تدوينات قديمة

ما بقي من المدونة القديمة..

كيف تصبح متسامحاً ومتعايشاً مع الآخرين؟

ومعظم مشاكلنا فى التعامل مع الآخرين تأتى من خطأ فى تفكيرنا نحن، لا في تفكيرهم هم .
فنحن نفكر فى الناس كما لو كانوا مثلنا تماماً، متطابقين معنا فى كل الصفات النفسية والأخلاقية.
وبالتالى فإننا ننتظر منهم أن يتصرفوا معنا كما لو كانوا نحن وكنا هم.
فإذا جاء ما ننتظره منهم أقل مما نتوقعه، صدمنا فيهم، وتغيرت مشاعرنا تجاههم، وخسرنا صفاء نفوسنا، وربما خسرنا صداقتهم.
ونكرر هذا الخطأ دائماً، مع أن كل إنسان هو وحدة قائمة بذاتها

عبدالوهاب مطاوع

الفرق بين الإيجابية المزيفة و الإيجابية الحقيقية

يقول د. أحمد خيري العمري :

ليس من الإيجابية في شيء، أن ترسم صورة زاهية وبراقة لعالم بائس وتعيس؛ لأن هذه الصورة البراقة والمزيفة ستعطل في داخلك إرادة تغيير العالم وإعادة بنائه بصورة أكثر عدلاً واتساقًا.. ليس من الإيجابية في شيء، أن تضع نظارات وردية على عينيك، لتغطي الدم الذي يلطخ العالم، والجهل الذي يكتسح العالم، والجوع الذي يكتسح العالم.. ليس من الإيجابية في شيء، أن تركز بعينيك على العالم المترف، والناس المتخمة بطرًا وثراءً بينما هناك عالم آخر، مدقع الفقر، يعيش فيه ناس آخرون، لا يمتلكون ما يسدون به جوع أطفالهم..
ليس من الإيجابية في شيء، أن تعتقد أن على “الأرض السلام، وفي الناس المسرة” وتشيح بوجهك عن كل ما يعارض ذلك.. من حروب ودماء وحزن وظلم تعيش فيه الإنسانية..
ليس من الإيجابية في شيء، أن تؤمن بأمل كاذب طويل؛ لأن هذا الأمل، سيزيف المعطيات التي سيكون العمل على أساسها، ومن ثم فإنه إما سيعطل إرادة العمل، أو يضعه في سياق غير مؤثر، فما دام العالم جيدًا هكذا، فلماذا نغيره؟.. احرص فقط على استمراره كما هو..
الإيجابية الحقيقية، التي يمكن أن توظف في سياق إيجابي، ليست تلك التي تجعلك تتعايش مع الواقع السيء عبر الاقتناع أنه ليس سيئًا جدًا، بل أنه مليء بالإيجابيات ليسهل ذلك تأقلمك معه، هذه ليست إيجابية، هذه فقط “آلية إنكار”، حبة مسكن للألم، حقنة مخدرة تجعل الألم أقل..
الإيجابية الحقيقية هي التي تنطلق من حقيقة أن الواقع سيء جدًا، وأنه مليء بالظلم والقهر والتمييز والجهل وكل ما هو سلبي وسيء.. لكنها تنطلق من هذه الحقيقة لا لكي تتجه للنواح والندب واليأس، بل لكي تؤكد أن ذلك كله مع سلبيته ليس قدرًا مقدورًا، ليس حتمًا مقضيًا، بل هو شيء يمكن تغييره، شيء يمكن العمل عليه وعلى إزالته واسئصاله من جذوره إذا كان الخطأ من أساسه، وعلى تشذيبه وترميمه إذا كان الخطأ ناتجًا عارضًا..
الإيجابية هي أن تعترف أن الواقع –أحيانًا، على الأقل- سيء جدًا، وأن العالم –أحيانًا أيضًا- هو عالم “لا يطاق”..ـ
لكن الأمر هنا، هو أن تؤمن، أن ذلك كله ليس نهاية الأمر.. ليس مرساه..
بل أن تؤمن أنك تطيق تغيير هذا العالم.. مهما كان ذلك صعبًا.. مهما كان ذلك شاقًا..
يجب أن تؤمن أنه ليس مستحيلاً..
ولو بعد حين..

ماذا تفعل عندما لا يفي وطنك ببعض تعهداته؟

يقول أمين معلوف في رائعته "التائهون":

لكل أمرئ الحق في الرحيل, وعلى وطنه أن يقنعه بالبقاء – مهما ادعى رجال السياسة العظام. ” لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك, بل اسأل نفسك ماذا يمكن أن تفعله لوطنك” . من السهل قول ذلك حين يكون المرء مليارديراً, وقد أنتخب للتو, في الثالثة والأربعين من العمر, رئيساً للولايات المتحدة الأميركية! أما حين لا تستطيع في بلدك إيجاد وظيفة, ولا تلقّي الرعاية الصحّية, ولا إيجاد المسكَن, ولا الإستفادة من التعليم, ولا الإنتخاب بحرّية, ولا التعبير عن الرأي, بل ولا حتى السير في الشوارع على هواك, فما قيمة قول جون كينيدي ؟ لا شيء يُذكر.
فعلى وطنك أن يفي إزاءك بعض التعهدات. أن تعتبر فيه مواطناً عن حق, وألا تخضع فيه لقمع, أو لتمييز, أو لأشكال من الحرمان بغير وجه حق. ومن واجب وطنك وقياداته أن يكفلوا لك ذلك, وإلا فأنت لا تدين لهم بشيء. لا بالتعلق بالأرض, ولا بتحية العلم, فالوطن الذي بوسعك أن تعيش فيه مرفوع الرأس, تعطيه كل ما لديك, وتضحي من أجله بالنفيس والغالي, حتى بحياتك; أما الوطن الذي تضطر فيه للعيش مطأطئ الرأس, فلا تعطيه شيئاً. سواءٌ تعلّق الأمر بالبلد الذي استقبلك أو ببلدك الأم. فالنبل يستدعي العظمة, واللامبالاة تستدعي اللامبالاة, والازدراء يستدعي الازدراء. ذلك هو ميثاق الأحرار, ولا أعترف بأي ميثاق آخر.

واقعي أمين معلوف هنا أم أناني؟ لست متأكد..

الحمامة فرج في تزممارت.. شيء من قصص سجون الظلم العربية

لا يمكن الحديث عن تاريخ سجون القمع والظلم العربية بدون المرور على ذكر سجن تزممارت في المغرب. روى أحمد المرزوقي في كتابه تزممارت - الزنزانة رقم 10 تفاصيل ذلك السجن الرهيب الذي قضى فيه ورفاقه ثمانية عشر عاماً من عمرهم بدون أن يعلم عنهم أحد شيء. أحداث رواية تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلون تدور كذلك حول نفس المعتقل. في عام 1993 تم هدم سجن تزممارت وتسويته بالأرض، وكأن ذلك سيمحو ذكريات القهر المرعب الذي حدث بين ثناياه.
النص المؤثر التالي من كتاب أحمد المرزوقي حول قصته مع الحمامة فرج..


سيظل يوم 2 آب 1991 يوماً مشهوداً في تاريخ تزممارت الأليم، يوماً مشرقاً مميزاً في بحر تلك الظلمات العمياء الرتيبة التي قطعناها كما تقطع غواصة تائهة أحشاء يم عميق متجمد.

لقد كانت الأحداث البارزة قبل هذا اليوم - باستثناء قضية الملازم الطويل - كلها حزينة مفجعة تدور حول موت هذا الصديق أو احتضار ذلك. ولكن هذا اليوم حمل لنا في طياته أخيراً حدثاً سعيداً.. إنه مجيء “فرج” أو حمامة تزممارت..
فقبل شهور قليلة من هذا الحدث، قدم سرب من حمام الجبال إلى السجن على حين غرة، ولما راقه هدوء المكان وخلوته، سكن في السقف الذي يغطي زنازين أتعس خلق الله إطلاقاً. وهكذا باض وفرخ إلى أن أصبح شعباً يعج فوقنا بالحركة والحياة. تضاربت آراؤنا حول مجيء هذا الحمام عندنا. فالمتشائمون منا وما كان أكثرهم، رأوا فيه طالع شؤم علينا مؤكدين بأن الحمام لا يسكن إلا في القبور المهجورة والأماكن الخربة، وادعوا إضافة إلى ذلك أنه سيجر علينا جيشاً من الأفاعي الجائعة التي ستسعى حتماً إلى التقوت من فراخه اللذيذة الطرية.
أما بعضٌ آخر، فقد هلل واستبشر ورآى فيه رسول سلام جاء يبشرنا بفرج وشيك، فقال مدافعاً عن رأيه:
الحمام هو ذلك الطائر المسالم الوديع الذي حمل البشرى إلى سيدنا نوح بغصن زيتون في منقاره الجميل؟
ظل النقاش حول الحمام يضرب أطنابه إلى أن كان صباح نادانا فيه رفيق فقال:
- أما لاحظتم شيئاً غريباً في حركة الحمام هذا الصباح؟
فرد عليه آخر:
- فعلاً منذ طلوع الفجر وهم يصفقون بأجنحتهم بكيفية غريبة جداً.
فعلق رفيق آخر على ذلك قائلاً:
- أعتقد أن فرخ حمام قد خرج من عشه فحاول أبواه رده إليه، فهذه أول مرة أرى فيها حمامة تطل عليّ من ثقب السقف وكأنها تبحث عن شيء معين. لما كنت في السجن المدني في القنيطرة، عشت قصة حب رائعة مع قط صغير كنت قد ربيته تربية فاضلة، فكنت كلما خرجت للقاء أسرتي في ردهة السجن حملته فوق كتفي، فاشتهرت بذلك بلقب “أبو القطيط”. لكني رغم ذلك كنت أحلم وأنا في زنزانتي بتربية فرخ حمام. وقد وعدني به سجين من الحق العام فكنت على وشك تسلمه منه، لكننا اختطفنا ونقلنا إلى تزممارت أياماً قليلة قبل ذلك.

