يوميات

تدوينات: 49

عن تقاعد رائد الأعمال المبكر، أو عشم إبليس في الجنة..

يوماً ما في العشرينيات كان لدي حلم بأن أتقاعد من الحياة العملية مع حلول سن الأربعين إذا ما كنت على وجه الأرض. في منتصف الثلاثينيات تملّكني شعور متضارب بين الرغبة المحمومة في تحقيق هذا الحلم في سباق مع الوقت، وبين شعور خفي بأنني لن أبلغ هذا العمر حياً.

عندما بلغت الأربعين اكتشفت أنني ولسبب ما مازلت على وجه البسيطة، وفي نفس الوقت لم أحقق حلم التقاعد المبكر هذا. فما الحل؟ قمت بما يمكن أن يفعله أي شخص متذاكي، أي أنني قمت بتمديد سن التقاعد المستهدف ليكون بنهاية الخامسة والأربعين (أي خلال سنتين من الآن). حتى الآن تبدو فرصة تحقيق هذا الهدف غير مطمئنة، مشاريعي التي استثمرت وعملت فيها لسنوات تمر بمرحلة نمو مطّرد (ولله الحمد)، وتتطلب استمرار وجودي في الحياة اليومية العملية.

مع بداية الأربعين وضعت الخطة (ب) قيد التنفيذ بما أن خطة الوصول للتقاعد المبكر لم تنجح، فقمت بمحاولة تعديل أسلوب حياتي لتكون أكثر هدوءاً بحيث تسمح لي بالتركيز على العمل والإنجاز. نجحت بشكل إعجازي في تقزيم كل المشتتات الخارجية الممكنة، ومنعها من التغول على حياتي وتفكيري. ولكن حصل كذلك تعاظم لدور الحياة العملية واحتلالها كامل تفكيري وجهدي وتركيزي، على حساب حياة الراحة والهدوء.

مؤخراً بدأت أقتنع أنني ربما تعمّقت في الحياة العملية بشكل أعمق مما يمكنني الخروج منها قريباً، وبشكل يجعل فكرة التغيير والتقاعد المبكر ربما مستحيلة. انتبهت أنني لم أعمل كموظف يوم واحد في حياتي، طوال حياتي أعمل على إنشاء مشاريع وإدارتها كمؤسس وليس كموظف، وحياة رائد الأعمال تختلف جذرياً عن كل أنواع الحياة العملية. ببساطة، لا أعرف حياة غير هذه ولا أتخيل حياة غيرها.
شعرت واعترفت بالهزيمة بشكل ما، وبأنه علي تقبل شخصيتي التي صنعتها بنفسي و بقراراتي التي اتخذتها على مدى سنوات الشباب.
حددت وتعرفت على عيوبي عن قرب، تعرفت وتيقنت حول ما أجيده وأحبه وما أمقته ولا أجيده، تيقنت من نقاط قوتي التي يمكنني ويجب عليّ التركيز عليها، ونقاط ضعفي التي يجب علي الاعتراف بها أمام نفسي والاستسلام من محاولة تغييرها. حاولت معالجة عيوبي وتحويل نقاط ضعفي التي ترسخت عبر سنين العمر إلى نقاط قوة ولكن فشلت مرة تلو أخرى.
في النهاية وصلت لشيء من السلام والتصالح الذاتي بأن هذا أنا وهذه شخصيتي وهذه قدراتي وهذه عيوبي، وعليّ تعلّم كيفية التعايش مع ذاتي كما هي بدون كثير من القسوة على نفسي. ربما لو اكتشفت كل ذلك في سن مبكرة لكنت تمكنت من تغيير ما لا أحبه في شخصي، ولكن ذلك زمن مضى.

ماذا عن الذين حولي؟ هناك من يحبك كما أنت ولا يسعى لتغييرك لأنه علم يقيناً بأن ذلك لم يعد ممكناً وأن ضغط المحاولات ربما تكسرك، وهناك من يسعى لتغييرك لأنه يحبك ويريد أن تستكمل شخصيتك بمعالجة عيوبك ونقاط ضعفك.
كل الحب والامتنان للاثنين، للأول على صبره وقبوله بي كما أنا وعدم محاولته تغييري، وللثاني على محاولاته تغييري للأفضل، ولكنها محاولات أتت متأخرة بكل أسف.

