ما هو الكتاب الذي غير مجرى حياتك؟

يذكر د. عبدالله النفيسي في مذكراته (من أيام العمر الماضي) أنه عندما كان طالباً للطب في مدينة مانشستر البريطانية (1961 - 1962) :

بمحض الصدفة وأنا في طريق خروجي من النادي، دخلت مكتبة رثة لبيع الكتب المستعملة، جال نظري في العناوين وإذا بكراسة صغيرة لبيرتراند راسل بعنوان (لماذا لست مسيحياً؟).
اشتريت الكراسة وانكببت عليها في حديقة عامة قريبة من المكتب. كان رسل في هذه الكراسة يشرح سبب إلحاده. قرأتها مرة أخرى في الغرفة في السكن. أصابني الدوار. وأثارت هذه الكراسة لديّ أسئلة كبيرة للغاية وخطرة. وقلت لنفسي: إذا كان هذا العجوز ينشر كراسة كهذه يشرح (عقيدته) في الإلحاد، فهل أعرف أنا لماذا أنا مسلم؟
أصابني الدوار ومسحة من الحزن وصلت حد الكآبة. وأخذت أقرأ وأقرأ ما تتيحه لي مكتبات مانشتسر حول الموضوع. وبحثا عن الأمن النفسي والثقافي سألت عن مسجد مانشتسر وذهبت إلى هناك وتأملت في وجوه المصلين هناك وسحنتهم الشرقية وصليت معهم. لم أتمالك نفسي وبكيت وتخيلت بيرتراند راسل النحيل الأشيب واقفاً عند باب المسجد; ينظر إلي ويسأل ماذا أنت فاعل؟ انشغل بالي وأصابني الأرق وتشبثت بالمعوذات والفاتحة وقصار السور ولم أعد أشتهي الطعام ولا الابتسام. وقررت أن أعتني بهذا السؤال: لماذا أنت مسلم يا عبدالله؟ لأسابيع كان هذا السؤال يلح علي.
انشرح صدري لأن أترك الدراسة في مانستشر وأعود إلى الشرق لدراسة الإسلام، لا بل الانضمام إلى لكلية من كليات الشريعة الإسلامية (القاهرة - دمشق - تونس مثلاً).

عاد النفيسي للكويت وفصلته الحكومة من البعثة لقطع دراسته، وانزعج والده منه بسبب قراره هذا. على مدى سنة دراسية كاملة تفرغ في الكويت للقراءة الحرة وخصوصاً في الإسلاميات مركزاً على علوم القرآن وتفسيره وسيرة ابن هشام والبخاري وسلم وشرح ابن عقيل وما يتفرغ عنها من كتب ودراسات. حاول بعد ذلك الالتحاق بكلية الشريعة (الأزهر) و كلية الشريعة (دمشق) وقوبل بالرفض بسبب أنه لم يتلقى الدراسات الأساسية للتعليم الشرعي ولغته العربية ضعيفة. ونتيجة لذلك قرر الإلتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة السياسة والاقتصاد. وأكمل دراساته العليا في الحقل السياسي لاحقاً.

إذاً كان كتاب برتنارد رسل (لماذا لست مسيحياً؟) هو الكتاب الذي غير مجرى حياة د. النفيسي وجعله يترك دراسة الطب ويعود لبلده ثم يكمل دراسته في مجال لاحق نعرفه به اليوم.
بالنسبة لي أستطيع القول بأن كتاب عبدالرحمن الكواكبي (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) -الذي قرأته مبكراً- يمكن أن يكون الكتاب الذي أعاد تشكيل فكري واهتمامي بالكامل حول الحقوق والحريّات. لاحقاً، قام كتاب علي عزت بيجوفيتش (هروبي إلى الحرية) بدور المرسّخ أكثر لما تشربته من أفكار زرعها الكواكبي. ماذا عنك؟