وبينما نحن نتحادث ذلك الصباح في تزممارت عن حركة الحمام الغريبة، إذا بنا نسمع وقع شيء يسقط من السقف ويرتطم بأرضية الدهليز الوسخة، محدثاً صوتاً أخرس ذكرنا بسقوط الأفاعي التي شرفتنا مراراً بزيارات مفاجئة كانت تطارد فيها بعض الفئران الهاربة.
سارع الأصدقاء الذين كانوا يقوون على الوقوف إلى نويفذة الباب يستطلعون الخبر. واستطعت بدوري أن أفتح نويفذة بابي فإذا بي ألمح أمامي في ظلام الدهليز الباهت بقعة صغيرة بيضاء. فقلت لأصدقائي أطمئنهم:
- لا تجزعوا! إنه لا شك شيء من الجير الذي أتى به الحراس بالأمس لوضعه في مرحاض الزنزانة رقم 7 الخاوية. ولما تعبت من الوقوف وهممت بالرجوع إلى الدكة لالتقاط أنفاسي، سمعت أحد جيراني يصرخ ملء رئتيه وقد كان مشتهراً بيننا بخوفٍ مرضي من الأفاعي:
- احذروا! إن البقعة البيضاء تتحرك وتزحف نحو الزنزانة رقم 10.
فعلق أحدنا ساخراً: “على حسب علمي الواسع، لا توجد عندنا في المغرب أفاعي بيضاء”.
في هذه الساعة بالذات، انفتح باب العنبر، ودخل الحارس بمفرده. فشرع يفتح الأبواب من دون أن يغلقها مظهراً لنا بذلك تعاطفه معنا. فما إن تجاوزني وأولاني ظهره مستعداً لفتح الزنزانة 9، حتى تقدم إلى حيث كانت البقعة البيضاء، فإذا بي أمام فرخ حمام صغير مكوم على نفسه. فأخذته من دون أن يفطن بي الحارس، ثم رجعت إلى زنزانتي بالسرعة التي سمحت لي بها مفاصلي المتورمة..
- فرخ حمام.. إنه فرخ حمام..

سرى الخبر همساً من زنزانة إلى أخرى كما تسري النار في الهشيم. ربما كان الطائر الصغير في أسبوعه الأول، لأن جسمه كان عارياً إلا من رويشات قليلة نبتت في ذنبه وأطراف جناحيه، بينما كسي جزء من عنقه وظهره بزغب ناعم أشقر. وكم كان واهناً ضعيفاً هشاً وهو يرتعش في يدي كورقة في مهب الريح ويصرخ بذعره الصامت بدقات قلبه الصغير التي كانت تخبط بقوة وسرعة على كفي وكأنها كانت تستجدي العطف والرحمة..

آه كم كان حاله أشبه بحالنا لما رمينا لأول مرة في هذه المغارات المظلمة. دلى المسكين رأسه على صدره كمحكوم بالإعدام سلم رأسه للمقصلة، وثنى رجله اليمنى المنتفخة على إثر السقطة من السقف العالي فبدا لي كئيباً مستسلماً متوجعاً وكأنه في حال من يشكو إلى الله همه وبلواه. مررت بسبابتي اليمنى برفق على ظهره ورأسه فقلت له وهو متربع في راحة كفي الأيسر:
- لا تقلق يا عزيزي الصغير.. أقسم لك بالله أنني سأفعل من أجل إنقاذك المستحيل.
ثم توجهت إلى أصدقائي بعد أن خرج الحارس وقلت لهم بلهجة من يلقي خبراً يهم مصير أمة بأسرها:
- إخواني الأعزاء.. إنه لشرف عظيم أن أخبركم بأنه منذ اليوم لم نعد أربعة وعشرين سجيناً في هذا العنبر وإنما خمسة وعشرون.. لقد انضاف إلينا هذه المرة رفيق جديد بعد أن كنا قد تعودنا على فقدان رفيق في كل مرة.. لقد رمى القدر إلينا بفرخ حمام ليشاركنا مصيرنا المؤلم. سأسميه “فرج” تيمناً بفرج قريب إن شاء الله.

احتد النقاش وتضاربت الآراء حول مصير الوافد الجديد.. فقال أحدنا:
- ينبغي أن ترجعه إلى أمه.
فرد عليه آخر:
- وكيف السبيل إلى ذلك؟ من الأحسن أن تسلمه للحراس ليعيدوه إلى عشه:
فعارض ثالث بحدة قائلاً:
هل جننت؟ إنهم سيشوونه حتماً أو سيطبخونه بالبصل والزبيب في طاجين شهي لذيذ.
فقال آخر متأثراً وهو يوظف في كلامه آية من القرآن:
- يا عباد الله، ردوا الفرخ إلى أمه كي تقر عينها به ولا تحزن. ألا ترون أن المسكينة تحاول الدخول إلى الدهليز من خلال الشباك لتسترجعه؟
يعلق رفيق آخر بلهجة من يريد حسم هذا النقاش العقيم:
- لا وسيلة لإرجاعه إلى أمه بدون مساعدة الحراس. لهذا فأنا أقترح عليكم أن تسلموه لي كي آكله نيئاً.. فمنذ أمد لم تسقط في بطوننا مضغة لحم أيها الرفاق! آه للحم أفراخ الحمام..

استلقيت على ظهري والزنزانة بل الدنيا كلها لا تسعني من فرط السعادة. وبدون إبطاء، شرعت أفكر في الكيفية التي سأنقذ بها هذا الطائر التعس. كنت أدرك أنها مسألة شبه مستحيلة نظراً إلى اشتداد الظلمة وقلّة القوت وضيق المكان وتلوث الهواء. فالتجأت إلى الله وتضرعت إليه في تأثر وخشوع وكأن الأمر يتعلق بمصير روح بشرية:
- اللهم إني إسألك عونك وسندك في إنقاذ هذا البائس المسكين.. اللهم اجعل في فرجه فرجا وخلاصنا من هذه القبور الضيقة.
سكبت شيئاً من الماء في صحني وقدمته لفرج، فمد رأسه إليه بسرعة وأخذ يرتشف منه بنهم كبير. لا شك في أن جوف المسكين كان قد جف من شدة الخوف والهلع. ولكن عندما فتت شيئاً من الخبز وقدمته إليه لم يأخذ منه شيئاً لأن منقاره كان لازال بعد رخوناً ليّناً. فكان عليّ إذاً أن أتدبر أمر إطعامه إلى أن يشتد عوده. استلقيت على ظهري، ونشرت خرقة على صدري فوضعت فوقها “فرج”، قم بدأت أداعبه بلمس خفيف على ظهره ورأسه وتحت منقاره لأبث في نفسه الشعور بالأمن والطمأنينة. بيد أنه كان كلما سمع نداء أمه اليائس الآتي من فوق السقف، صفق بجناحيه وأجابها بزقزة عالية كنت أعلم أنها طلب استغاثة ونجدة. منذ ذلك اليوم المشهود، انقلبت حياتي رأساً على عقب، فغيرت كل برامجي الخاوية ليصبح همي الوحيد مركزاً على طائري العزيز. وقد كانت أصعب مهمة بالنسبة إليّ هي طريقة إطعامه. فكنت أفرك بيدي قطعة من الخبز بعد تبليلها بقطرات من الماء، ثم أجعل منها كويات صغيرة على شكل حبات الزرع وأدعها إلى إن تيبس فآخذ بسبابة شمالي وإبهامه رأس الطائر من الوراء فأفتح منقاره برقة وألقمه الحبات بيمناي. وكان كلما ابتلع منها ثلاثاً أو أربع، صفق بجناحيه وزقزق بصوت عال مطالباً بالمزيد، فكان أصدقائي يردون عليه من الزنزانات المجاورين قائلين له بدعابة:
- شهية طيبة يا فرج.
ومن أجل إغناء قوته، كنت آخذ من طعامي حبات من الفول واللوبياء والعدس فأغسلها جيداً وأجففها ثم أناولها إياه. وأقتسمت معه في كل صباح نصيبي من الشاي فأصبح به شديد الولع. وهكذا برمجت له ثلاث وجبات غذائية في اليوم. ولما لاحظت ازدياد جشعه زدته رابعة ثم خامسة. وقد كان الأصدقاء يرتعشون خوفاً من فكرة هلاكه، فكانوا يتنافسون في التضحية من أجله ويرسلون إليه كل ما كانوا يعتقدون أنه كان مغذياً من طعامهم البئيس. ودخل الملازم امبارك الطويل إلى المعمعة، فأرسل له علبة من “الكرتون” كي تكون له وكراً، ثم أخذ يرسل إليه كلما سنحت له فرصة شيئاً من البصل والبطاطس المقلية. فكنت كلما هممت بإطعامها إياه، أغمضت عيني واستنشقت ملء رئتي لأشحن خياشمي برائحة ذلك الطعام الشهي الذي كان يخيل لي آنذاك أنه عبق فاتح من مائدة أصحاب اليمين في الجنة. كان فمي يتحلب من شدة الحرمان، ولكني لم أبخس قطّ طائري حقه، فكنت أكتفي بالرائحة والرائحة فقط.. وبعد كل وجبة غذائية كان يأخذها طائري، كنت أعود فأستلقي على ظهري ثم أضعه فوق صدري وأبدأ بمداعبته ناقراً بإصبعي على ظهره ورأسه ومنقاره، فكان يرد لي الصاع صاعين بنقرات لطيفة على ذقني وجوزة عنقي الناتئة. وعندما كنت أحس أن النوم قد بدأ يداعب أجفانه، كنت أضعه في عشه الذي هيأته له من بقايا طربوش مبطن قديم، فكان يرخي منقاره على صدره المنفوخ فينام قرير العين.
وفي الصباح، لما كنت أشرع في المشي على الخط المنحرف لأرضية الزنزانة كنت أضعه فوق كتفي وأغني له أجمل ما كنت أحفظه من الأغاني القديمة.
وعند دخول الحراس إلى العنبر، كنت أخبئه تحت علبة الكرتون وأزيد عليها خرقته البالية. وكان ذلك أكره ما كان يكرهه إذ كان يعرب عن قلقه بنقر “الكرتونة” نقراً عنيفاً. ومن حسن الحظ أن لم يكن يزقزق، ولو فعل لكان أمره حتماً مقضياً.