في أن لا تفعل شيء، عن عيد النوم والاسترخاء

حسناً، هذه ربما أول مرة في حياتي لا أتمنى أن تنتهي إجازة العيد. شعوري وأنا أستعد هذه اليومين للعودة للحياة العملية والسفر والاجتماعات مثل شعور طالب مرحلة متوسطة يستعد للعودة لمدرسته المليئة بالمتنمرين بعد قضاء إجازة الصيف بعيد عن هذه الأجواء.

إجازة عيد الحج هذا العام لم تتجاوز أسبوع واحد، إجازة خلوت فيها لنفسي وحيداً، لم يكن هناك شيء مميز فيها إلا شيء عظيم واحد اكتشفته مؤخراً -للأسف- اسمه “النوم العميق”. لا أظن استمتعت في حياتي بالنوم مثلما استمتعت به فيها. كنت أنام لأجل النوم، وأستيقظ حتى أجهز نفسي للنوم، وأحلم بالنوم وأنا نائم، وأخطط للقراءة حول أمور أتمنى أن تخطر على بالي في الحلم وأنا نائم.

بالإضافة لهذا الاكتشاف المتأخر المذهل المسمّى بالنوم، انضممت مؤخراً لعالم اليوغا. محاولاتي في الإطلاع على عالم اليوغا قديمة، ولكنها من الأمور التي كنت أرى تأجيلها لوقت مناسب لأنني مشغول بشكل مستمر. والحقيقة أن أفضل وقت للدخول في عالم اليوغا هو وأنت في قمة الانشغال العملي لأن دورها إضفاء الهدوء والتوازن على حياتك وتخفيف ضغوط العمل. لأول مرة أستشعر أن لدي رئتين، وأن هناك شيء اسمه أكسجين وتنفس عميق. أما المشاعر التي تتملكك بعد الانتهاء من تمرين اليوغا فهذا عالم آخر، أحد تلك المشاعر الغريبة هي الرغبة في البكاء بعد التمرين! ظهر أن ذلك ليس غريباً بل طبيعي لأنه من نتائج التمارين المتوقعة.

مع حصص اليوغا، واصلت حضور حصص تمارين ال Kickboxing بمعدل ثلاث مرات أسبوعياً. البعض يرى تناقض بين الرياضتين، أحدهما تمارس فيها جهد بدني يميل للعنف والضرب والأخرى جهد بدني نحو التأمل والهدوء والتنفس ومرونة الجسم. لا أرى بأس في هذا التناقض ومواصلة ممارسة كلاهما في نفس الوقت بحيث أسبوعياً 3 حصص Kickboxing  وحصتين يوغا حتى نهاية العام على الأقل.

بالنسبة للقراءة، فقد كانت مذكرات أسعد طه “يحكى أن” رفيق رائع وقت الإجازة. إذا كانت هناك حياة أتمناها بدلاً من حياتي العملية، فربما تكون حياة عملية تقوم على السفر والمغامرات واستكشاف العالم، حياة قريبة من تجربة أسعد طه كما وثقها في كتابه. كتاب ديفيد كوت عن فرانز فانون “سيرة فكرية” كان خفيف وممتع كذلك.

شاهدت خلال الإجازة الجزء الرابع من مسلسل The Affair بما أن الموسم الخامس سيبدأ هذا الشهر. ربما يكون المسلسل الوحيد الذي شاهدت جميع حلقاته خلال السنوات الماضية، وهو فرض عين على جميع الأربعينيين.

كان عيد وأسبوع استرخاء عظيم، الرياضة شيء جميل والمسلسلات والأفلام كذلك، والكتب أعظم الأشياء الجميلة، ولكن يبدو أن النوم العميق سينافس القراءة كأحد أعظم النعم في هذه الحياة.

الحريّة وطائر السنونو عند بيغوفيتش و المسيري

لو سئلت عن أكثر الشخصيات التاريخية تأثيراً في فكري ووجداني، لما خرج علي عزت بيغوفيتش عن قائمة الشخصيات الثلاث الأولى. مثل كثير من أبناء جيلي، سمعت باسمه لأول مرة مع انفجار حرب البوسنة والهرسك في 1992. وبعدها بسنوات بدأت تقع بين يدي كتبه، وأنا بعده لست كما قبله.

