عزيزي المتجرّد، حان الوقت لنعيد النظر في دور وأثر افتراضاتنا وتوقعاتنا المسبقة

توقعاتنا وافتراضاتنا المسبقة تؤثر جذرياً وتحكم وأحياناً تسيطر على نظرتنا وتقييمنا وأحكامنا على التجارب والأحداث المستقبلية. هذا ما تقوله التجارب والدراسات العلمية عزيزي المتجرّد.

تجربة تحدي بيبسي

أحد الحملات الدعائية الكلاسيكية التاريخية في صناعة الإعلان العالمية هي تجربة شركة بيبسي كولا الشهيرة في منتصف السبعينات1 المعروفة بـ (Pepsi Challenge). قامت شركة بيبسي بحملة تسويقية ذكية في الأسواق التجارية الأمريكية تدعو فيها المتسوقين للمقارنة وهم مغمضي الأعين بين مشروبها ومشروب منافسها كوكا كولا. نتيجة الحملة كانت تفضيل الأغلبية لطعم بيبسي على كوكا كولا رغم أن الثانية تسيطر على السوق الأمريكية بنسبة كبيرة. ولكن عندما أجريت لاحقاً نفس التجربة على المتسوقين وهم يرون العلبتين بوضوح، قاموا بتفضيل كوكا كولا على بيبسي! لماذا رؤية المتسوقين لشكل المنتج أو عدم رؤيته أثر على تقييمهم لطعمه رغم أن الشكل والصورة لا تؤثران على الطعم؟ لأن توقعاتهم المسبقة تجاه المنتجين حكمت على تجربتهم.

الاستمتاع بالأفلام والتوقعات المسبقة

نفس الشيء مع مشاهدة الأفلام، نتائج الدراسات2 تقول بأنه عندما نقرأ تقييم جيد حول فيلم ما، ونسمع كلام الناس والأصدقاء الإيجابي حوله، ففي الغالب سوف نستمتع بتجربة مشاهدته وسيكون تقييمنا له أفضل من لو سمعنا مسبقاً عنه تقييم سلبي أو لم نسمع عنه شيء على الإطلاق. لماذا؟ لأن توقعاتنا المسبقة التي قمنا بتكوينها بالاطلاع على آراء أطراف ومصادر أخرى قامت بتشكيل والتأثير على تجربتنا الشخصية المستقبلية.

أبحاث العلاج بالوهم

أجريت دراسات بحثية كثيرة حول موضوع تأثير الأدوية الوهمية والعلاج بالوهم3 (Placebo Effect) على المرضى. في تجربة لباحثين من هارفارد4 للمقارنة بين علاج مخفف للصداع النصفي وعلاج وهمي، وجد الباحثين أن إعطاء المرضى علاج وهمي يؤدي لتحسن حالتهم الصحية مثل العلاج الحقيقي رغم أن مكوناته وهمية لا تحتوي على أي مكونات علاج حقيقي.
وفي تجارب أخرى5، قام الجراحين بشق جلد المرضى ثم أعادوا خياطته بدون القيام بأي جراحة حقيقية، ومع ذلك تحسنت حالة المرضى وتعافوا. واشتهرت تجربة أخرى لجراحة وهمية للركبة بالمنظار لبعض المرضى، فظهر تحسن كبير لصحتهم ومقدرتهم على المشي مقارنة بالمرضى الذين عملت لهم جراحة حقيقية للركبة بالمنظار.
وهناك تجربة مثيرة أخرى6 أعطي فيها مجموعة من المرضى علاج حقيقي، ولكن قيل لقسم منهم أن قيمة الحبة تكلف دولارين ونصف (سعر غالي)، وقيل لمجموعة أخرى أن قيمة الحبة تكلف 10 سنتات (سعر رخيص)، ظهر للباحثين أن المرضى الذي وجدوا العلاج غالي تحسنت صحتهم أكثر من الذين وجدوا العلاج رخيص!

لماذا ثبت بالدراسات أن الأدوية والعمليات الوهمية والعلاج بالوهم يؤثر إيجاباً على شريحة واسعة من المرضى ويحصل تحسن لصحتهم نتيجة لها؟ لأن افتراضاتهم وتوقعاتهم المسبقة التي حددوها بأنفسهم، والتوقعات المسبقة التي ساعد الأطباء في رسمها لهم، ساهمت جذرياً في جعل تجربتهم لاحقاً متطابقة مع توقعاتهم المسبقة.

ماذا عن تجاربنا وعلاقاتنا مع الآخرين؟

يندر أن يوجد بيننا من لم يكوّن توقعات مسبقة تجاه أشخاص آخرين من دوائر/مناطق/بلدان/مذاهب/ديانات/ثقافات أخرى. الصور النمطية (Stereotype) التي تشكلت لدينا نتيجة تجارب وكتابات ومشاهدات آخرين ثم تحولت إلى توقعات وقناعات مسبقة بوعي أو بدون وعي لدينا، تقوم بالحكم على تجربتنا وتعاملنا المستقبلي معهم.

يقول الفيلسوف الأمريكي دانيال دينيت7: العقل البشري مكينة صناعة توقعات. من الصعوبة على المرء التعامل مع كل الأشياء والأشخاص من حوله بتجرد تام من أي توقعات وافتراضات مسبقة، ولكن إذا عرف ذلك فعلى الأقل عليه أن يحاول السيطرة عليها والتخفيف من تأثيرها عليه وعلى تجاربه المستقبلية.

حياة الإنسان سلسلة طويلة من التجارب، وكلما استطاع خوض تجاربه وبناء علاقاته المستقبلية مع الناس بدون تأثير جذري لتوقعاته وافتراضاته المسبقة، كلما كان أقرب للاستمتاع بتجاربه وعلاقاته مع الآخرين، وربما الحياة ككل.