وهكذا مرت الأيام سراعاً، فاشتد عوده وشب، فإذا بزغبه ينقلب إلى ريش رمادي ناعم، وإذا بالبقعة البيضاء على ظهره قد تدورت وارتسمت بشكل جميل رائع، وإذا بمنقاره الرخو يغدو قوياً صلباً، وبرجله المريضة قد برئت تماماً وبدت وكأنها مخضبة بالحناء. فأصبح يأكل طعامه وحده ويبحث عن الماء كلما عطش، ويتسكع مزهواً بنفسه على أرضية الزنزازنة قافزاً منها إلى الدكة ومن الدكة إلى الأرض. وكم كان تأثري عظيماً ذات صباح حين صفق بجناحيه فطار وحط على كتفي وهو يهز رأسه ويميل به مطلاً عليّ بعين واحدة ولسان حاله يقول:
- ما رأيك يا أبتاه؟

أحسست ساعتها فعلاً بتأثر الأب حين يرى ابنه البكر قد بدأ يمشي على رجليه بعد حبو عمّر طويلاً. وشاركني الأصدقاء هذا الحدث، فتعالت أصواتهم مهللة مهنئة. ومن هنا بدأنا نشعر بالخطر، إذ كيف لمن له جناحان أن يقنع بالضيق والحرج وهو الذي خلق ليطير ويسبح في فضاء الله الواسع العظيم؟
وهكذا عقدنا اجتماعاً طارئاً على غرار ما تفعله حكومات الدول الديمقراطية عندما تضعها الأحداث أمام أمر خطير. فتدارسنا قضية فرج، وخرجنا بعد سلسلة من المشاوارات الطويلة بقرار يقضي بإخراجه من نويفذة الباب لكي نعطيه فضاء أوسع يتدرب فيه على الطيران. وقد كنا ندرك أن ذلك قد يشكل عليه خطراً محققاً. ولكننا اضطررنا إلى ذلك اضطراراً في غياب حل أفضل.

وذات صباح، وقف فيه أمام النويفذة كل من كان يقوى بعد على الوقوف من الأصدقاء، وهم يترقبون بشوق كبير وتأثر عميق عملية إطلاق الحمامة في الدهليز. أخرجت فرج بهدوء ثم أطلقته ببساطة في الهواء. حط أمام باب زنزانتي وقد ظهر عليه نوع من الفزع والاندهاش، فنظر لحظة يمنة ويسرة مستكشفاً سعة المكان، ثم طار فجأة وحلق في الدهليز تحت تصفيق حار وهتاف جذلان لسجناء وقفوا يتابعون تحليقه بأعين منبهرة وأفواه مفتوحة وكأنهم أطفال سحروا أمام لعبة خارقة عجيبة.. وكأنما انعكس هذا الانفعال الشديد على فرج، فظل يذرع الدهليز بطيرانه جيئة وذهاباً منتشياً بفرحته العارمة. وبعد لحظة حط قرب الزنزانة رقم 29، فناداه ساكنها، القبطان حشاد، ثم مد له من خلال نويفذة بابه يده. وبدون تردد، طار وحط على يده، فناديته بكل ما أوتيت من جهد وكأني أعيش حلماً وردياً رائعاً:
“كتكت.. كو.. تكت كو.. تكت”.
التفت برأسه الصغير جهتي، وكتلميذ نجيب فهم مراد معلمه، طار طيرة واحدة وحط كوردة على يدي. لقد كان ذلك أكثر مما كنا نتوقعه، كان نجاحاً باهراً فاق كل التوقعات المتفائلة. واحترازاً من قدوم الحراس على حين غفلة، أدخلت “فرج” إلى الزنزانة ساعة قبل الوقت الذي اعتادوا أن يقدموا فيه وما إن كادوا يخرجون بعد الغذا حتى تسارع الأصدقاء إلى الأبواب وهم يصرخون بانفعال شديد:
- ماذا تنتظر؟ هيا. أطلق فرج!
وكما فعل في المرة الأولى، شرع فرج يغدو ويروح طائراً مصفقاً بجناحيه، ثم اختار يداً من بين الأيادي الكثيرة الممدودة إليه فحط عليها وصاحبها يصيح ويقهقه ضاحكاً من فرط سعادته. ولاشك أن غريزة هذا الطائر الذكي قد أفهمته أن هذه الأشباح الظلامية الغريبة المطلة عليه بأسمالها البالية القذرة، وهياكلها العظمية المشعرة تحبه كثيراً وتتوق لتقبيله. فطفق يقفز من كف إلى أخرى محملقاً باستغراب في وجوهها المستغربة.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح “فرج” في تزممارت بهجة عمرنا ومبعث سعادتنا، فأحببناه وأحبنا، وتحملنا بسببه قدوم الموت بمعنويات أفضل. واكتتبنا من أجله فجمعنا قدراً من المال اشترينا له به بواسطة الحارس الذي صارحناه بقضيته كمية من الزرع الخالص، فملأ حوصلته بها فازداد قوة ونشاطاً وعافية. وفي الوقت الذي بدأت أفكر فيه بحيلة أطلق بها سرحه، سقط المسكين مريضاً. انتفخ منقاره وأنفه فلم يعد قادراً على الأكل. ماذا حصل؟ هل ارتطم في طيرانه بالجدار الأحرش أم أعطاه أحدنا عن حسن نيّة شيئاً فأكله فأضر به؟

أحزن مرضه كل الأصدقاء بدون استثناء، فبدأوا يتلاومون ويتعاتبون محملين بعضهم بعضاً نتيجة ما جرى. فقد أصبح فرج ملكاً عمومياً لنا، بل قطعة نفيسة منا. كان كل واحد منا يحرص عليها حرص نفسه. وقد بادر بعض منا مسبقاً بالتشديد على عدم إطلاق سراحه زاعماً أنه ليس أولاً وآخراً سوى طائر كسائر الطيور، وأن الله أرسله إلينا ليخفف عنا شدة المعاناة، فقدره إذاً هو أن يبقى معنا.

رجعت إلى إطعامه على النحو الذي كنت أغذيه به لما كان فرخاً صغيراً. ورغم أني أشربته حبة من الأسبيرين وأخرى من فيتامين “س” كان الطويل قد أرسلهما له، فقد ازدادت صحته مع الأيام تدهوراً. فارتأيت أن أعجل بإطلاق سراحه قبل أن يموت كما نموت نحن في الصمت والظلام. وقلت لنفسي متفائلاً:
“سيتدبر أمره بمفرده، وسيشفى لاشك من مرضه حين يعانق جمال الطبيعة ويحلق في فضاء الله الفسيح..”.
ثم رأيتني وأنا أتيه في أحلام مستحيلة: “ماذا لو ربطت في إحدى رجليه رسالة استغاثة فبلغها إلى أمي كما بلغ الهدهد خطاب سليمان إلى بلقيس؟” أضغاث أحلام.
في اليوم التالي سنحت الفرصة بواسطة رفيقي عبدالكريم الشاوي الذي أمر الحارس “بابا حمد” أن يساعده بعد أن قدم ذلك الصباح إلى العنبر بمفرده. فثّبت له بابي فغامر وتسلق فوقها في غفلة من الحارس، فأخذ فرج وأخرجه من شباب الدهليز وألقى به فوق سطحه. لما أنجزنا العملية بنجاح ورجعت إلى زنزانتي، شعرت وكأنني ممزق بين إحساسين متناقضين: فرحة عارمة لإنجاز وعد وإطلاق سراح سجين مريض، وحزن دفين لفقدان ابن بار وصديق عزيز. لما انصرف الحارس ومرّ وقت طويل على خروجه، نفذ صبر الأصدقاء فطالبوني بإخراج فرج إلى الدهليز كالعادة. لكني اعتصمت بالصمت، فتكفل الشاوي بنشر الخبر الذي نزل على السجناء نزول الصاعقة.. فران لمدة طويلة صمت ثقيل كالرصاص، فإذا برفيق يفقد الزمام وينفجر صارخاً:
- ليس من حقك أن تفعل ما فعلت.. كان عليك أن تستشيرنا على الأقل. لقد كسرت قلبي فلن أغفر لك هذا أبداً.

مرّ علينا ذلك اليوم كئيباً صامتاً حزيناً، واستبد بنا الشعور نفسه الذي كان يعصر مهجنا كلما حل عنا صديق عزيز، فرجع عنبرنا بدون حمامتنا كما كان قبراً بارداً بلا حماس ولا فرحة ولا أمل ولا روح. وفي الصباح التالي، وبينما أنا منشغل بجمع غطائي الممزق، إذا بالملازم الطويل ينادي عليّ بصوت جذلان مستغرب متعجب:
- لم يرحل فرج.. يبدو لي أنه قضى ليلته فوق سقف الزنزانة رقم 1. انظر جيداً إنه يبحث عن زنزانتك.
ألقيت نظرة من خلال نويفذتي إلى حافة سقف الزنزانة المقابلة فدق قلبي وأنا أراه يواجهني ويطل برأسه الصغير جهتي.. فلما رآني صفق بجناحيه وحاول التسلل إلى الدهليز عبر الشبّاك لكن بدون جدوى. لقد كان البليد عوض أن يقدم رأسه ويضم جناحيه للتسلل من خلال مربع من مربعات الشبك، يفعل العكس فتمنعاه جناحاه المبسطوتان من الدخول. ولما قدم الحراس، انقبضت قلوبنا لعلمنا أنه ينبغي أن تحدث معجزة هذه المرة كي لا يفطن بوجوده أحد.
وفعلاً حدثت المعجزة حين أمر حارس متعب رفيقنا الشاوي بتفريق الخبز علينا. وهكذا لما وصل إلى مستوى الزنزانة 10، دفعت باب زنزانتي إلى أن أوقفه الجدار، ثم ثبّته له بيدي ورجلي فتسلقه كما فعل في المرة الأولى بعد أن اغتنم لحظة سهو من الحارس، فدس يده من خلال الشباب وأخذ “فرج” ثم مده لي.. مرت تلك العملية بدون أدنى صعوبة تذكر. والفضل كله يرجع إلى الشاوي الذي غامر بحياته لينقذ تلك الحمامة البئيسة. فلو قدر له وزلت إحدى رجليه فسقط من فوق الباب وهو على ذلك الهزال الشديد، لكان أمره حتماً مقضياً. لما انصرف الحارس، أخذت طائري وأشبعته لمساً وتقبيلاً ثم أطعمته وسقيته وأخرجته بعد ذلك إلى الدهليز للقاء أصدقائه المتشوقين الذين خصصوا له استقبالاً حماسياً حاراً.