كنت اليوم اقرأ في مذكرات الصحافي الشهير أسعد طهيحكى أن.. عن الذات والحرب والثورة” وهو كتاب ممتع جداً بصياغة قصصية بديعة لا يجيدها إلا القليل. استوقفتني رسالة علي عزت بيغوفيتش من سجنه إلى حفيدته الصغيرة سلمى في الثاني من ديسمبر 1982:

“أنا اليوم حزين قليلاً، طارت طيوري، كتبت لك إن لم تكوني قد نسيت، أنه يوجد هنا أسراب من طيور السنونو، رسمت لك إحداها مع صغارها، من المكان الذي أعمل فيه (الزنزانة) يمكنني أن أرى بعض الأعشاش، وقبل شهرين خرج الصغار من البيض، في العش الأقرب كان هناك أربعة منهم، أولاً كانوا صغاراً جداً، أربعة رؤوس صغيرة كانت تترقب من العش طوال اليوم، كانت صامتة لا تتحرك، أراهن أنها كانت تفكر دائماً في شيء واحد فقط، متى ستأتي العصفورة الأم بالطعام؟ كثيراً ما كانت الأم تحط، تقف للحظة على حافة العش، تضع الفتات في مناقيرهم وتطير ثانية، كنت أنظر إلى كل ذلك طوال اليوم وقلبي كان مفعماً بالأمل”.

يعلّق الكاتب على الرسالة بقوله:

"السنونو وأي طائر آخر إنما يرمز إلى الحرية، حرية أن يختار المخلوق إلى أي اتجاه ينطلق; ولذا كان يرقبها بيغوفيتش بشغف من زنزانته."

ثم ينقل عن بيغوفيتش من كتابه الأشهر “الإسلام بين الشرق والغرب” تعليقاً له على موضوع الحرية، حيث يرى بيجوفيتش أنه إذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقاً، فإن الألوهية لا تكون ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه. ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناً وإما صراحة. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقاً حراً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق. الحرية ليست نتيجة ولا نتاجاً للتطور، فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان. فالله لا ينتج ولا يشيد.. الله يخلق!

ولذا فإن الدكتور عبدالوهاب المسيري وهو يتحدث عن فكرة بيغوفيتش هذه يقول:

“إن الإنسان قد ينجح آجلاً أو عاجلاً في تشييد صورة مقلدة من نفسه، نوع من الإنسان الآلي أو مسخ، شيء قريب الشبه بصانعه. وهذا المسخ الشبيه بالإنسان لن تكون له حرية، سيكون قادراً فقط على أن يتحرك في إطار ما بُرمج عليه. وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي، الذي لا يمكن تكراره أو مقارنته بأي شيء حدث من قبل أو سيحدث من بعد في هذا الكون”.

وأخيراً يعلّق الكاتب على كلام علي عزت بيغوفيتش و تعليق عبدالوهاب المسيري:

هي الحرية إذن التي ناضل “علي” وغيره كثر من أجلها، والتي من أهم تجلياتها “الاختيار”، أن تكون لك الحرية المطلقة في أن تختار ما ترغب فيه، وينسى الناس وهم يتغنون للحرية وحقهم في الاختيار، أنهم سيدفعون ثمن خياراتهم في كل الأحوال.
قرّر أن تكون مستقلاً أو تابعاً، قرّر أن تكون مع هذه المجموعة أو تلك، مع هذا التيار أو ذاك، أو مستقلاً عنهم جميعاً، تتلقى حجارة الجميع، ولا أحد يدافع عنك، قرّر كيفما تريد أن تقرّر، لكن كن مستعداً لتدفع ثمن هذه الخيارات، ألم تسعَ للحرية؟ ها هي الحرية إذن.. لذيذة ومثيرة لكنها مجهدة!

ومزيد من المتعة مع هذا الكتاب حيث أنني مازلت في البدايات..

