا؟ صلة رحم؟ اتصال محب يريد فقط السلام؟ المشي، مجرد المشي في مكان ما؟ الذهاب لمكتبة عامة (في مدن توفر ذلك) والقراءة بالمجان؟ المكتبة العامة ليست ذو قيمة؟ عمل تطوعي ننضم فيه مع آخرين؟

محاولات تسليع كل شيء في الحياة وجعله شيء له سعر ومواصفات محددة وأسلوب استخدام محدد هو أمر ليس جديد منذ انطلاقة الثورة الصناعية بالذات، ويتصاعد ويترسّخ بشكل سريع مع الثورة الرقمية وتعاظم تأثير دوائر الأعمال على الحياة العامة للبشرية.
العلاج المجّاني ذو قيمة خرافية عند المريض، ولكن ربما ليس عند الثري الذي يطلب معاملة تليق بأسلوب حياته كما يراه. نقل الخبرات والتعليم المجاني هي أمور ذو قيمة عالية لا يراها من تشكل نقل المعرفة لشرائح مختلفة من المجتمع بالمجان تهديد للشريحة والدوائر التي تضمه.

من لا يقدّر النّعم المجانية ولا يعرف كيف يستمتع بها، سيشعر دائماً أنه فقير ومحتاج لأن روحه لن تملأها كل سلع العالم، وسيحتاج دائماً للعمل أكثر وأكثر للحصول على المزيد مما لن يملأ روحه يوماً..

عن الرحلة الأسبوعية لمدينة تسعة أعشار الرزق

هنا الآن مجدداً، التاسعة مساءً في مقعد طائرة الرحلة الأسبوعية عائداً إلى جدة من الرياض. للتو تلقيت حصتي المعتادة من نظرات التوبيخ الحادة التي تمارسها المضيفة لأنني لم أقم بإغلاق اللابتوب ونحن على وشك الإقلاع. لازالت شركات الطيران تعاملنا نحن المسافرين كأطفال من باب الترفيه على طواقم الرحلات الذين يستمتعون بالتذاكي وفرد عضلاتهم وتوبيخنا عند أول فرصة.

كلما أرى كيف يتصرفن المضيفات مع ركّاب الطائرة، أشعر أنّهن مدرسات في روضة ونحن أطفال مهما كبرنا. هذه تطلب بحزم من راكب ربط الحزام، وتلك تطلب من آخر إغلاق الجوال مع نظرة استهجان، وثالثة تطلب من مسافر إعادة تقويم المقعد. يردن هؤلاء الساديات ومعهن سائق الباص الجوي ومساعده إقناعنا أن استخدام لابتوب أو جوال أو مقعد ظهر منحني فيه تهديد ميكانيكي وإلكتروني لوحش صناعي يزن الأطنان يخترق السحب والفضاء بسرعة فلكية. أما مسرحية تعليمات التصرف مع الأدوات المخبأة تحت المقعد في حال سقوط الطائرة فقد حان وقت إسدال الستار عليها. المدهش أنني أجد نفسي أركز في الممثلة (المضيفة) باهتمام كل مرة وهي تقدم العرض.

رحلتي الأسبوعية بين جدة والرياض والعودة في نفس اليوم تجعلني أنتمي لفئة فريدة ظهرت بين أصحاب الأعمال في جدة. قبل حوالي عقد من الزمن، ظهر جلياً أن الرياض بالإضافة لكونها عاصمة القرار العربي، ستصبح عاصمة قرار الاقتصاد المحلّي والعربي وفرص الأعمال الكبرى. مع الوقت والسنوات الماضية، ترسّخت هذه الحقيقة، وبالذات بعد إعلان رؤية 2030 حيث أصبح كل شيء تقريباً قراره في الرياض.

إذا كنت مدير شركة أو رجل أعمال، ولنشاطك علاقة بالجهات الحكومية و/أو كبريات الشركات فهذا يعني ضرورة أن يكون لك تواجد دائم في الرياض لأجل الاجتماعات وبناء العلاقات وتسريع العمل. لتوسيع النشاط وضمان عمليته ستجد نفسك أمام ضرورة اتخاذ قرار حول: نقل شركتك وفريق العمل إلى الرياض، أو فتح مكتب وانتقالك له مع فريق تطوير الأعمال على الأقل، أو البقاء في مدينتك ولكن تعويد نفسك وفريقك على السفر مرة أو مرتين كل أسبوع. في كل رحلة يغادر أفراد هذه الفئة منازلهم فجراً إلى المطار، ويعودون آخر الليل. تعب وإرهاق بالفعل، ضريبة عدم اتخاذهم قرار بالانتقال بشكل تام إلى الرياض.