وبعد مرور أيام قليلة، عاودت الكرة فأطلقت سراحه من جديد بواسطة مكنسة قديمة وضعته فوقها وسربته بها من خلال الشباك في لحظة كان فيها باب زنزانتي نصف مشرع وقت تفريق الطعام. ومرة أخرى، جاءت الاحتجاجات عنيفة من بعض الأصدقاء، فقال لي أحدهم معاتباً:
- لماذا تعاند وتصر على طرده وهو الذي اختار عن طواعية أن يشاركنا هذا المصير؟
فقلت مدافعاً عن حرية طائري:
- إن عظّة الجوع هي التي أرجعته.. كونوا منطقيين، هل يوجد في هذا الكون مخلوق واحد يؤثر السجن على الانعتاق؟
في ذلك اليوم، سمعنا حركة غير عادية للحمام فوق سطح الدهليز: تصفيق أجنحة، وهديل مزمجر، وارتطامات هنا وهناك، ثم ريش أبيض تطاير ودخل علينا بعضه من الكوات الموجودة في سقف الزنازين. لقد رفض شعب الحمام الساكن فوق السطح حمامة أجنبية فيها رائحة الآدميين نزلت بجوارهم، فهاجموها وطردوها شر طردة. أي حظ عاثر خبأته لك الأيام يا فرج؟ لقد رفضك أبناء ريشك كما رفضنا نحن أبناء جلدتنا. ناديت طائري أؤازره وأرفع من معنوياته وقد هالني أن تكون تلك العدوانية حتى في الحمام، فقلت كمن يخاطب إنساناً فوق السطح:
- اثبت يا صغيري اثبت.. دافع عن نفسك بكل ما أوتيت من قوة واعلم أن كفاحك من أجل حريتك وكرامتك لن يكون سهلاً هيناً.. الصمود يا عزيزي الصمود.

مر يوم وليلة دون أن أرى لفرج أثراً. فتصدى لي أحد الأصدقاء غاضباً وقال معاتباً:
- قد تكون حمامتنا ماتت من الجوع والعطش، أو لربما قتلها الحمام الساكن فوقنا، وفي كلتا الحالتين، فأنت المسؤول الأول عن مصيرها المؤلم الحزين..
وفي الصباح التالي، وعلى حين غرة، ظهر فرج على حافة السطح قبالة باب زنزانتي كما فعل في المرة الأولى. فشرع يحاول يائساً أن يرجع إلى الزنزانة. فانتظرنا حتى قدم الحراس. ومرة أخرى خاطر عبدالكريم الشاوي فأرجعه إلى داخل الدهليز ثم سلمه لي.
كانت حمامتي المسكينة مريشة مجروحة جائعة عطشانة متعبة. فقد بذلت جهداً كبيراً للتأقلم مع أبناء جنسها ولكنهم رفضوها ثم طردوها بمناقرهم الغاضبة..
ومن يدري؟ فقد يكون والداها اللذان تألما لفقدانها هما أول من ساهم في ذلك الهجوم الغاشم.

أسبوع بعد ذلك، كانت المحاولة الثالثة الناجحة لإطلاق سراح فرج. مرت أربعة أيام سراعاً فطال عليّ الأمد ولم يظهر هذه المرة لحمامتي أثر. فتمنينا من الأعماق أن تكون قد تصالحت مع أهلها ووجدت سبيلها أخيراً إلى حياة طبيعية سعيدة. كنا ونحن في أحلام اليقظة، نجد نشوة كبيرة حين كنا نغمض أعيننا ونتخيل أنفسنا حماماً يطير كما يطير فرج.. آه.. ما أجمل التحليق في فضاء الله النقي الواسع الشاسع تحت نور الشمس الذهبية الدافئة وفوق بساط أخضر من غابات مترامية الأطراف. ما أروع ذلك العالم الخالي من الحواجز والحدود والأسوار والشبابيك والأقفال والجلادين والضغائن والأحقاد. أي سعادة سيشعر بها فرج حين سيكتشف هذا الفضاء اللانهائي الذي يمتد أمامه شفافاً شاسعاً فسيحاً مفرطاً في الروعة والجمال؟ لاشك في أنه سيدرك ساعتها كم كان تعساً بائساً مغبوناً شقياً في ضيق تلك الزنزانة الباردة المظلمة التي كانت إلى حين قريب هي كل عالمه ودنياه. تلك الزنزانة الحزينة التي ترك فيها روحاً شقية كم كان بدوها لو ملكت مثل جناحين بهما تطير.

وفي مساء اليوم الرابع، سمعنا محمد العفياوي يصيح وهو الذي عودنا ألا يتكلم إلا في المناسبات النادرة جداً:
- أيها الأخوة، لقد عاد فرج.
تسارعنا إلى نويفذة الباب وأنفاسنا متلاحقة لمشاهدة العائد الأحمق. فقلت له وأنا أراه أمامي يغدو ويروح فوق شباك الدهليز محاولاً التسلل إلى الدهليز:
- ماذا تريد؟ أيها الأخرق العنيد؟ هل جننت إلى الحد الذي أصبحت فيه تفضل العيش في الضيق والعتمة مع هؤلاء الأشباح على حياة الحرية والانطلاق؟
طال الوقت وباءت محاولاته كلها بالفشل الذريع، فشرع الأصدقاء يتحدثون إليه مشجعين ومقترحين عليه الحلول وكأنه بشر مثلنا يدرك ويعي ويفكر:
- تشجع يا عزيزنا الصغير.. لا تبدأ كعادتك بإدخال رجليك في المربع. أدخل رأسك أولاً واضمم جناحيك إليك وسينتهي الأمر بسرعة.
وكأنما الشقي انتهى بفهم نصائح أصحابه، فأدخل رأسه بين القضبان، وبكيفية انتحارية ألقى بنفسه في خواء الدهليز، فحط بسلام على عتبة الزنزانة رقم 10 تحت تهليل وهتاف كل السجناء المتأثرين. لقد كان المسكين متعباً محطماً ففشل مرات عديدة قبل أن يحط على يدي الممدودة إليه من خلال نويفذة الباب، تأثر بعضنا تأثراً بليغاً لذلك فسمعت أحدهم وهو يجهش خفية بالبكاء. وهكذا رجع فرج إلينا مرة أخرى، فتابعنا معه مسيرة الحياة في ذلك الجحيم ونحن في غمرة من سعادة أنسانا فيها أنفسنا وما كنا عليه من شظف العيش وشقاوة الحال. فإذا به يتمرد ذات يوم تمرداً خطيراً في الدهليز حين أبى أن يدخل إلى زنزانتي ساعة قبل قدوم الحراس، وقد كان يقضي كعادته سويعات في مداعبة السجناء والطيران الجذلان. لم يعد فرج يطيق تلك اللحظة التي كانت أخبئه فيها تحت علبة “الكرتون” ساعة وجود الحراس في العنبر. وقد حاولت معه بكل الوسائل من دون جدوى. وسلمته ذات مرة إلى أحد جيراني لأفهمه أن مصلحته تقتضي تخبيئه في ساعة معينة وأن الأمر سيان في هذه الزنزانة أو تلك. أفلحت بشق الأنفس تلك المرة أن أسترجعه. لكني قررت على الفور أن أطلق سراحه في أقرب فرصة ممكنة سيما وأنه كان قد استرجع عافيته وأصبح ينفخ صدره مزهواً بفحولته مفتخراً بجماله. وقد كان أخوف ما نخاف عليه هو سذاجته الكبيرة وثقته المطلقة بالبشر. فماذا سيحصل لو عامل الناس كما كان يعاملنا وحط ببراءته المعهودة على كتف أول عابر سبيل؟

وفعلاً، سنحت الفرصة ذات صباح، فلمست بحنو وحنان ريشه الجميل وقبلته قبلات حارة ملتاعة ردها لي بنقرات على ذقني وجوزة عنقي ثم وضعته فوق المكنسة القديمة وسللته من بين قضبان الشباك خارج الدهليز، وقلت له بحزن من يودع ابناً مهاجراً إلى المجهول:
- حظ سعيد يا صغيري العزيز.. وداعاً يا فرج.

في الآيام التالية عشنا ترقباً فظيعاً ونحن نتوقع رجوعه من حين إلى آخر. لكن بعد مرور أسبوع تيقنا أنه رحل عن معتقل الموت إلى الأبد. وتلاحقت مسيرة الأيام الحزينة برتابة دقات الساعة، فمر شهر من الزمن، وذات يوم لن أنساه من عمري أبداً، سمعت صديقي عبدالله أعكاو، يصرخ مبتهجاً وكأنما أُخبر بإطلاق سراحه:
- لقد عاد فرج.. أتسمعونني أيها الأخوة؟ والله لقد عاد فرج.

عاد طائري العزيز كما عد في المرات السابقة.. ولكنه لم يكن وحيداً هذه المرة: حط كعادته على حافة السقف قبالة الزنزانة رقم 10، ونظر إليّ طويلاً ليثير انتباهي إلى حمامة جميلة هيفاء برأس صغير وريش رمادي لماع وقفت بجنبه ولسان حاله يقول:
- هذه حبيبتي فباركها لي وباركني لها يا أبتاه.

كبر فرج وامتلأ وكسب ثقة وزاد بهاء. لم يحاول أن يدخل كما كان يملي عليه ذلك حمقه القديم، بل وقف وقد انتفخ صدره فرحة وسعادة وخيلاء وهو ينظر إليّ طويلاً ثم يحرك رأسه يمنة ويسرة فيعود لينظر إلي. ولما اشتد صخب الأصدقاء وهم في غمرة فرحتهم ينادون من كل جهة عليه، خافت خطيبته فطارت، وبقي هو معنا هنيهة قبل أن يطير ليلتحق بها. فقلت له وأنا أودعه:
- بارك الله قرانك يا عزيزي.