أكأب فيلم في التاريخ: ألمانيا، الأم الشاحبة

قبل عامين قرأت كتاب “‏امرأة في برلين (ثمانية أسابيع في مدينة محتلة)” لـ مارتا هيلرس، والذي يعتبر من أبلغ الكتب التي تحكي حال المجتمع الألماني بعد الهزيمة وما حصل في برلين بعد سقوطها بين أيدي الحلفاء. الكتاب شنيع بمعنى الكلمة، ويظهر لأي عمق ممكن تصل روح الانتقام لدى البشر. مؤلفة الكتاب سردت -من بين كثير من القصص المؤلمة- قصة اغتصابها من قبل الجنود الرووس، وهي واحدة بين مليون امرأة ألمانية يقال أنه تم اغتصابهن من قبل جنود الحلفاء المنتصرين.
قراءة الكتاب ساهمت بتكوين تصوّر جيد عن شكل الحياة بعد الحرب، كيف تكون حياة شعب مهزوم ومكسور بعدما كان في قمة مجده ويسعى لاحتلال العالم. كيف تكون حياة السقوط من قمة الطموح والغرور والعنجهية إلى قاع الهزيمة والإنكسار والصدمة.

بالأمس وقعت بالصدفة على ما يمكنني بوصفه أكأب فيلم شاهدته في حياتي، وحتى يثبت العكس سأعتبره أكأب فيلم في التاريخ. فيلم “ألمانيا، الأم الشاحبة” (أو الباهتة) Germany, Pale Mother كان قد تم إنتاجه عام 1980 وعرض في مهرجان برلين للأفلام تلك السنة. تقييم نقّاد المهرجان كان في غاية السلبية لدرجة أن منتجي الفيلم قاموا بالتراجع وسحبه ولم يعرض في السينما بعد المهرجان. بعد مضي عقود من الزمن، تم عرض الفيلم في دول مختلفة وحصل على إشادات وشهرة واسعة.

يحكي الفيلم قصة فتاة عاشت أيام حكم هتلر ولم تكن معجبة به ولا بالنازية. تقدم للزواج منها شاب لم توافق عليه إلا عندما تأكدت أنه لم ينضم للحزب النازي. بدأت الحرب وفي يوم عيد ميلادها علمت بأن الدولة قررت إرسال زوجها للحرب في بولندا. تدور مجريات القصة ويعود زوجها ويحاولان العودة للحياة بشكل اعتيادي، ولكن كيف ستكون شكل الحياة في بلد محطم ومكسور، ويكون الزوج عائد من حرب خاسرة والزوجة كانت مرّت بالهوائل خلال غيبته وقت الحرب؟ هنا تكمن عظمة هذا الفيلم الكئيب، حيث نجح في تصوير حياة باهتة وشاحبة لدرجة أنه يصعب وصفها بالحياة، تماماً مثل “ألمانيا، الأم الشاحبة” بعد الحرب والهزيمة. أبلغ جملة في الفيلم كانت عندما قالت بطلة الفيلم: “بدأت الحرب داخل أنفسنا، بعدما سكنت في الخارج”.

القصة كئيبة، ملامح الممثلين في غاية الكآبة، تمثيلهم رتيب وكئيب جداً، اسم الفيلم كئيب، وكل شيء له علاقة بالفيلم كئيب. ولذلك تفهم لماذا كان موقف النقاد في غاية السلبية منه في المهرجان وتم إلغاء عرضه في السينما. ربما تملّكتهم الكآبة لدرجة رحموا العالم من مشاهدته.
ولكن يبدو أن الجميع نسي أن عظمة الفيلم وحتى يوصل صورة شكل الحياة في ألمانيا بعد الحرب تتطلب أن يكون الفيلم كقصة وتمثيل وإخراج بالفعل في غاية الكآبة. فيلم عبقري..

عن صاحب القلب السعيد أو مستر هابي هارت

حضرت قبل أسابيع لقاء لطيف في أرباب الحرف استضافوا فيه السيدة إيزابيل بالبيد تحدثت فيه عن كتاب جديد لها بعنوان "الحرية ابنة الحق". بدأت فيه بالحديث عن قصتها مع تغيير اسمها، قالت أنها كانت معجبة باسم "إيزابيل" منذ مرحلة المراهقة، وفي يوم ما عندما كانت تطلب كوب قهوة من ستاربكس سألها الموظف عن اسمها ليكتبه على الكوب، فأجابته: إيزابيل! تقول أنها من تلك اللحظة قررت أن تغير اسمها بشكل رسمي ليكون إيزابيل.