يمر عليك في رحلات الفجر -سواءً في انتظار صالة المطار أو باص المغادرة أو الطائرة- وجوه تعودت على مشاهدتها أسبوعياً. أشخاص يعلو ملامحهم شيء من الحماس والاستعداد لاجتماعات يأملون بالخروج منها بقرارات وربما صفقات. في باص المطار يقف بالتشخيص واللباس الرسمي، كوب ستاربكس في اليمين، شنطة اللابتوب على الكتف الأيسر، وابتسامة تفاؤل على وجهه تقول: أنا قادم يا رياض!
أمّا في رحلة العودة آخر الليل بنفس اليوم، فتصادف نفس الوجوه ولكن يعلوها الإرهاق والتعب بسبب يوم اجتماعات وتنقلات طويل. حتى وإن كانت الاجتماعات جيدة وحقق فيها أحدنا المطلوب، يبقى هناك تعب واضح من أثر طول اليوم وأحداثه.
أما إذا جرت أحداث ولقاءات اليوم في اتجاه محبط، فلا تود حقيقة أن تنظر لهيئة وملامح أحدنا وهو في كرسي طائرة العودة أو في باص مطار جدة السعيد.

ينتقل الإنسان من مدينة لأخرى لأربعة أسباب: لأنه أُخرِج منها قهراً، أو لأنه وجد رزقه في مدينة أخرى، أو لأن نفسه ضاقت بدياره، أو مرافقةً لمن يحب.  
تنامي فرص الأعمال في الرياض يتزايد يوماً بعد يوم بشكل يجعل المقارنة مع جدة غير عادلة، ولكن لازلت أشعر أن رحلات تسعة أعشار الرزق هذه مع تعبها أفضل من قرار مغادرتي جدة.  
أحب الرياض، أحب مدن بلادي، وأحب جدة، ولكن أحب الأخيرة أكثر من باقي مدن العالم، وتعليل الحب يا رفاق هو تقزيم له..

ساوندكلاد.. أنا متأسف

لو سئلت عن ترتيبي الشخصي للشبكات الاجتماعية والتطبيقات من حيث الأهمية الشخصية، لما نزلت ساوندكلاود عن أحد المراتب الثلاث الأولى إذا لم تكن الأولى. في الوقت الذي تقوم فيه باقي الشبكات وتطبيقات السوشل ميديا بتعكير المزاج بما يجري فيها من صراع وجنون ونفاق وتوافه، يسعى مستخدمي ساوندكلاود على تعديل مزاجي بكل طريقة ممكنة عبر ما يرفعونه من أعمال بديعة.

في بعض الليالي أعيد تشغيل بعض الأعمال المدهشة أكثر من مرة، بل مرّات ومرّات بلا ملل لأنها وافقت مزاج معين أمرّ به، وتقول ما أود قوله. هذه الأيام هي أيام قصيدة سميح القاسم العظيمة “أنا متأسف”..

هل فعلاً كان لدى الأوغاد الناصحين مصاعد؟

وصلتني اليوم رسالتين من صديقين مختلفين فحواها عبارة منتشرة تقول:

“كل الأوغاد الذين قالوا لنا عليكم أن تصعدوا السلّم درجة درجة، كانت لديهم مصاعد”

يشتكي صاحب العبارة أياً كان من أنه تعرّض للخداع من أناس قدموا نصائح تساعده ليصل لأهداف معينة، واكتشف أنهم لم يطبقوها بل كان لديهم ميزات أخرى أوصلتهم للأهداف. هل كان لهؤلاء الناصحين مصاعد فعلاً أم أن الأمر ربما أوسع من ذلك؟ حسناً، فلنبدأ من مناقشة فكرة النصائح المعلّبة العابرة للقارات.

هناك مشكلة برأيي في طريقة تعاملنا كبشر مع استقبال النصائح ومعالجتها وتخزينها وتطبيقها. ليس هناك نقص في عدد الذين يوزعون النصائح يمنةً ويسرةً. وليس هناك نقص في عدد المستعدين لمنحهم انتباههم وتفكيرهم، وربما تطبيق ما يقولونه. أين المشكلة بالضبط؟

أنواع النصائح

يمكن ربما تقسيم أنواع النصائح إلى:

  • نصائح عامة حول الحياة اليومية: جمل وعبارات ومقولات تنتشر بين الناس ومع الوقت تصبح مثل قواعد في الحياة، مثلاً: ربط حزام الأمان ضروري لمنع الإصابة من الحوادث، وضع خطة مالية شخصية للمصاريف ضروري للتوفير والاستقرار المالي، إلخ.
  • نصائح حول التخصص والعمل: يقال للطلاب بأن الدراسة والمراجعة وحل الواجبات بشكل مستمر تساعدك في النجاح والحصول على معدّل ممتاز. ويقال لرواد الأعمال أن دراسة السوق بشكل معقول قبل تنفيذ فكرة مشروعك ستساعدك في رفع نسبة احتمالية نجاح المشروع. ويقال للفنّان بأن مثابرتك والاستمرار سيرفع من مهارتك في فنّّك مع الوقت وستحصل على الاعتراف والنتائج لاحقاً، وهكذا..
  • نصائح حول العلاقات الاجتماعية: اختيارك لنوع الأصدقاء سيؤثر على تفكيرك ومسيرتك الحياتية مع الوقت بشكل أبعد مما تتخيل، التعامل بثقة ولكن بحذر مع النّاس، وغيرها.
  • نصائح حول الذات والتوازن النفسي: لا حاجة لذكر أمثلة لها لأن هناك اقتصاد عالمي كامل مختص فيها ويدور حولها.

أنواع أصحاب النصائح

النصائح تصدر وينقلها عدة أنواع من الناس:

  • الفلاسفة والمفكرين: قضوا عمرهم في القراءة والبحث والكتابة ودراسة جوانب وتخصصات مختلفة في الحياة، ثم وثّقوا نتائجهم وانتقلت لنا بشكل ما مع الوقت.
  • الباحثين: أفراد ومجموعات يعملون في جهات أكاديمية وبحثية، متخصصين في مجالات محددة، وتكون نصائحهم نتيجة اطلاع واستقراء وأبحاث ويمكنهم الدفاع عنها بشكل علمي. لم يصلوا لدرجة عميقة من الجهد بحيث يتم الاتفاق على تصنيفهم كمفكرين وأساتذة مدارس فكرية مثل الشريحة السابقة.
  • ممارسين أصحاب تجارب حقيقية: قادتهم الأقدار ورغباتهم للدخول في تجارب عملية حقيقية في مجالاتهم، لم يدرسوا هذه التخصصات ولم يكونوا باحثين علميين فيها مثل الشرائح السابقة، ونتج عن تجاربهم هذه دروس وأفكار ونصائح متأثرة بتجاربهم سواءً كانت ناجحة أو فاشلة.
  • المشاهير والمهرّجين: مشاهير الإعلام والسوشل ميديا الذين اكتسبوا شهرة عامة عند شرائح معينة لأسباب مختلفة (فاشنيستا، كوميديا، ممثلين، مطربين،..). لا هم باحثين ولا أصحاب تجارب ولا حكمة ولا شيء، ولكن يوزعون نصائح على جماهيرهم حول الحياة والعلاقات والأعمال سمعوها و نسخوها و سرقوها من غيرهم.
  • العامة: الأقارب والأصدقاء وجماهير واتساب وتويتر. أغلبهم لا يدخلون تحت أي من التصنيفات السابقة، وكل ما يقومون به هو نسخ وإعادة توزيع لنصائح التقطوها عبر وسائل مختلفة. غالباً أعجبتهم هذه النصائح كما هي بدون تفكير عميق منهم فيها.

العوامل المؤثرة في صحّة النصائح

هناك كثير من الأمور تؤثر في صحة النصيحة ومناسبتها للمتلقي. ومنها:

  • المؤثر الجغرافي: بعض النصائح تناسب مناطق جغرافية وبلدان معينة ولا تناسب غيرها، الطبيعة تفرض نفسها ولا يمكن تغييرها.
  • المؤثر الإقتصادي: الوضع المالي للفرد واقتصاد مجتمع وبلد صاحب النصيحة عوامل ممكن تجعل نصيحته غير ذات جدوى وخاطئة ولا تناسب المتلقي في مكان ووضع اقتصادي آخر، ومن الخطأ تطبيقها.
  • المؤثر الثقافي: اختلاف الثقافات يؤثر في صحة النصيحة كذلك. تطبيق نصيحة تصدر من شخص من ثقافة ومجتمع معين ممكن تؤدي لمصيبة عند تطبيقها في مجتمع ذو ثقافة مختلفة.
  • المؤثر العائلي: بعض النصائح في العلاقات الأسرية لا تتناسب مع كثير من الناس الذين يعيشون في أوضاع عائلية مختلف عن صاحب النصيحة، وهناك عوامل أخرى مؤثرة يجب وضعها في الحسبان.
  • المؤثر الفردي: شريحة عمر متلقي النصيحة، وضعه النفسي، تاريخ تجاربه المتراكمة، قدراته الذهنية والمهارية، أولوياته الشخصية، كلها عوامل تؤثر في صحة النصيحة وجدوى تطبيقها.