بنى فرج عشه مع رفيقته الجميلة قبالة الزنزانة رقم 10. فباضا وفرخا ثلاث مرّات. ورغم الذهول العظيم والتأثر العميق اللذين أحسست بهما يوم الأحد 15 أيلول/سبتمبر 1991 وأنا أغادر الزنزانة التي قضيت فيها ما يزيد على ثمانية عشر سنة، لم أملك نفسي وأنا أرفع رأسي إلى السقف وأغمغم بصوت مختنق:
- وداعاً يا صغيري العزيز.. وشكراً.
لاشك أن الحراس الذين كانوا بجنبي وقتئذٍ اعتقدوا أنني جننت.

أحمد المرزوقي يتحدث عن الحمامة فرج

في الدقيقة 31 والثانية 36 يبدأ المرزوقي في التعرض لقصة الحمامة فرج

مراجع

دور وسائل الإعلام الغربية في الترفيه عن شعوب الأنظمة الشمولية الحاكمة

كان يا ماكان، كان هناك دولة اسمها المانيا الشرقية. ولدت هذه الدولة في 1949 وانتهت في 1990، أي أنها عاشت حوالي 40 عام فقط، وهو عمر قصير جداً بعمر الدول.

سعياً للحفاظ على حكمهم الحديدي والسيطرة على شعب المانيا الشرقية، اهتم مسؤولو الحكومة والحزب الحاكم بعمل دراسات دورية تسعى لفهم المواقف السياسية لشباب المانيا الشرقية للتأكد من مدى قناعاتهم وأفكارهم وانتمائهم للنظام الحاكم.
المعهد المركزي لأبحاث الشباب Central Institute for Youth Research والذي تأسس عام 1966 كان الجهة الحكومية الوحيدة التي تقوم باستقصاء الآراء وجمع البيانات وانتاج الدراسات التي تدور حول شباب المانيا الشرقية 1.

استقصى المركز بين 1966 و 1990 آراء الشباب وأنتج مئات الدراسات التي تدور حول المواقف الفكرية والسياسية لطلاب الثانويات والجامعات، والعاملين من فئة الشباب. نتائج الدراسات بالطبع كانت سريّة ولا يطلع عليها سوى أصحاب صلاحيات خاصة في الحزب الحاكم. الاستبيانات التي بنيت عليها دراسات الشباب كانت تسألهم إذا كانوا يتفقون أو لا يتفقون مع عبارة “أنا أثق في المدرسة الفكرية الماركسية اللينينية”، وعبارة “أشعر بالانتماء لالمانيا الشرقية”، وغيرها من العبارات 2.

بعد سقوط جدار برلين والنظام الدكتاتوري الحاكم في المانيا الشرقية معه، تم رفع السريّة عن محتويات المركز وكذلك باقي مراكز الدراسات. وبالتالي هرع الباحثون الغربيون إلى المانيا الشرقية للإطلاع على كنوز الإحصاءات والدراسات لمحاولة فهم تفاصيل حياة الناس تحت ظل نظام الحكم الشمولي القاسي.

في 2006 نشر باحثان المانيان نتائج دراسة مثيرة أجرياها تحت عنوان “أفيون الشعوب: كيف يساهم الإعلام الغربي في حفظ استقرار أنظمة الحكم الشمولي3. بنيت هذه الدراسة على بيانات وإحصاءات ودراسات المعهد المركزي لأبحاث الشباب التابع لنظام المانيا الشرقية الحاكم والتي أصبحت متاحة للجمهور والباحثين بعد انهياره.
فكرة دراسة هوغلر لتز و جين هينميوللر هذه كانت تتمحور حول معرفة أثر قنوات التلفزة الغربية التي كانت تصل إلى بعض سكان المانيا الشرقية ومدى تأثيرها في قناعات الشباب الفكرية والسياسية، وانعكاس ذلك على مواقفهم وولائهم لنظام المانيا الشرقية الشمولي الحاكم، ونظرتهم كشباب للحياة في المانيا الشرقية ككل.

بعكس المتوقع، خلص الباحثان بناءً على الأرقام ودراستهما العلمية أن شباب المانيا الشرقية الذين كان يصل لهم بث محطات التلفزة الغربية ويتابعوه بشكل مستمر كانوا أكثر رضا وقناعة بالنظام الشمولي الحاكم، أما الشباب الذين لم يكن يصل لهم البث الغربي فقد كانوا أكثر اهتماماً بالسياسة، وأكثر نقداً للحكومة، وأكثر من يتقدم بطلبات الخروج (الهجرة) من البلد.

علق الباحثان في دراستهم على هذه المفارقة بقولهما:

“يبدو أن التلفزيون الرأسمالي الغربي كان الأفيون المخدر لشعوب الأنظمة الشيوعية، وهي الشعوب التي كان يقول رمزها كارل ماركس بأن الدين هو الأفيون الذي يخدر الشعوب الغربية! يا للسخرية!” 4.

الهروب من الواقع

لا يمل السياسيون والمنظرون الغربيون من التأكيد على ما يصفونه بالدور الكبير الذي قام به الإعلام الغربي في انهيار منظومة الحكم الشيوعي ليس في المانيا الشرقية لوحدها، بل كل الدول التي كان يصل لها بث المحطات الغربية. ولكن الحقيقة كما يبدو من هذه الدراسة بأن تلك الرؤية مبالغ فيها، بل العكس هو الصحيح كما يرى الباحثان، حيث وجدا بأن الإعلام الغربي لعب دور المخدر والمثبط للشعوب الواقعة تحت الحكم الشمولي بدلاً من المحرّض لها على التغيير. فسّر الباحثان مشاهدة الالمان الشرقيين لمحطات التلفزة الغربية وادمانهم عليها بأنه “هروب من الواقع”:

“سمحت محطات التلفزة الغربية لسكان المانيا الشرقية بأن يهربوا من حياتهم اليومية التي كانوا يعيشونها تحت الحكم الشمولي الصارم. لقد جعلت حياتهم أكثر قابلية للتحمّل، وجعلتهم يشعرون أن حكومتهم مقبولة نوعاً ما..”.

يؤكد الباحثان في مفارقة ملفتة بأن:

“مشاهدة المواطن الالماني الشرقي لمحطات التلفزة الغربية واطلاعه على برامجها زاد من دعمه لحكومته” 5.

الكاتب والمعارض الالماني الشرقي كريستوفر هين قال في لقاء صحافي معه عام 1990:

كانت مهمتنا كناشطين في التواصل واقناع الجماهير صعبة، كان الشعب يعمل بشقاء طوال النهار، وعندما يحل المساء يهاجر إلى الغرب الساعة الثامنة من خلال التلفزيون 6.

ترفيه الإعلام الغربي عن شعوب الأنظمة الشمولية

يقول إيفجيني موروزوف في كتابه الرائع والمزعج “ الشبكة : الجانب المظلم لحرية الإنترنت7:

“وصول بث محطات التلفزة الغربية إلى مواطني المانيا الشرقية، ومشاهدتهم للمحتوى الترفيهي الرائع الذي كانت تنتجه وتعرضه وسائل الإعلام الغربية وهوليود، تسبب في تراجع اهتمامهم بالسياسة على الرغم من مشاهدتهم بين الحين والآخر ما يعرض في تلك الوسائل من أخبار وقصص عن استبداد وظلم حكومتهم في المانيا الشرقية. محطات التلفزة الغربية جعلت حياة مواطني المانيا الشرقية مقبولة نوعاً ما وأكثر قابلية للتحمل، وبالتالي تسببت في إضعاف نضال حركات المنشقين والمعارضين بينهم”

يؤكد موروزوف بأن بدايات حركات العصيان والقلاقل في المانيا الشرقية بدأت في المناطق البعيدة التي لم تكن يصل لها بث محطات التلفزة الغربية، حيث كان يشعر الناس بأن حياتهم لا تطاق، بعكس الحال في المناطق التي كان يصلها البث وأصبحت حياة سكانها قابلة للتحمل.

كانت الهوائيات التي تعتلي منازل سكان المانيا الشرقية لتلقط البث التلفزيوني في أغلبها متجهة نحو الغرب. لم يكن أحد يشاهد تلفزيون المانيا الشرقية الرسمي، كانوا يجدونه مملاً. بعد بناء جدار برلين في 1961 والذي قسم المدينة إلى جزئين، قامت فرق شباب الحزب الشيوعي بالصعود إلى أسطح منازل السكان وتكسير الهوائيات التي تتجه نحو الغرب في عمل (احتسابي) حزبي شيوعي. لم يتوقف نشاط فرق الشباب الشيوعي المحتسب إلا بعد تصاعد تذمر السكان بشكل واضح مما دعا الحزب الحاكم لمنع هذه التصرفات.

في منتصف الثمانينات بدأت الحكومة الالمانية الشرقية تستقبل طلبات متزايدة من المواطنين للسماح بتركيب أطباق البث التلفزيوني (الدش) والتي تسمح باستقبال المحطات الغربية. كان النظام يمنع شراء وتركيب الدش إلا بإذن رسمي. أغلب الطلبات كانت من سكان الأجزاء التي لم يكن يصل لها البث التلفزيوني الغربي عن طريق الهوائيات Antenna. اتجه السكان لشراء أجهزة الدش بالتهريب من المانيا الغربية و هنغاريا، وكان مفتشي الحكومة يفرضون غرامة على كل مالك منزل يجدون لديه دش ويطلبون منه إزالته. لم يكن السكان يدفعون الغرامة وفي أغلب الأحيان يقومون بإزالة الدش مؤقتاً ثم إعادة تركيبه لاحقاً.

