عن تقاعد رائد الأعمال المبكر، أو عشم إبليس في الجنة..

يوماً ما في العشرينيات كان لدي حلم بأن أتقاعد من الحياة العملية مع حلول سن الأربعين إذا ما كنت على وجه الأرض. في منتصف الثلاثينيات تملّكني شعور متضارب بين الرغبة المحمومة في تحقيق هذا الحلم في سباق مع الوقت، وبين شعور خفي بأنني لن أبلغ هذا العمر حياً.

عندما بلغت الأربعين اكتشفت أنني ولسبب ما مازلت على وجه البسيطة، وفي نفس الوقت لم أحقق حلم التقاعد المبكر هذا. فما الحل؟ قمت بما يمكن أن يفعله أي شخص متذاكي، أي أنني قمت بتمديد سن التقاعد المستهدف ليكون بنهاية الخامسة والأربعين (أي خلال سنتين من الآن). حتى الآن تبدو فرصة تحقيق هذا الهدف غير مطمئنة، مشاريعي التي استثمرت وعملت فيها لسنوات تمر بمرحلة نمو مطّرد (ولله الحمد)، وتتطلب استمرار وجودي في الحياة اليومية العملية.

مع بداية الأربعين وضعت الخطة (ب) قيد التنفيذ بما أن خطة الوصول للتقاعد المبكر لم تنجح، فقمت بمحاولة تعديل أسلوب حياتي لتكون أكثر هدوءاً بحيث تسمح لي بالتركيز على العمل والإنجاز. نجحت بشكل إعجازي في تقزيم كل المشتتات الخارجية الممكنة، ومنعها من التغول على حياتي وتفكيري. ولكن حصل كذلك تعاظم لدور الحياة العملية واحتلالها كامل تفكيري وجهدي وتركيزي، على حساب حياة الراحة والهدوء.

مؤخراً بدأت أقتنع أنني ربما تعمّقت في الحياة العملية بشكل أعمق مما يمكنني الخروج منها قريباً، وبشكل يجعل فكرة التغيير والتقاعد المبكر ربما مستحيلة. انتبهت أنني لم أعمل كموظف يوم واحد في حياتي، طوال حياتي أعمل على إنشاء مشاريع وإدارتها كمؤسس وليس كموظف، وحياة رائد الأعمال تختلف جذرياً عن كل أنواع الحياة العملية. ببساطة، لا أعرف حياة غير هذه ولا أتخيل حياة غيرها.
شعرت واعترفت بالهزيمة بشكل ما، وبأنه علي تقبل شخصيتي التي صنعتها بنفسي و بقراراتي التي اتخذتها على مدى سنوات الشباب.
حددت وتعرفت على عيوبي عن قرب، تعرفت وتيقنت حول ما أجيده وأحبه وما أمقته ولا أجيده، تيقنت من نقاط قوتي التي يمكنني ويجب عليّ التركيز عليها، ونقاط ضعفي التي يجب علي الاعتراف بها أمام نفسي والاستسلام من محاولة تغييرها. حاولت معالجة عيوبي وتحويل نقاط ضعفي التي ترسخت عبر سنين العمر إلى نقاط قوة ولكن فشلت مرة تلو أخرى.
في النهاية وصلت لشيء من السلام والتصالح الذاتي بأن هذا أنا وهذه شخصيتي وهذه قدراتي وهذه عيوبي، وعليّ تعلّم كيفية التعايش مع ذاتي كما هي بدون كثير من القسوة على نفسي. ربما لو اكتشفت كل ذلك في سن مبكرة لكنت تمكنت من تغيير ما لا أحبه في شخصي، ولكن ذلك زمن مضى.

ماذا عن الذين حولي؟ هناك من يحبك كما أنت ولا يسعى لتغييرك لأنه علم يقيناً بأن ذلك لم يعد ممكناً وأن ضغط المحاولات ربما تكسرك، وهناك من يسعى لتغييرك لأنه يحبك ويريد أن تستكمل شخصيتك بمعالجة عيوبك ونقاط ضعفك.
كل الحب والامتنان للاثنين، للأول على صبره وقبوله بي كما أنا وعدم محاولته تغييري، وللثاني على محاولاته تغييري للأفضل، ولكنها محاولات أتت متأخرة بكل أسف.

استعرض التعليقات

احصل على آخر التدوينات عبر بريدك الإلكتروني.