كما نرى، هناك كثير من العوامل تؤثر في مدى دقة وجدوى النصيحة ويجب أخذها في الحسبان قبل التفكير في تبنيها وتنفيذها على المستوى الشخصي أو الجماعي. يجب التفكير في مدى حساسية النصيحة (عامة، أو في التخصص والعمل، أو في العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو حول النفس)، ثم معرفة شيء عن صاحبها (هل هي نتيجة بحث علمي أم تجربة حقيقية أم خاطرة حكيم، أم رؤية مفكر، أم ناقل مجهول، إلخ). ثم معرفة أي من العوامل ممكن تدعم أو تنفي فكرة تبنيها (هل تناسب في الصحراء أم في المناطق الباردة فقط؟، هل تناسب اقتصادنا أم اقتصاد الدول الصناعية فقط؟، هل ثقافة الشعب تؤيدها أم تقاومها؟ هل وضعي العائلي يجعلها مناسبة أم لا؟ إلخ..). كل النصائح الحياتية والعملية والاجتماعية والفردية تتأثر بعوامل مختلفة خارج سيطرة المتلقي.

أين المشكلة؟

انتشار السوشل الميديا القائم أساساً على الاختصار يعمّق من مشكلة النصائح المعلّبة وانتشارها. نصيحة ما لشخص في بلد معين ضمن ثقافة معينة ووضع اقتصادي معين ومكون أسري وفردي ونفسي معين، تصدر منه بصياغة رائعة على شكل تغريدة من حروف معدودة، أو مقطع سناب قصير، أو مشهد يوتيوب من دقائق، أو منشور فيسبوك، إلخ فتصل لشخص يقيم في أقصى الأرض يعيش تحت عوامل تأثير مختلفة جذرياً عن وضع الناصح. بسبب الكسل أو عدم الرغبة في التفكير والتعمّق فيها، ممكن يتجه المتلقي لتطبيق النصيحة بدون التوقف كثيراً عندها لأنه تبدو له منطقية وارتاح لها. بل يعيد نشرها وتصح كقاعدة عنده. الاختصار (جوّ السوشل ميديا) جيّد في مواضيع غير مؤثرة وحساسة، ولكن ممكن تكون مؤشر ضحالة تفكير عند مطلقها ومتبنيها عندما تكون في جوانب ومواضيع مختلفة.

التفكير الجاد هو عمل فردي متعب، وطبيعة الفرد أن يتّبع هواه وما يرتاح له بدون كثير من التفكير. فعندما يسمع نصيحة تبدو منطقية له، يشرع في تبنيها ونشرها وربما تطبيقها بدون كثير من التفكير. أحياناً تنجح معه، وفي كثير من الأحيان تفشل لأن هناك عوامل مؤثرة لم يفكر فيها قبل التنفيذ جعلت تنفيذ النصيحة خاطئ. فبالتالي، يستنتج أن النصيحة خاطئة وأن الناصح واهم ومزور. صاحب النصيحة ربما يكون على حق، ولكنه لم يتوسع في طرحه ليحدد مستلزمات وشروط نجاح تطبيق نصيحته، أو أنه بائع كلام بالفعل.

استقبال نصيحة شيف طبخ حول إضافة الخلّ كمكون في تجهيز وجبة تبدو لذيذة عبر مقطع يوتيوب وقرار تطبيق نصيحته، يجب أن يختلف جذرياً عن طريقة تلقّيك نصيحة رائد أعمال في سان فرانسيسكو يتحدث عن ضرورة التفرّغ بشكل تام لمشروعك والاستقالة من وظيفتك قبل البداية. النصيحة الأولى لا تحتاج كثير من التفكير فيها لأنه من الواضح أن العوامل المؤثرة في نجاحها أو فشلها ليست كثيرة، وليس هناك خسارة لو ظهر لك بأن طعم الخلّ لم يضيف مذاق رائع. ولكن النصيحة الثانية تستحق كثير من التمّهل و التفكير في العوامل التي ممكن تؤثر في مدى صحة نصيحته ومناسبتها لك. ونفس الشيء مع نصائح تطوير الذات والعلاقات الاجتماعية وغيرها.

الأوغاد الذين قالوا لنا بأن علينا صعود السلالم درجة درجة واتبعنا نصائحهم ولم نصل، ربما كانوا صادقين في نصائحهم ولم يواجهو من المؤثرات الخارجية التي تجعل نصائحهم غير قابلة للتطبيق معنا، فبالتالي ليس خطأهم وليسوا أوغاد.  
ومن المحتمل كذلك أن يكونوا أوغاد كان لديهم مصاعد لم يخبروا الناس عنها.

في النهاية، التفكير والتمعّن وتحليل النصائح قبل تطبيقها مسؤولية الفرد، وعليه لوم نفسه أولاً.