يقال أن أول حقوق الإنسان التي يتم مصادرتها هي اسمه، حيث يختار له الوالدين والأسرة اسم يبقى يحمله باقي حياته، ولم يؤخذ رأيه فيه. ولذلك ربما رأت السيدة إيزابيل أن تغيير اسمها لاسم تحبه هو من باب الحرية وتملّك حق فقدته عند الولادة، ومن هنا ربما أتت فكرة كتابها!

في مرحلة المراهقة التي عشتها في الطائف المأنوس لم أكن على تصالح تام مع اسمي. "فؤاد" يبدو نوعاً ما اسم رقيق المعنى، ولا يقارن بالاسماء ثقيلة الوزن التي من الجيد حملها وسط طلاب المتوسطة والثانوية التي يجب أن تكون فيها "ذئباً وإلا أكلتك الذئاب". فوق تعليقات الطلاب، كان هناك تعليقات المدرسين وسؤالهم الخالد: "كيف فؤاد وغامدي؟". وكأنّ من لوازم القبيلة أن لا تحمل اسم رقيق المعنى!

اسماني والدي رحمة الله عليه على الدكتور المصري الذي ولدت على يديه، حيث خرج لوالدي مبشراً بقدوم ابن "رأسه قد كذا" مشيراً بيديه لحجم رأسي. فرح والدي بمقدمي، ووعد الطبيب فوراً بتسميتي عليه، وهو ما حصل وافياً بوعده. كان دائماً يذكّرني بسبب تسميتي، ويطلب مني أن أصبح طبيب عندما أكبر!

في أول يوم بمعهد اللغة بأمريكا، طلبت المدرّسة من طلاب الفصل أن يحاولوا ترجمة معاني اسمائهم. عند وصول دوري، وجدت صعوبة في ترجمة اسمي كاملاً "فؤاد الغامدي". من السهل ترجمة فؤاد إلى قلب، ولكن كيف تترجم "الغامدي"؟. ولذلك اخترت اسم العائلة "الفرحان" بدلاً من اسم القبيلة، فأصبح معنى اسمي Happy Heart أي "قلب السعيد" أو "القلب السعيد". لم تكن مهمة ترجمة الأسماء سهلة على مستجدين في اللغة، بل كان الوضع بشكل عام مضحك مع محاولاتهم وتعبيراتهم المختلفة. في نهاية الحصة، اختارت المدرّسة اسمي ليكون أفضل اسم! وقد راق لها كثيراً حتى أنها أخبرت باقي المدرسات والمدرسين عن معناه، وأصبحوا يخاطبوني مستر هابي هارت. لا أتذكر أنني فكرت بمعناه قبل ذلك اليوم. وجدت أنه اسم لطيف وذو معنى و Brandable، وسيكون من اللطيف استخدامه في حياتي العامة والعملية.

يروق لي اسمي، وأتذكر معناه دائماً كلما ادلهمّت الليالي آملاً أن يكون لواقعي انعكاس منه. في نهاية المطاف لا شيء مثل امتلاك قلب سعيد في هذه الحياة. في نفس الوقت، ينتابني شيء من الحزن أنني لم أسعى لتحقيق حلم والدي الذي فقدته في سن المراهقة ولم أدخل مجال الطب كما كان يتمنى. دائماً ما يخطر على بالي تساؤل إذا ما كان سيرى أنني عوضت حلمه اليوم بما يجعله فخور وراضي! آمل ذلك..

هل هناك تطابق بين متطلّبات النجاح في عالم السياسة وعالم الأعمال؟

تصر كثير من الأطروحات على تأكيد التشابه والتطابق بين عالم السياسة وعالم الأعمال في كثير من الأمور، ومن بينها متطلّبات النجاح في كلاهما. يقال أن أحد المهارات التي يتوجب على الشخص تملّكها إذا أراد قطع مشوار ناجح في مجال السياسة ومجال الأعمال هي القدرة الهائلة على إخفاء مشاعره الحقيقية تجاه من يتعامل معهم. يعتبر البعض هذه المهارة من أنواع النفاق، وذلك ربما صحيح في مجال السياسة، ولكن ليس بهذه القطعية في مجال الأعمال.

نعم، لا يمكن للأسف أن يكون هناك سياسي ناجح بدون أن يمتلك أقصى درجات السيطرة على إخفاء مشاعره وأفكاره وخططه. ولا أعرف كيف يمكنه امتلاك هذه السيطرة بدون دعمها بكل أنواع التصرّفات السلبية مثل الكذب، النفاق، الوعود الكاذبة، الغدر، وغيرها من العادات والتصرّفات التي تساعده في إخفاء مشاعره الحقيقية وخططه تجاه من يتعامل معهم. السياسة بشكل عام هي حقل لا يمكن أن ينجح فيه الصادق والنظيف وصاحب المبادئ.