في 1988 طلبت البلدية في Marienberg من سكان المدينة إزالة أطباق استقبال البث وعددها أكثر من 4000. عندما حاولت البلدية تطبيق النظام، خرج السكان في مظاهرات ضخمة ومقاومة جادة للقرار تسببت في أن يرسل مجلس الحزب الحاكم في المدينة إلى الحكومة المركزية تنبيهاً بأن الوضع خطير وينصحون بالتراجع عن تطبيق القرار.
في مدينة Weissenberg حاولت الحكومة تطبيق نفس القرار، ولكن العمدة وأعضاء الحزب الحاكم في المدينة أرسلوا للحكومة المركزية خطاباً يقولون فيه بأن سكان المدينة أصبحوا أكثر رضا و هدوءاً وحباً للنظام الحاكم منذ أن انتشرت أطباق البث التلفزيوني وأصبحوا يشاهدون المحطات الغربية، حتى أن طلبات الهجرة تراجعت بشكل حاد! 8

تجربة المانيا الشرقية تظهر بأن تأثير ودور الاعلام الغربي في بلدان الأنظمة الشمولية أكثر تعقيداً والتباساً مما كان يعتقد الغرب. يرى موروزوف بأن تغطية الاعلام الغربي المؤثرة في فترة أحداث سقوط جدار برلين جعلت الكثير يعتقد بأن الاعلام الغربي كان يلعب نفس الدور ونفس التأثير طوال الحرب الباردة، وذلك ليس إلا حلم طوباوي خيالي، فقد كانت تخدم النظام الشمولي الحاكم في الترفيه عن الشعب وإبعاده عن السياسة.

أرى بأن القنوات الفضائية العربية ذات المحتوى الغربي ( مجموعة قنوات MBC و غيرها) و القنوات الغربية الترفيهية ( OSN وغيرها) تلعب في العالم العربي اليوم نفس الدور الذي كانت تلعبه محطات التلفزة الغربية مع شعب المانيا الشرقية؛ الشعوب العربية تفر إليها لتجد الترفيه الذي يجعلها تهرب من واقعها المرّ ويتسبب في إبعادها عن السياسة.


  1. Opium for the Masses: How Foreign Media Can Stabilize Authoritarian Regimes 
  2. المصدر السابق. 
  3. المصدر السابق. 
  4. المصدر السابق. 
  5. المصدر السابق. 
  6. The Net Delusion: The Dark Side of Internet Freedom 
  7. المصدر السابق. 
  8. المصدر السابق. 

عن الستين كلمة.. الغطاء القانوني الأمريكي لضربات الدرونز والحرب على الإرهاب

مع أخبار ضربات الدرونز الأمريكية التي نسمعها بين الحين والآخر في اليمن وباكستان يعاد طرح سؤال: متى ستنتهي ما تسمى حرب أمريكا على الإرهاب؟
تجاوزت عمر هذه الحرب 12 عام حتى الآن، ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً رغم وعد وخطبة أوباما الشهيرة حول هذا الموضوع في مايو 2013.

هناك سؤال آخر يُطرح كذلك وهو: ما هو الغطاء القانوني الأمريكي الذي يسمح للإدارات الأمريكية المتتالية بالاستمرار في هذه الضربات وهذه الحرب؟ وإذا كان هناك غطاء قانوني أمريكي لهذه الحرب الأمريكية، متى ظهر ومتى اعتمد، وهل هو مفتوح للأبد؟ ما ظروفه بالضبط؟

في هذه الحلقة من بودكاست راديولاب (أحد أفضل البودكاستات التي أتابعها باستمرار)، يناقشون هذا الموضوع تحت عنوان: 60 كلمة. والمقصود بالستين كلمة هي جملة طويلة من تفويض الكونجرس الذي أعطاه لجورج بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتقول:

يؤذن للرئيس باستخدام كل القوة الضرورية والمناسبة ضد تلك الدول والمنظمات أو الأشخاص الذين يحدد الرئيس بأنهم خططوا، سمحوا، قاموا، أو ساعدوا في الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر 2001 أو قاموا بإيواء هذه المنظمات أو الأشخاص، وذلك من أجل منع أي أعمال إرهابية دولية في المستقبل ضد الولايات المتحدة من قبل هذه الدول أو المنظمات أو الأشخاص.

حلقة رائعة تعطي خلفية عن قصة تفويض الكونجرس المفتوح والذي لم يصوت ضده سوى عضو كونجرس واحد (يتحدث في البودكاست)، وعن الحرب على الإرهاب ككل، وكيف تتم عملية اتخاذ القرار بخصوص ضربات الدرونز، ومن يقرر، وكيف، وأمور أخرى كثيرة.

أسباب السعادة كما يراها الأديب أحمد أمين

مر الأديب والكاتب المصري الشهير أحمد أمين بمرض شديد كاد أن يفقد بسببه بصره. كتب بعد هذه التجربة الأليمة في كتابه “حياتي” :

"إن خير هبة يهبها الله للإنسان مزاج هادئ مطمئن، لا يعبأ كثيراً بالكوارث، ويتقبلها في ثبات، ويخلد إلى أن الدنيا ألم وسرور ووجدان وفقدان، وموت وحياة، فهو يتناولها كما هي على حقيقتها من غير جزع.
ثم صبر جميل على الشدائد يستقبل به الأحداث في جأش ثابت، فمن وهب هاتين الهبتين فقد منح أكبر أسباب السعادة"

يا للهول، ماذا جرى لشباب هذه الأيام؟

لا أعتقد يوجد شخص إلا وقد سمع كبير سن ينتقد بضرواة “شباب هذه الأيام”، ويؤكد بشكل حاسم أن الشباب في الماضي كان أفضل، وأكثر رقياً وأدباً واحتراماً من شباب اليوم. الحقيقة أن في ذلك شيء من المبالغة، وهذه المقولة تتكرر دائماً على مدى العصور والأزمان.

وجدت الكلمات التالية منقوشة قبل 6000 عام على أثر فرعوني يشتكي فيها أحدهم قائلاً:

إننا نعيش في عصر الإنحلال، لم يعد الشباب يحترم والديه. شباب اليوم وقح، فظ، مستعجل لا يعرف الصبر، لا يكادوا يغادرون المراقص والحانات، ولا يسيطرون على تصرفاتهم.

وفي القرن الرابع قبل الميلاد، قال الفيلسوف أفلاطون:

ما الذي يحدث لشبابنا؟ لا يوقرون كبارهم، ولا يسمعون كلام آبائهم، يتجاهلون القوانين، يعربدون في الشوارع بمشاعر بهيمية، أخلاقهم منحلّة.

وفي 1274 بعد الميلاد، كتب بطرس الناسك:

شباب اليوم لا يفكر إلا بنفسه. إنهم لا يحترمون آبائهم وكبار السن، قليلو الصبر، لا يضبطون أنفسهم وتصرفاتهم... الفتيات جريئات، متبرجات، وغير مهذبات في أسلوب كلامهن وتصرفاتهن وملابسهن.

مصدر المقولات

صديقي صاحب الآراء الموضوعية والمنطقية والوسطية، هل أنت كذلك فعلاً؟

تعتمد هذه المادة على مصادر تم وضعها في نهايتها وأهمها مدونة "لست ذكي بما يكفي" لديفيد مكريني وتدوينته "الانحياز التأكيدي" التي تم الاستفادة من طريقته وأسلوبه مع تنزيل ذلك على واقعنا العربي. بما أن هذه المادة حصلت على نسبة قراءة ملفتة، من الجيد محاولة الإطلاع على كتابي ديفيد مكريني القديم والجديد حول هذه المواضيع وفيها كثير من الطرح الرائع.



في الغالب لا تكاد تجد شخصاً عاقلاً إلا ويقول بأن آراءه موضوعية ومنطقية وأنها نتيجة سنوات من تجارب الحياة والإطلاع والقراءة والمتابعة لما يحدث من حوله وفي العالم.
ولكن الحقيقة أن آراءنا ليست موضوعية وليست بتلك المنطقية التي نزعمها لأننا في الغالب نلتفت ونعطي جل اهتمامنا للمعلومات التي تؤكد أفكار وقناعات مسبقة نؤمن بها، ونتجاهل بقصد وبدون قصد المعلومات التي ربما تعارض وتتحدى قناعتنا المسبقة..

الوهم التكراري مدخل إلى الانحياز التأكيدي

هل سبق وأن خطر على بالك فكرة مشروع معين، وفجأة تجد أن شخصاً ما يتحدث حول نفس الفكرة أو قريب منها؟ أو وجدت مقالا لكاتب يدور حولها؟ أو شاهدت تقريراً إخبارياً عن مشروع مشابه؟ أو مررت على موقع انترنت يحاول القيام بتنفيذ نفس الفكرة؟
هل فكرت في شراء سيارة جديدة معينة أعجبتك وفجأة أصبحت ترى نفس السيارة يقودها آخرون في الشوارع في كل مكان من حولك؟ فجأة بدأت ترى صور السيارة على لوحات الشوارع الدعائية؟
تنتظر ولادة طفلك وفكرت في إسم معين له، هل حصل أنك وجدت هذا الإسم يتكرر على مسامعك من الناس؟ فجأة تشعر بأن هذا الإسم من حولك في كل مكان؟ شخص في المقهى ينادي آخر يحمل نفس الإسم؟
ماذا يحصل هنا؟ شيء غريب؟ هل يحاول هذا العالم أن يرسل لك رسالة ما؟ لا، في الحقيقة أن هذه حالة تسمى علمياً بـ “الوهم التكراري” Frequency illusion أو Recency illusion.

ما يحصل هنا هو أن عقلك الباطن قام بتخزين هذا الاهتمام الجديد لك (السيارة الجديدة، اسم المولود، فكرة مشروعك) في مكان خاص في ذاكرتك، وأعطاه انتباه و أهمية وقيمة عالية تفوق كثيراً من المعلومات الأخرى. تمارس حواسك (العين، الأذن،..) عملها بشكل طبيعي ومعتاد وترسل ما تلتقطه لعقلك الباطن كالعادة، وعندما ينتبه عقلك الباطن بأن تلك المعلومة المهمة التي كان قد خزنها مسبقاً وأعطاها قيمة واهتماماً خاصاً يفوق غيرها، قد التقطتها للتو أحد حواسك، فإنه يقوم فوراً بلفت انتباه عقلك الواعي بها.
تشاهد يومياً مئات السيارات من حولك في كل مكان، ولكن عقلك الباطن لفت انتباهك فقط لتلك السيارة التي تفكر بشرائها لأنها مخزنة بقيمة أعلى من غيرها في ذاكرتك. وتسمع وتقرأ يومياً الكثير والكثير من الأسماء ولكن عقلك الباطن لم يلفت انتباهك إلا عندما مررت حاسة السمع أو العين اسم مولودك الذي تفكر فيه عندما التقطته للتو ، وكذا الحال بالنسبة لمشروعك الجديد، فأنت تشاهد يومياً الكثير من المشاريع من حولك وفي النت، ولكن عقلك الباطن لفت انتباه عقلك الواعي عند تمرير أحد الحواس لفكرة مشروعك أو فكرة مشابهة له.
لا يوجد هناك مؤامرة ، وهذا العالم لا يحاول أن يرسل لك رسالة خاصة، كل ما في الأمر أن عقلك الباطن يقوم بتجاهل الكثير والكثير مما تلتقطه حواسك، ويقوم بدور المراقب اليقظ حيث يلفت انتباه عقلك الواعي بما خزنته مسبقاً بأنه مثير لاهتمامك ، بدون أن تشعر.

