الحريّة وطائر السنونو عند بيغوفيتش و المسيري

لو سئلت عن أكثر الشخصيات التاريخية تأثيراً في فكري ووجداني، لما خرج علي عزت بيغوفيتش عن قائمة الشخصيات الثلاث الأولى. مثل كثير من أبناء جيلي، سمعت باسمه لأول مرة مع انفجار حرب البوسنة والهرسك في 1992. وبعدها بسنوات بدأت تقع بين يدي كتبه، وأنا بعده لست كما قبله.

كنت اليوم اقرأ في مذكرات الصحافي الشهير أسعد طهيحكى أن.. عن الذات والحرب والثورة” وهو كتاب ممتع جداً بصياغة قصصية بديعة لا يجيدها إلا القليل. استوقفتني رسالة علي عزت بيغوفيتش من سجنه إلى حفيدته الصغيرة سلمى في الثاني من ديسمبر 1982:

“أنا اليوم حزين قليلاً، طارت طيوري، كتبت لك إن لم تكوني قد نسيت، أنه يوجد هنا أسراب من طيور السنونو، رسمت لك إحداها مع صغارها، من المكان الذي أعمل فيه (الزنزانة) يمكنني أن أرى بعض الأعشاش، وقبل شهرين خرج الصغار من البيض، في العش الأقرب كان هناك أربعة منهم، أولاً كانوا صغاراً جداً، أربعة رؤوس صغيرة كانت تترقب من العش طوال اليوم، كانت صامتة لا تتحرك، أراهن أنها كانت تفكر دائماً في شيء واحد فقط، متى ستأتي العصفورة الأم بالطعام؟ كثيراً ما كانت الأم تحط، تقف للحظة على حافة العش، تضع الفتات في مناقيرهم وتطير ثانية، كنت أنظر إلى كل ذلك طوال اليوم وقلبي كان مفعماً بالأمل”.

يعلّق الكاتب على الرسالة بقوله:

"السنونو وأي طائر آخر إنما يرمز إلى الحرية، حرية أن يختار المخلوق إلى أي اتجاه ينطلق; ولذا كان يرقبها بيغوفيتش بشغف من زنزانته."

ثم ينقل عن بيغوفيتش من كتابه الأشهر “الإسلام بين الشرق والغرب” تعليقاً له على موضوع الحرية، حيث يرى بيجوفيتش أنه إذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقاً، فإن الألوهية لا تكون ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه. ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناً وإما صراحة. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقاً حراً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق. الحرية ليست نتيجة ولا نتاجاً للتطور، فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان. فالله لا ينتج ولا يشيد.. الله يخلق!

ولذا فإن الدكتور عبدالوهاب المسيري وهو يتحدث عن فكرة بيغوفيتش هذه يقول:

“إن الإنسان قد ينجح آجلاً أو عاجلاً في تشييد صورة مقلدة من نفسه، نوع من الإنسان الآلي أو مسخ، شيء قريب الشبه بصانعه. وهذا المسخ الشبيه بالإنسان لن تكون له حرية، سيكون قادراً فقط على أن يتحرك في إطار ما بُرمج عليه. وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي، الذي لا يمكن تكراره أو مقارنته بأي شيء حدث من قبل أو سيحدث من بعد في هذا الكون”.

وأخيراً يعلّق الكاتب على كلام علي عزت بيغوفيتش و تعليق عبدالوهاب المسيري:

هي الحرية إذن التي ناضل “علي” وغيره كثر من أجلها، والتي من أهم تجلياتها “الاختيار”، أن تكون لك الحرية المطلقة في أن تختار ما ترغب فيه، وينسى الناس وهم يتغنون للحرية وحقهم في الاختيار، أنهم سيدفعون ثمن خياراتهم في كل الأحوال.
قرّر أن تكون مستقلاً أو تابعاً، قرّر أن تكون مع هذه المجموعة أو تلك، مع هذا التيار أو ذاك، أو مستقلاً عنهم جميعاً، تتلقى حجارة الجميع، ولا أحد يدافع عنك، قرّر كيفما تريد أن تقرّر، لكن كن مستعداً لتدفع ثمن هذه الخيارات، ألم تسعَ للحرية؟ ها هي الحرية إذن.. لذيذة ومثيرة لكنها مجهدة!

ومزيد من المتعة مع هذا الكتاب حيث أنني مازلت في البدايات..

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.