في مجال الأعمال هناك فسحة أكبر، ليس من متطلبات النجاح كما توحي الثقافة الرأسمالية أن يتخلى المرء عن قيمه ومبادئه، ليس مضطر أن يمارس الألاعيب والكذب وسلوك الطرق الملتوية. ليس مضطر أن يخفي مشاعره ويغتالها لأجل عقد الصفقات والتعامل مع أشخاص لا يرتاح لهم ويعتقد أنهم غير نظيفين. يمكنه عند الاختلاف مع أحد في مجال الأعمال أن يعبّر عن موقفه ومشاعره بأسلوب متحضر سعياً لحل المشاكل أو إنهاء علاقة العمل بأسلوب محترم ومريح.

في عالم الأعمال يمكنك النجاح وأنت تحمل ضمير حيّ، وأنت تتعامل بصدق وإخلاص، وأن لا تهمّش مشاعرك وتخفيها لأجل المال والربح. هذا النجاح ليس بالضرورة تكون ترجمته على شكل أرقام وثروات فلكية، ولكن دخل وربح طيب ونظيف، وراحة بال يحميها ضمير حيّ. الطريق أطول بالطبع من طريق الكذب والخداع والزيف، ولكن في النهاية هو طريق نظيف يمكن من خلاله الوصول للنجاح، بعكس طريق السياسي الناجح.

بين وزارة الوحدة و وزارة السعادة

قرأت يوم الجمعة هذا مادة استقصائية مطولة وثريّة نشرتها مجلة City Journal بعنوان “الوحدة: كيف أدّى تدهور رمزية الأسرة في المجتمع الغربي لإطلاق وباء الوحدة”. لفت انتباهي كثير من الأمور والحقائق التي وثقها التقرير ويمكن الاطلاع عليها بتوسع هناك. ولكن لأول مرة أعرف أن الحكومة البريطانية في العام الماضي قامت بتعيين وزيرة في منصب وزاري جديد اسمه وزارة الوحدة Minister of Loneliness. ودور هذه الوزيرة العمل على وضع حلول لمشكلة الوحدة التي يعاني منها 9 مليون بريطاني (14% من الشعب)، حيث تم تصنيف الوحدة كمرض حقيقي يهدد المجتمع البريطاني.

ووزارة الوحدة أو وزارة العزلة البريطانية هذه تذكرني بتسميات غريبة لوزارات أخرى حول العالم. فمثلاً، تتميز شقيقتنا الإمارات بإطلاق وزارات بأسماء ملفتة مثل وزارة السعادة، وزارة الذكاء الاصطناعي، وزارة التسامح، و وزارة اللامستحيل. ويقال أن مصر ستعلن عن تعيين وزير للسعادة قريباً كذلك. أما الهند فقد أعلنت عن وزارة اليوجا، وكوريا الشمالية قامت بتأسيس وزارة الدعاية والتحريض.

مع تذكر هذه المسميات الغريبة للوزارات، أجدني بشكل لا إرادي أتذكر وزارات جورج أورويل الأربع في رائعته “1984” وهي:

  • وزارة السلام، وتعني بأمور الحرب والدفاع.
  • وزارة الوفرة، وتعني بالشؤون الاقتصادية (تقليص الحصص الغذائية).
  • وزارة الحب، وتعني بحفظ القانون والنظام (التعذيب وغسيل الأدمغة).
  • وزارة الحقيقة، وتعني بالأخبار والترفيه والتعليم والفن (الدعاية).

وموضوع التسميات البرّاقة للوزارات والمؤسسات الحكومية هو أمر غير مفهوم بالنسبة لي. حيث أنني أعتقد أنه كلما كان تدخّل الحكومة والدولة في حياة الأفراد قليل ومحدود، كلما ازدادت سعادة أفراد المجتمع. وكلما ازداد تدخل الدولة في تفاصيل حياة الناس كلما ارتفع مستوى النكد والكآبة لديهم. هذا والله أعلم..