عندما تبدأ حالة الوهم التكراري لديك من التحول من حالة الخمول (قبل تخزين المعلومة الجديدة المهمة لديك) إلى الحالة النشطة المتحفزة (بعد التخزين) فإن ذلك يؤدي لأن تبدأ في الدخول لحالة ما يسمى علمياً بـ الانحياز التأكيدي Confirmation bias.

الانحياز التأكيدي

بحسب تعريف موسوعة المعرفة، فإن الانحياز التأكيدي هو ميل الأشخاص لتفضيل المعلومات التي تؤكد أفكارهم المسبقة أو افتراضاتهم، بغض النظر عن صحة هذه المعلومات. الانحياز التأكيدي يعمل بمثابة المرشّح (فلتر) الذي ترى من خلاله الأمور التي تتطابق مع توقعاتك. ليست المشكلة في أن الانحياز التأكيدي يجعلك تفكر بأسلوب انتقائي فقط، ولكن المشكلة الحقيقية عندما يؤثر على سعيك في البحث عن الحقيقة كما هي بدون أي انحياز مسبق، فيجعلك تكتفي بما انتقيته من معلومات لا شعورياً.

وسائل الإعلام ودورها في ترسيخ الانحياز التأكيدي

يمكن أن ننظر لحالة قناتي الجزيرة و العربية كمثال على مفهوم التأكيد الانحيازي. هناك جمهور مخلص لكل واحدة من القناتين، يتابعها بشغف ويكاد يصدق كل ما تقوله. خذ مثلاً موقف القناتين من الربيع العربي، تتخذ الجزيرة بشكل واضح موقفاً إيجابياً من الربيع العربي وتدعمه، وتتخذ العربية موقفاً سلبياً منه وتدعم كل ما يدعو لفشله. كلا القناتين وداعميهما لديهم من المبررات والحجج ما يكفي لإشعارهم بأن موقفهم سليم وأخلاقي ومنحاز للشعوب. جماهير القناتين كذلك في الغالب يحملون نفس المواقف، فمن النادر أن تجد متابعاً مخلصاً للجزيرة يكون موقفه ضد الربيع العربي، ولا تكاد تجد متابعاً مخلصاً للعربية له موقف مؤيد للربيع العربي.

ما تفعله القناتان ووسائل الإعلام والمحللين السياسييين بشكل عام هو النظر للأخبار والأحداث بشكل عام، ثم انتقاء ما يحتمل أن يثير اهتمام جمهورهم، وتقديمه لهم بأسلوب وطريقة تدعم قناعات وآراء جمهورهم المسبقة. خذ حدثاً معيناً تناولته القناتان وستجد أن كل وسيلة إعلامية ستقوم بتقديمه بما يوافق توقعات جمهورها المسبقة ولن يحاولوا مصادمة الجمهور بتحليل مناقض لما كان يتوقع أن يسمعه منهم.
ولذلك يمكن القول بأنك تتابع وسيلة إعلامية معينة ليس لأجل المعلومات بل لأجل تأكيد قناعاتك المسبقة. وكذلك الحال بالنسبة لقراءة مقال لكاتب معين اعتدت منه أن يقدم لك رأيه وتحليله بما يتفق مع قناعاتك المسبقة، وأيضاً نفس الحال مع الكتب.

دور النقاد وصنّاع الرأي العام ومشاهير تويتر في ترسيخ الانحياز التأكيدي

ما يفعله النقاد وصنّاع الرأي العام هو ممارسة الانحياز التأكيدي بشكل واضح، ودعم انتشاره بقوة بين متابعيهم.

لظروف معنية تختلف من حالة لأخرى، يصبح لشخص معين متابعون كثر ويصبح ناقداً / صانع رأي. هؤلاء المتابعون في العادة يقومون بمتابعته وبمتابعة كل ما يقوله والاهتمام به لأنه يدعم قناعات مسبقة لديهم وليس لأن لديه أخباراً ومعلومات جديدة بالضرورة ، يعتقدون بأنهم يبحثون عنها.
يقوم هذا الناقد بنشر معلوماته وآرائه بأسلوب معروف به ومتوقع منه ليدعم قناعات متابعيه التي يعرفها ، فيعمل على تعزيزها لإرضائهم وإرضاء ذاته، وتوسيع وتضخيم دائرة متابعيه وتأثيره. لن تجد هذا الناقد يقوم بنشر معلومات أو آراء ضد ما يتوقعه متابعوه منه، وإلا فإن ذلك سيكون بمثابة الصدمة لهم وربما يكون لذلك نتائج عكسية.

مثلاً، ماذا سيحصل لو أن المغرد “مجتهد” قام بنشر معلومة أو رأي أو خبر يفهم منه أن الحكومة قامت بشيء إيجابي؟ سيتسبب ذلك في صدمة متابعيه وربما ثورتهم عليه وتخليهم عنه ، حتى وإن كانت المعلومة صحيحة تماماً. كذلك، ماذا ستكون ردة فعل متابعي محمد عبداللطيف آل الشيخ لو نشر خبراً أو معلومة يفهم منها موقف إيجابي عن جماعة الاخوان؟ سيستغرب متابعوه وسيهاجمونه حتى وإن كان الخبر صحيحاً . وفي نفس السياق ؛ فيما يخص محمد الشنار، ماذا لو نشر خبراً صحيحاً يفهم منه بأن الديمقراطية شيء جيد؟ ماذا لو نشرت الجزيرة خبراً صحيحاً عن جريمة ما ، ارتكبها شخص ينتمي لجماعة الاخوان؟ ماذا لو نشرت العربية خبراً صحيحاً يفهم منه بأن الانقلاب العسكري في مصر هو عمل كارثي وأهوج؟
في كل الحالات السابقة، سيشعر متابعو هؤلاء الأشخاص وتلك الوسائل الإعلامية بالاستغراب أو الصدمة، ليس لأن الخبر صحيح أو خاطئ ، ولكن لأنهم يتابعون هؤلاء الأشخاص وتلك الوسائل الإعلامية كونها تعزز قناعاتهم المسبقة (الانحياز التأكيدي)، وليس لأنهم يبحثون عن أخبار ومعلومات جديدة كما يتوهمون.
وسائل الإعلام والنقاد وصناع الرأي العام يعيشون على الانحياز التأكيدي وهم يعلمون ذلك في الغالب، وجل الناس مصابون بالانحياز التأكيدي (ميل الأشخاص لتفضيل المعلومات التي تؤكد أفكارهم المسبقة أو افتراضاتهم، بغض النظر عن صحة هذه المعلومات) بدون أن يعلموا في الغالب.

في رواية “الحقيقة”، يقول مؤلفها تيري براتشيت على لسان شخصية لورد فيتناري:

كن حذراً، الناس يحبون أن تخبرهم بما يعرفونه مسبقاً. إنهم يتضايقون عندما تخبرهم أموراً جديدة لم يكونوا يتوقعون سماعها منك بالذات. هم لا يتوقعون أموراً جديدة مفاجئة، ولذلك لا يرتاحون للمفاجآت. لا بأس أن تخبرهم مثلاً أن كلباً ما قام بعض إنسان. ذلك ما تفعله الكلاب. سيشعرون بالصدمة لو أخبرتهم عن قيام إنسان بعض كلب مثلاً! لأن العالم لا يجب أن يعمل بذلك الشكل.
ما يعتقد الناس أنهم يرغبون سماعه ، هو الجديد، ولكن ما يرغبون حقاً في الاستماع له هو الشيء المعتاد، القديم. إنهم يرغبون في سماع شيء يقول لهم بأن ما يعرفونه مسبقاً هو أمر صحيح.

دراسة الانتخابات الأمريكية

خلال فترة انتخابات 2008 للرئاسة الأمريكية، أجرى الباحث فالديس كريب دراسة على مشتريات الكتب السياسية التي تمت عبر موقع أمازون. وجد الباحث أن الذين قاموا بشراء كتب تظهر باراك أوباما بصورة إيجابية كانوا مؤيدين مخلصين لحملته الانتخابية وينوون انتخابه. والذين اشتروا الكتب التي تظهره بصورة سلبية كانوا جمهوريين، لا يحبونه وسيصوتون ضده. أي أن الذين اشتروا كتباً تصوره بصورة إيجابية أو سلبية، لم يشتروها لأجل المعلومات أو رغبة في معرفة الجديد، بل لتأكيد نظرتهم الإيجابية أو السلبية نحوه، النادر هو من اشترى كتاباً عن أوباما بتجرد تام لغرض الاطلاع الموضوعي المحايد وهذا شخص غير مصاب بالانحياز التأكيدي.

بالإضافة لبحثه في أمازون، أجرى كيرب الكثير من الأبحاث حول الشبكات الاجتماعية طوال سنوات. نتائج أبحاثه تقول: الإنسان يرغب أن يكون موقفه وفهمه ونظرته للعالم صحيحة، ولذلك فإنه يبحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاته ومبادئه، ويتحاشى ويتجنب الآراء والأدلة التي تناقض قناعاته.