لا شيء مميز في هذا اليوم إلاّ ربما أنه عيد ميلادي

لا شيء مميز في هذا اليوم إلاّ ربما أنه عيد ميلادي. سنة أخرى على قيد الحياة قولاً وفعلاً. أنا من الجيل الذي تمر عليه السنوات بدون أن يتوقف كل عام للاحتفال بعيد ميلاده لأنه ببساطة لا يكاد يتذكره. سبب عدم الاحتفال في أساسه لأنه مفهوم غير متوارث في ثقافتنا العائلية أو القبلية، ولاحقاً في مرحلة الصحوة أضيف له التحريم لمشابهة الكفار كما قيل.
رغم أنه لم يعد الكثير يقول بالتحريم في السنوات الأخيرة ولم يعد يشدد عليه، إلاّ أن ذلك لم يؤثر في تغيير العادة التي نشأ كثير منّا عليها بنسيان هذا اليوم أو ببساطة تجاهله. برأيي هي مسألة في غاية الخصوصية الفردية، هناك من يرى بالفعل أن الاحتفال شيء مهم ويحتفل به مع محيط العائلة والأصدقاء. وهناك من هم مثلي لا ينتبهون له إلا إذا فاجأهم أحد بالتهنئة!

في عيد ميلادي الأربع وأربعون هذا، انتبه أربعة أشخاص فقط لعيد ميلادي اليوم. اثنان منهما لا أعرفهما بشكل شخصي، يبدو أنهما قاما بزيارة حسابي في تويتر فانطلقت البالونات المعروفة مشيرةً لعيد ميلادي فأرسلا التهنئة مشكورين. الثالث شخص استعمر مكانة خاصة في القلب والعقل فليس غريباً عليه، والرابع صديق من وراء المحيطات أكرمني برسالة.

هناك الكثير مما أشعر بالامتنان نحوه ولا أفكر حتى بالتجرؤ على تعداده، فأفضال الله لا تعد. ربما من أهم النعم التي استشعرها هي نعمة البركة في الوقت والجهد، ونعمة الصدق مع الذات. صحيح أنني أضعت بعض الوقت في أمور لم أكن صادق مع نفسي بتواجدي فيها واهتمامي بها، ولكن أشعر أنني أعدت السيطرة على حياتي وتصالحت مع ذاتي، وعوضت ما فات بشكل أفضل مما توقعت.

عندما أنظر للخلف، أستطيع بسهولة تقسيم مراحل حياتي لمراحل واضحة، محدداً الأحداث المفصلية والانتقالية التي مررت بها. كما يمكنني تمييز وسرد الدروس والعبر التي خرجت بها من كل مرحلة وما تعلمته منها.
نتائج كل هذه المراحل والتجارب والدروس هي ما أنا عليه اليوم. وأنا اليوم أشعر بأنني شخص لا بأس به، يضيف للحياة بطيب خاطر وقناعة أكثر مما يحاول أن يأخذ منها.
أحاول أن لا أفعل إلا ما أنا مقتنع به، وأن لا أقول إلا ما أنا مؤمن به، أن يسبق فعلي قولي، وأن لا يناقض قولي فعلي، أن أقول شكراً بقدر ما أستطيع ولا أتوقع الشكر، أن أترفّع عن الأحقاد والضغائن فهي محرقة، أن أصبر على القريب والصديق لحفظ الود، وأتجاهل الحاقد المتربّص فنفسه وحياته كفيلة به، أن لا أخطئ في حق أحد بقول أو فعل، أن لا تخدعني ركائب الزيف والخداع، أن أتمسك بمبادئي، أحرس أحلامي، أحافظ على إنسانيتي، أداري شمعة الأمل داخلي، أن لا أنكسر..

بين بول أوستر و صمويل بيكيت، وعدم تقدير الفرد لقيمة أعماله

يذكر بول أوستر في مقال له عن صداقته مع الأديب والشاعر الأيرلندي صمويل بيكيت حوار ظريف حصل بينهما في أحد المطاعم. كتب بيكيت رواية “ميرسيه وكاميه” بالفرنسية، ثم قرر حذف ربعها عند ترجمتها للإنجليزية لأنه لم يكن واثق بأنها عمل جيد. تفاجئ أوستر وقال له: “لماذا تفعل شيئًا كهذا. إنه كتاب رائع. كان عليك ألا تخرج أي تفصيلة منه”. هز بيكيت رأسه قائلاً: «لا، لا، ليس جيدًا، ليس جيدًا».
بعد ذلك دار بينهما حوار في مواضيع مختلفة، وبعد بعض الوقت وبدون مقدمات، سأله بيكيت فجأةً: “هل حقًا أعجبك الكتاب، ها؟ حقًا تعتقد أنه جيد؟”.

يعلّق أوستر على هذا الموقف في مقاله:

“هذا هو صمويل بيكيت، تذكر هذا. لم يكن حتى يدرك قيمة أعماله. لم يدرك أي كاتب أبدًا هذا. ولا حتى أفضلنا”.

فاز بيكيت بجائزة نوبل للآداب عام 1969، وهو صاحب العديد من الأعمال الأدبية الشهيرة وأبرزها مسرحية “في انتظار غودو” التي يقال أنها أهم عمل مسرحي في القرن العشرين باللغة الإنكليزية. كل الإنجازات لم تمنع بيكيت من التشكيك في قدراته وأعماله لدرجة أن يسأل مرتين شاب متحمس من معجبيه قابله بعد فوزه بنوبل بسنوات:“حقاً تعتقد أنه جيد؟”.

في علم النفس، أثبتت الدراسات متلازمة متكررة عند بعض الناس تم تسميتها “متلازمة الدجَّال” Imposter Syndrome حيث يشعر المصاب بها بالذنب لما يجده من إشادة وشهرة وتكريم. يشعر أنه لا يستحق كل ذلك التقدير، وفي الغالب يحيل أسباب نجاحه لأمور كثير عدا نفسه وجهده. لا يحب هذا النوع من الناس أن توجه له الإشادة المتكررة والثناء والشكر، ويشعر بالإحراج والخجل.
على الجانب الإيجابي، تدفع هذه المتلازمة صاحبها للعمل أكثر، والتحسين أكثر، حتى يتجنّب الشعور بالذنب. تختلف درجة المصابين بهذه المتلازمة من الوضع المقبول الذي يدفعه لأن يكون أفضل، إلى الوضع المتطرّف الذي يجعله يزدري نفسه ويعاقبها.

قال أينشتاين -وهو أحد أعظم العقول البشرية على مر العصور- قُبيل وفاته:

“إن التقدير المبالغ فيه الذي يُنظَر به إلى عملي يجعلني أشعر بمرض شديد، وأشعر بأنني مُجبر على التفكير في نفسي وكأنني محتال لا إراديًّا”

النجاح الحقيقي يدفع الصادق والنزيه في الغالب للمزيد من التواضع مع تشكيك ومراجعة في إنتاجه وجودته سعياً للأفضل، والنجاح المزيف يدفع المزيف نحو الغرور والشعور بجنون العظمة وأن العالم بالفعل يدين له ولوجوده.
النوع الأول سيتذكره الناس ويبقى أثره، أما النوع الثاني فوجوده مسلّي للترفيه عن الناس وضرب الأمثلة السلبية به..

يوم مع طيف ألكسندر ولف

هذا السبت رفيقي فيه كان الرواية الروسية المذهلة “طيف ألكسندر وولف”. من أجمل الأعمال الأدبية الروسية التي مرت علي. قالت الجارديان عنها “عمل به قوة عظيمة، سيبقى معك طيلة حياتك”.

بعدما بدأت فيها وأنهيتها في نفس اليوم، أستطيع القول أنه ليس في هذا الوصف مبالغة. فهذا عمل عظيم بالفعل ويستحق الوقت والقراءة مرتين بدون شك.

أسوأ ما قدمته روسيا للبشرية كان الشيوعية سابقاً و بوتين حالياً. أما أفضل ما قدمته للبشرية فهو الأدب الروسي، وبعض جوانب الفن الأخرى. يصعب الحديث عن الرواية والأدب العالمي بدون التحدث عن عمالقة الأدب الروسي الذين يطول سرد أسمائهم وأعمالهم العظيمة. آخرهم جايتو جازدانوف صاحب هذه الرواية الذي لم أسمع به من قبل، وتعتبر هذه الرواية الأولى له التي تم نقلها للعربية.

الرواية تباع بصيغة ورقية على متاجر الكتب الورقية، وموجودة بنسخة كندل على أمازون كذلك.