تجربة جين، حتى ذاكرتنا مصابة بالانحياز التأكيدي

تجربة أخرى شهيرة قام بها الباحثان مارك سنايدر و نانسي كانتور في جامعة مينيسوتا 1979، عرض الباحثان على مجموعة من الأشخاص قصة حياة 7 أيام لشخصية وهمية اسمها جين. خلال هذا الأسبوع قامت جين بأعمال وتصرفات ومواقف يمكن أن يفهم منها أنها ذات شخصية انطوائية وتحب الوحدة، وقامت كذلك بأعمال وتصرفات يفهم منها أن شخصيتها اجتماعية ومنفتحة.
بعد أيام، طلب من المجموعة العودة وقام الباحثون بتقسيم المجموعة إلى مجموعتين. المجموعة الأولى وجه لها سؤال محدد: هل ترون بأن شخصية جين مناسبة للعمل في وظيفة أمين مكتبة؟ (وظيفة أمين المكتبة في الثقافة الأمريكية مرتبطة بالأشخاص الانطوائيين والخجولين). أما المجموعة الثانية فقد وجه لها سؤال: هل ترون بأن شخصية جين مناسبة للعمل في وظيفة بائع عقارات؟ (وظيفة بائع/وكيل العقارات في المجتمع الأمريكي يشغلها الأشخاص الاجتماعيون الجريؤون البعيدون تماماً عن الانطوائية والخجل)
أفراد المجموعة الأولى تذكروا مواقف جين كشخصية انطوائية خجولة وقالوا بأنها مناسبة لوظيفة أمين مكتبة ، وأفراد المجموعة الثانية تذكروها كشخصية اجتماعية جريئة وقالوا بأنها تناسب تماماً العمل كبائعة عقارات.
عندما طرح على المجموعة الأولى سؤال عما إذا كانت جين تصلح أن تكون بائعة عقارات؟ اتفق الأعضاء على أنها لا تصلح لهذه الوظيفة واحتفظوا برأيهم الأول ودافعوا عنه بشراسة مؤكدين بأن وظيفتها المناسبة هي أمين مكتبة. ونفس الحال بالنسبة للمجموعة الثانية الذين رفضوا تماماً فكرة مناسبتها لوظيفة أمين مكتبة ودافعوا عن تقييمهم ورأيهم الأول بأنها مناسبة كبائعة عقارات.
تستنتج هذه الدراسة الشهيرة بأن ذاكرة الأشخاص كذلك يمكن أن تقع في فخ الانحياز التأكيدي، فتقوم الذاكرة باسترجاع الأشياء/المعلومات/الذكريات التي تؤكد قناعاتنا الحالية، وتتناسى/تنسى الذكريات والمعلومات والمواقف التي تناقضها.

حاول أن تسرد قصة من ماضيك وستجد أن ذاكرتك تحاول استرجاع أمور تؤيد قناعاتك الحالية وتتجاهل بقصد وبغير قصد أموراً ضد ما تعتقده وتؤمن به الآن.

دور قوقل في ترسيخ الانحياز التأكيدي

سهل الانترنت وقوقل سرعة الوصول إلى المعلومات والاستشهادات والأقوال بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية. هذا أمر رائع بحق، ولكن المشكلة إذا ما اعتدنا أن نبحث عن ما يؤكد قناعاتنا المسبقة فقط وبالتأكيد هناك الكثير منها. كتب المدون جستن أونقز:

شكراً قوقل، بإمكاننا الآن البحث عن أدلة تدعم حتى أكثر الآراء غرابة! إذا لم تظهر قوقل نتائج البحث المرضية لنا والتي تدعم تلك الآراء، فإننا لا نقوم بإعادة التفكير في الفكرة واحتمالية خطئها وغرابتها، بل نقوم بتعديل كلمات البحث والبدء من جديد لكي نصل للنتائج التي نرغب في الوصول لها

الانحياز التأكيدي، ملاذنا الآمن..

كلنا نبحث عن ملاذ آمن يحمي ويدعم قناعاتنا الحالية، نريد أن نطلع على ما يؤكد صحة ما نعتقده من آراء وأفكار، ونظرتنا تجاه المجتمع والعالم من حولنا. وسائل الإعلام وصنّاع الرأي والنقاد وقادة الفكر يعلمون مدى حاجتنا هذه، ولذلك يقومون بتقديم الآراء التي تطربنا عندما ترسخ ما نعتقده مسبقاً، ولا يحاولون التجرّد في نقل الخبر والمعلومة لأن ذلك سيصدمنا ويجعلهم يخسروننا كمتابعين.

المشكلة الكبرى هي عندما تلتحم آراء الفرد مع صورته الشخصية التي كونها حول ذاته ويتخيلها لنفسه، تلك اللحظة يصبح من الصعوبة أن يتنازل الفرد عن رأي معين ورؤية معينة دون أن يتسبب ذلك في الإضرار بشخصيته ونفسيته.

في دراسة في جامعة أوهايو عام 2009 أظهرت النتائج بأن الشخص يقضي 36% وقتاً إضافياً في قراءة مقال/تقرير إذا كان هذا المقال يتماشى مع آرائه المسبقة.

مع مرور الوقت، وعندما يتوقف المرء عن الانفتاح على آراء أخرى ومضادة، فإنه وعبر سنوات من قراءة مجلات وصحف وكتب وآراء معينة من خط واحد، وعبر مشاهدة قنوات وبرامج محددة، يتكون لديه ثقة كبيرة حول صحة نظرته للحياة عبر منظوره الذي خرج به من تعريض عقله وذاكرته لذلك الخط الوحيد، ولا يكاد يقبل التشكيك في صحة رؤيته للعالم.

ولذلك، في المرة القادمة عندما تقول لي يا صديقي بأن وجهات نظرك موضوعية ومنطقية ووسطية وجميلة، قل لي كم اعطيت من اهتمام ووقت وجهد لاكتشاف معلومات وآراء مضادة لرأيك، تختلف عنها وتتحداها؟ هل بنفس المقدار الذي أعطيته للمصادر والأشخاص الذي يؤكدون قناعاتك المسبقة؟

يقول ديفيد مكريني -بتصرف-: في العلم، يقولون بأنه حتى تقترب من الحقيقة وتؤكدها فإنه يجب عليك أن تسعى للبحث عن أدلة مضادة تنقضها، ربما علينا عمل نفس الشيء بالنسبة لآرائنا. حتى نتأكد من صحتها، ربما يجب علينا البحث عن ما يضادها وندرسه بحياد بدلاً من البحث عن المزيد من الآراء التي ترسخ قناعاتنا المسبقة.

كلنا مصابون بالانحياز التأكيدي، نميل لتفضيل المعلومات التي تؤكد أفكارنا المسبقة وافتراضاتنا، بغض النظر عن صحة هذه المعلومات. من الجيد معرفة ذلك والإقرار به. ربما حان الوقت لأن نتعامل معه إن استطعنا، ولكن علينا أن نكون مستعدين لدفع الثمن.

مصادر:

ما هو الكتاب الذي غير مجرى حياتك؟

يذكر د. عبدالله النفيسي في مذكراته (من أيام العمر الماضي) أنه عندما كان طالباً للطب في مدينة مانشستر البريطانية (1961 - 1962) :

بمحض الصدفة وأنا في طريق خروجي من النادي، دخلت مكتبة رثة لبيع الكتب المستعملة، جال نظري في العناوين وإذا بكراسة صغيرة لبيرتراند راسل بعنوان (لماذا لست مسيحياً؟).
اشتريت الكراسة وانكببت عليها في حديقة عامة قريبة من المكتب. كان رسل في هذه الكراسة يشرح سبب إلحاده. قرأتها مرة أخرى في الغرفة في السكن. أصابني الدوار. وأثارت هذه الكراسة لديّ أسئلة كبيرة للغاية وخطرة. وقلت لنفسي: إذا كان هذا العجوز ينشر كراسة كهذه يشرح (عقيدته) في الإلحاد، فهل أعرف أنا لماذا أنا مسلم؟
أصابني الدوار ومسحة من الحزن وصلت حد الكآبة. وأخذت أقرأ وأقرأ ما تتيحه لي مكتبات مانشتسر حول الموضوع. وبحثا عن الأمن النفسي والثقافي سألت عن مسجد مانشتسر وذهبت إلى هناك وتأملت في وجوه المصلين هناك وسحنتهم الشرقية وصليت معهم. لم أتمالك نفسي وبكيت وتخيلت بيرتراند راسل النحيل الأشيب واقفاً عند باب المسجد; ينظر إلي ويسأل ماذا أنت فاعل؟ انشغل بالي وأصابني الأرق وتشبثت بالمعوذات والفاتحة وقصار السور ولم أعد أشتهي الطعام ولا الابتسام. وقررت أن أعتني بهذا السؤال: لماذا أنت مسلم يا عبدالله؟ لأسابيع كان هذا السؤال يلح علي.
انشرح صدري لأن أترك الدراسة في مانستشر وأعود إلى الشرق لدراسة الإسلام، لا بل الانضمام إلى لكلية من كليات الشريعة الإسلامية (القاهرة - دمشق - تونس مثلاً).

عاد النفيسي للكويت وفصلته الحكومة من البعثة لقطع دراسته، وانزعج والده منه بسبب قراره هذا. على مدى سنة دراسية كاملة تفرغ في الكويت للقراءة الحرة وخصوصاً في الإسلاميات مركزاً على علوم القرآن وتفسيره وسيرة ابن هشام والبخاري وسلم وشرح ابن عقيل وما يتفرغ عنها من كتب ودراسات. حاول بعد ذلك الالتحاق بكلية الشريعة (الأزهر) و كلية الشريعة (دمشق) وقوبل بالرفض بسبب أنه لم يتلقى الدراسات الأساسية للتعليم الشرعي ولغته العربية ضعيفة. ونتيجة لذلك قرر الإلتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة السياسة والاقتصاد. وأكمل دراساته العليا في الحقل السياسي لاحقاً.

إذاً كان كتاب برتنارد رسل (لماذا لست مسيحياً؟) هو الكتاب الذي غير مجرى حياة د. النفيسي وجعله يترك دراسة الطب ويعود لبلده ثم يكمل دراسته في مجال لاحق نعرفه به اليوم.
بالنسبة لي أستطيع القول بأن كتاب عبدالرحمن الكواكبي (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) -الذي قرأته مبكراً- يمكن أن يكون الكتاب الذي أعاد تشكيل فكري واهتمامي بالكامل حول الحقوق والحريّات. لاحقاً، قام كتاب علي عزت بيجوفيتش (هروبي إلى الحرية) بدور المرسّخ أكثر لما تشربته من أفكار زرعها الكواكبي. ماذا عنك؟